في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات المصرية السعودية فتورًا غير مألوف، ظهرت العديد من علامات تقرب النظام المصري من عديد الأنظمة الشيعية، في سوريا والعراق وإيران، وسط علاقة ملحوظة بين النظام المصري وحوثيي اليمن، على خلاف رغبة السعودية في تكوين تحالف سُني مع مصر وتركيا في مواجهة ما تعتبره الخطر الشيعي في المنطقة.

وتوالى ظهور تلك العلامات، خلال الأسابيع القليلة الماضية، وبالأخص في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وارتبطت بعضها بمواقف ذات سياق زمني أقدم، تصل بعضها لبيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) لعام 2013، كما مثلت القضية السورية محورًا لفهم طبيعة التحالفات في المنطقة.

نعم لبقاء نظام الأسد في سوريا!

في السابع من يوليو (تموز) من عام 2013، أعلنت الخارجية المصرية اتفاقها مع نظيرتها السورية، على الاحتفاظ بالعلاقات القنصلية بين البلدين، عبر القنصلية المصرية في دمشق والقنصلية السورية في القاهرة، تمهيدًا لإعادة العلاقات بين البلدين بشكل كامل، بعد أيام قليلة جدًا من عزل الرئيس السابق محمد مرسي، الذي أعلن في 15 يونيو (حزيران) 2013 دعمه للثورة السورية، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وإغلاق السفارة السورية بالقاهرة واستدعاء القائم بالأعمال المصري في دمشق.

وكانت تلك الخطوة مؤشرًا، على ما يبدو، لما ستكون عليه العلاقة بين النظامين السوري والمصري، عقب بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، لتظهر علامات تقرب النظام المصري، من النظام السوري، وحلفائه، وتمسك مصر ببقاء الرئيس السوري العلوي بشار الأسد في السلطة السورية، تماشيًا مع رؤية روسيا، التي تُعد أكبر حليف دولي لنظام الأسد.

وفي القمة العربية، التي انعقدت بالقاهرة في نهاية مارس (آذار) 2015، استعان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برسالة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ،اقترح فيها حلًا سياسيًا لا يتضمن خروج الأسد من الحكم، وهو ما أغضب سعود الفيصل وزير خارجية السعودية آنذاك، قائلًا في كلمته بالقمة : «الروس يتحدثون عن المأساة في سوريا، بينما يتحملون مسؤولية كبيرة عن المآسي التي تؤثر في الشعب السوري»، مشيرًا إلى بيع السلاح الروسي إلى دمشق.

وفي عبارات أكثر صراحة ووضوحًا، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري، في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، في مقابلة صحافية، وجود خلاف مصري سعودي بشأن الأزمة السورية، مظهرًا رفضًا مصريًّا لإزاحة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، عن الحكم في سوريا، عندما قال: «المملكة تركز على ضرورة تغيير نظام الحكم أو القيادة السورية، ومصر لم تتخذ هذا النهج».

وبعد كلمات شكري بأسابيع قليلة، وقفت مصر وحيدةً من بين الدول العربية والغربية، بجانب مشروع القرار الروسي بشأن حلب، الذي طرحته في جلسة لمجلس الأمن، عُقدت في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول)، ولم يتضمن وقفًا للغارات الجوية الروسية والسورية على حلب، الأمر الذي أغضب عبد الله المعلمي، مندوب السعودية في المجلس، بقوله «من المؤلم أن يكون الموقف السنغالي والماليزي، أقرب إلى الموقف العربي من موقف المندوب المصري».

وعقب ذلك الموقف، زار اللواء علي مملوك، رئيس مكتب جهاز الأمن الوطني السوري القاهرة في 17أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لبحث التعاون بين البلدين «سياسيًا وأمنيًا، واقعًا وآفاقًا»، بحسب ما أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية، التي نشرت الخبر في ظل تكتم مصري عليه، والتقى مملوك خلال الزيارة التي جاءت بناءً على طلب مصري، باللواء خالد فوزي، نائب رئيس جهاز الأمن القومي في مصر وكبار المسؤولين الأمنيين، واتفق الجانبان على تنسيق المواقف السياسية والأمنية بين البلدين.

هذه الزيارة لم تكن الأولى لمملوك في القاهرة، إذ سبقها زيارة جرت في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، التقى فيها مملوك بالرئيس السيسي، في زيارة بعيدة عن الأضواء اتفق فيها الجانبان على مواجهة عدو مشترك يتمثل في «الإخوان المسلمين»، بحسب صحيفة الأخبار اللبنانية.

