انتهت –أمس الأول – انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، بفوز سويسري آخر ليخلف مواطنه سيب بلاتر وخسارة عربية بعد ترشح عربيين للمنصب في فرصة وصفها محللون بـ”التاريخية” للعالم العربي للوصول إلى عرش اتحاد اللعبة الأكثر جماهيرية.

 

(1) ماذا حدث بانتخابات الفيفا الأخيرة؟

 

في يوم الجمعة 26 فبراير الماضي أُجريت انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا، وترشح لها 5  مرشحين بينهم عربيان وهم: السويسري جياني إنفانتينو سكرتير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، والأمير الأردني علي بن الحسين، والبحريني الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، والفرنسي جيروم شامباني الأمين العام السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم، والجنوب أفريقي توكيو سيكسويل. (1)

وصوت في الانتخابات 207 اتحادات كرة قومية بعد منع كل من الكويت وإندونيسيا من التصويت، وقد وزعت الأصوات على القارات كالآتي:

الاتحاد الأفريقي لكرة القدم 54 صوتًا، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم 53، والاتحاد الآسيوي لكرة القدم 44 بعد منع (الكويت وإندونسيا من التصويت، واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى “كونكاكاف” 35 صوتا، واتحاد أوقيانوسيا 11 صوتا، واتحاد أمريكا الجنوبية “كونيمبول” 10 أصوات.

وقد تمكن “جياني” من الفوز بالانتخابات  بعدما حصل في المرحلة الأولى على 88 صوتًا متفوقًا على أقرب منافسيه “آل خليفة” بـ3 أصوات فقط، ليليه “الحسين” الذي حصل على 27 صوتًا، ليحسم جياني المعركة في الإعادة بحصوله على 115 صوتًا في مقابل  88 صوتًا لـ”آل خليفة” و4 أصوات لـ”الحسين” وبذلك يتعدى أغلبية الـ50%. (2)

(2) لماذا خسر العرب؟

 

“بعض الدول أعطت وعودًا لكنها لم تلتزم بها،كلنا عرب لكن للأسف البعض ساند المرشح الآخر ونتمنى أن يتغير ذلك في المستقبل. نحن العرب كان يجب أن نوحد مواقفنا ونكون أكثر وضوحًا مع بعضنا البعض”.

هكذا علق “آل خليفة” على النتيجة، بعد ضياع فرصة على العرب وصفها محللون بـ”التاريخية” وقد عول آل خليفة على الاتحاد الآسيوي، والاتحاد الأفريقي اللذين تعهدا بدعمه في الانتخابات، وأفادت تقارير صحفية بأن بعض الدول الإفريقية حنثت بوعدها تجاه دعم آل خليفة، وهو ما نفاه رئيس الاتحاد السوداني – معتصم جعفر – الذي أكد الالتزام الإفريقي بدعم آل خليفة عندما علق “أفريقيا التزمت بما وعدت به، ولكن واضح أن هناك اختراقات في آسيا أدت إلى هذه النتيجة”.

ولذلك يمكن إرجاع الإخفاق العربي في انتخابات الفيفا الأخيرة، للانقسام العربي حول المرشحين وعدم الالتفاف حول مرشح واحد  مما أدى إلى تفتيت الأصوات بين المرشحين العرب، ليفوز جياني بدعم كبير من أوروبا وأمريكا الجنوبية.

ولو تم جمع الأصوات التي حاز عليها المرشحان العربيان، التي بلغت في الجولة الأولى مجتمعة 112 صوتًا، لتعززت فرصة أحدهما لحسم المقعد، ولكن الخلاف والانقسام العربي بين آل خليفة وابن الحسين لم يكن جديدًا.

ففي الانتخابات التي أُجريت في مايو الماضي، أعلن آل خليفة دعمه للسويسري جوزيف بلاتر على حساب الأردني “بن حسين” مما ساعد على خسارة الأخير أمام بلاتر الذي حصل على 133 صوتًا في مقابل 73 صوتًا لـ”بن حسين” قبل أن يتنازل بلاتر عن منصبه بعد 4 أيام من الوصول إليه، لتجرى الانتخابات الأخيرة.