إيران: «ولماذا لا تُدعى مصر أيضًا؟»

جعلت المواقف سالفة الذكر، مصر أقرب إلى محور النظام السوري، وحليفيه روسيا وإيران، وأبعد من موقف السعودية وتركيا، الذي يؤكد على ضرورة إزاحة الأسد من السلطة، واتخذ هذا الأمر منحى أكثر وضوحًا، عندما كشفت صحيفة الجارديان البريطانية، في تقرير لها نشرته 20 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، طلب وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، من نظيره الأمريكي جون كيري، مشاركة مصر في مؤتمر لوزان، الذي عقد بالمدينة السويسرية، في منتصف الشهر الماضي لمناقشة الأزمة السورية.

وكان من المفترض أن يشارك في المؤتمر، ست دول وهي: الولايات المتحدة الامريكية، وتركيا، والسعودية، وقطر، وروسيا وإيران، وعندما عرض كيري على الدول المشاركة في المؤتمر على ظريف، رد الأخير: «ولماذا لا تُدعى مصر أيضًا؟» بحسب تسريبات رسائل بريد إلكترونية اطلعت عليها الصحيفة البريطانية، التي أكدت أن طهران لن تشارك في المحادثات إلا بعد ضمان مشاركة مصر والعراق فيها.

ويأتي هذا الموقف الأخير، بعد ثلاث أسابيع من لقاء جمع بين شكري وظريف، في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش قمة الأمم المتحدة بنيويورك، أعقبه التصريح سالف الذكر لشكري الذي أكد فيه وجود خلاف مصري سعودي بشأن الملف السوري، تحديدًا فيما يخص بقاء الأسد من عدمه.

وأعقب لقاء ظريف وشكري، أيضًا لقاء آخر بين ياسر عثمان الرئيس الجديد لقسم رعاية المصالح المصرية في طهران، وحسين أمير عبد اللهيان، المدير العام في البرلمان الإيراني للشؤون الدولية، الذي أعرب عن الحماسة الإيرانية للتعاون مع مصر حول القضايا الإقليمية في المنطقة بما في ذلك الأزمة السورية.

العراق: تعاون اقتصادي وسياسي وعسكري

وفي سياق متصل، مثلت العراق، التي طلب ظريف مشاركتها بجانب مصر في لوزان، قبلة وزير البترول المصري طارق الملا خلال الأيام القليلة الماضية، بعدما أوقفت شركة النفط السعودية أرامكو من ضخها النفطي لمصر مع بداية الشهر الماضي.

وبعد زيارة استغرقت يومين للملا في العراق، عاد الوزير المصري إلى القاهرة باتفاقية، أُبرمت الاثنين الماضي، لاستيراد نفط البصرة الخام، لتكريره في المصافي المصرية، وأفادت تقارير صحافية بوجود وساطة روسية إيرانية لعقد ذلك الاتفاق. فيما رحّب الرئيس العراقي فؤاد معصوم، بتوسيع آفاق التعاون بين البلدين في مجال الطاقة، داعيًا مصر للمشاركة في المشاريع الإستراتيجية في «الموصل» بعد تحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وتتوافق القاهرة وبغداد في موقفهم الداعم لبقاء الأسد في سوريا، ومحاربتهما لـ«تنظيم الدولة»، ولا تتحفظ مصر على اعتبار مليشيات الحشد الشعبي العراقي جزءًا من الجيش العراقي، بالرغم من الانتهاكات الموثقة التي تُمارسها تلك المليشيات بحق أهل السنة، بذريعة تعاون المدنيين السُنَّة مع «تنظيم الدولة».

ولا يتوقف التوافق بين القاهرة وبغداد على الجوانب السياسية والاقتصادية فقط، إذ قال خالد العبيدي -وزير الدفاع العراقي- في مقابلة له مع صحيفة اليوم السابع المصرية، أجراها في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي، إن «السيسي قد وجّه الفريق أول صدقي صبحي بالانفتاح والتعاون لأقصى حد مع وزارة الدفاع العراقية»، وبعد نشر تلك التصريحات بنحو أسبوعين، أعلنت العراق أنها سترسل قوات عسكرية عراقية لتلقي التدريب في مصر.

موقف مصري مرتبك مع حوثيي اليمن

مع إعلان المملكة العربية السعودية قيادتها لتحالف عربي، لشن ما سمتها بعاصفة الحزم ، في 15 مارس (آذار) 2015، لدعم الرئيس عبد ربه منصور هادي، ومواجهة الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، أعلنت مصر مشاركتها في التحالف العربي في اليمن، ولكن في الثاني من أبريل (نيسان) 2015، عاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليقول «إن الجيش (المصري) لمصر مش لحد تاني» وفي يوم 17 من نفس الشهر، حدد السيسي مشاركة مصر بحرًا وجوًا فقط، في حرب اليمن.

ويشوب المشاركة المصرية في حرب اليمن الغموض، مع تقلص الحديث الرسمي المصري عنها تدريجيًا، وقبيل أيام من بدء عاصفة الحزم، في الرابع من مارس (آذار) 2015، وصل وفد من جماعة الحوثي إلى القاهرة ، لـ«مناقشة تطورات الوضع في اليمن وفتح سبُل التعاون مع القيادة المصرية» بحسب عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي عبد الملك العجري.

ولكن الخارجية المصرية أصدرت بيانًا في نفس اليوم، نفت فيه عقد وفد ممثل لجماعة الحوثيين اليمنية لقاءات مع المسؤولين المصريين في مقر وزارة الخارجية بالقاهرة. و لم ينفِ البيان وصول الوفد إلى القاهرة، أو عقده لقاءات مع مسئولين مصريين آخرين خارج مقر وزارة الخارجية، وأكد البيان دعم مصر «للمؤسسات والرموز الشرعية لدولة اليمن، وأهمية اضطلاعها بمسؤوليتها القومية من أجل الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية ومصالح شعب اليمن الشقيق».

وفي واقعة أخرى، أثارت الشُبهات حول دعم مصري سري للحوثيين، على عكس الموقف المعلن في الملف اليمني، كشف مصدر عسكري يمني رفيع المستوى لصحيفة «العربي الجديد»، تسلُّم الحوثيين زوارق بحرية من مصر خلال الأشهر الماضية، موضحًا في تصريحات أدلى بها في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي «إن قائد معسكر الضحي في مديرية اللحية الساحلية، يحيى حسين أبو حلفة، وتاجر السلاح المقرب من صالح، زيد عمر الخُرج، تسلما 12 زورقًا من ضباط في البحرية المصرية خلال الشهرين الماضيين».

وأشار المصدر إلى «وجود قنوات اتصال بين الحوثيين والاستخبارات المصرية وعلاقة طيبة بين الحوثيين ومصر بدأت عقب ثلاثة أشهر من انطلاق عاصفة الحزم»، وأثارت تلك الواقعة الكثير من التساؤلات حول الدعم المصري للحوثيين، وعند مواجهة مسؤولين مصريين، تباينت ردودهم بين التنصل من التعليق أو عدم التعليق، دون إثبات أو نفي الواقعة.

إذ حاول موقع «إرم نيوز» الحصول على تعليقات رسمية مصرية بهذا الشأن، وبحسب الموقع فقد رفض المتحدث باسم الحكومة المصرية السفير حسام القاويش التعليق في البداية، قبل أن يقول «إن هذه التقارير تستهدف زعزعة استقرار البلد، وإن الجهات الأمنية هي المعنية بالرد على الأمر».

وعندما تواصل الموقع مع مصدر مسؤول بوزارة الداخلية لم ينف أو يُثبت الواقعة وقال إن « مدّ مصر الحوثيين بأسلحة ليس له علاقة بوزارة الداخلية، وإن وزارة الداخلية تعلق فقط على الأحداث الداخلية والمرتبطة بالشأن المحلي (…) الجهات المنوط بها التعليق على هذا الأمر هي الحكومة ورئاسة الجمهورية».

يأتي هذا فيما رفض السفير صلاح عبد الصادق، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، التعليق على الواقعة، وقال «لا تعليق (…) آسف مش أي حاجة تتكتب على مواقع التواصل الاجتماعي، هيئة الاستعلامات تردّ عليها» مُضيفًا «ليس لدي تصريحات خاصة بهذه الإشاعات، والمنوط به إثبات صحة هذه المعلومات هو وزارة الدفاع ووزارة الخارجية»، فيما اعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية، أحمد أبو زيد أن تلك الأخبار «لا تستحق التعليق عليها؛ لأنها صنعت من أجل زعزعة استقرار البلد».

عرض التعليقات
تحميل المزيد