ويمتد الخلاف بين “آل خليفة” و”بن الحسين” إلى ما هو أعمق من الانتخابات الأخيرة؛ فبعدما وصل “آل خليفة”  لرئاسة الاتحاد الآسيوي عام 2013، قرر إجراء بعض التغييرات التي أدت إلى خسارة الأمير علي عضويته كأحد ممثلي آسيا في اللجنة التنفيذية للفيفا! (3)

 

(3)الفساد والسياسة تحومان حول وعود جياني الانتخابية

 

قبيل بدء الانتخابات بأيام قليلة، تعهد جياني بتخصيص 5 ملايين دولار لكل اتحاد وطني كل 4 أعوام بدعوى المساهمة في تطوير كرة القدم في مختلف بلدان العالم في حال فوزه بالانتخابات، وبالرغم من براقة الوعد فقد طالت الانتقادات والشكوك حول ذلك الوعد باعتباره بمثابة رشوة انتخابية ورآه محللون بأنها “عملية إغراء واضحة لشراء الأصوات”، وقد ساعدته بشكل مباشر أو غير مباشر في النجاح بانتخابات الفيفا في النهاية. (4)

 

وعلى المستوى السياسي، فقد يُنظر إلى فوز جياني بأنه قد يُعد انتصارًا غربيًا ليس فقط على العرب وإنما أيضًا على روسيا، وبالأخص بعدما وُجهت اتهامات لبلاتر بأنه انحاز لروسيا بمنحها استضافة كأس العالم لعام 2018 على حساب بريطانيا، وانحاز لقطر على حساب أمريكا بمنحها استضافة كأس العالم لعام 2022، ليأتي فوز جياني على حساب آل خليفة الذي أيد بلاتر في انتخابات مايو الماضي، وسط تدهور في أصوات “بن الحسين” الذي كان يستهدف تحقيق الشفافية وفق برنامجه المعلن، بعد تورط بلاتر وبلاتيني رئيس الاتحاد الأوروبي باتهامات تتعلق بقضايا فساد.

 

(4)تاريخ من التأثير السياسي

 

“لا أحد يستطيع شراء حق تنظيم كأس العالم”.

هكذ يؤكد بلاتر رئيس الفيفا السابق، نافيًا اتهامات الفساد الموجهة إليه بخصوص منح تنظيم كأس العالم لعامين 2018  و2022 لكل من روسيا وقطر على الترتيب، وقد أدت تلك الاتهامات التي عكف عليها كل من  مكتب التحقيق الفيدرالي الأمريكي ووزارة العدل الأمريكية وأدت إلى إيقاف كل من بلاتر وبلاتيني عن ممارسة أي نشاط يخص كرة القدم لمدة تصل إلى 8 سنوات، بالإضافة إلى وصول التحقيقات إلى تورط حوالي 30 مسئولًا سابقًا وحاليًا للفيفا.(5)

 

واستأنف بلاتر حديثه الذي أشار فيه إلى تأثير النفوذ السياسي عندما قال “سيذهب (حق التنظيم) في النهاية إلى حيث يوجد النفوذ السياسي الأعلى”. مُضيفًا “بالنسبة لبطولة 2022، على الأقل كان لدى بلاتيني اللباقة كي يتصل بي ويقول: (اجتمعنا مع رئيس الدولة، وإذا طلب مني دعم فرنسا لعدة أسباب فسوف أفعل). لقد قال (صوتي لن يذهب للأمريكيين)” في إطار حديث بلاتر عن “أن الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، طلب من بلاتيني ألا يصوّت لصالح استضافة الولايات المتحدة بطولة 2022” وهو ما نفاه بلاتيني. (6)

 

ويشوب منح الفيفا لقطر الحق في تنظيم كأس العالم لعام 2022، شبهات أيضًا بالأخص فيما يتعلق بحقوق العمال الأجانب العاملين في منشآت كأس العالم، بالإضافة إلى ما يتردد عن وفاة 1200عامل أثناء بناء المنشآت الخاصة بكأس العالم وفقًا للاتحاد الدولي للنقابات الذي يتوقع وفاة 4000 عامل آخرين في عمليات البناء، وهو ما يندرج تحت ما يسمى بـ”الاستعباد الحديث”، وهو ما يتسبب في احتلال قطر المركز الرابع عالميًا في مؤشر الاستعباد العالمي الذي يضم 167 دولة.(7)

وهي أسباب يراها محللون جديرة بعدم منح قطر هذا الحق، وبالأخص عند الإشارة بأن حصيلة وفيات العمال في البرازيل أثناء الاستعداد لتنظيم كأس عالم 2014 بلغ 10 عمال فقط، في حين تقلصت تلك الحصيلة في كأس عام 2010 الذي نظمته جنوب أفريقيا بمقتل عاملين فقط، وهي أرقام تُظهر مدى ضخامة حصيلة الضحايا العمال في قطر.(8)

أما عن كأس عالم 2018 الذي منحت الفيفا روسيا حق تنظيمه، فيشوبه اتهامات شبيهة بكأس عالم 2022، إذ أدى منح روسيا هذا الحق رفض عدد من كبار الساسة في أوروبا له، رفض وصل رئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو الذي دعا في وقت سابق إلى مقاطعة كأس العالم 2018، وتضغط الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أكبر في هذا الملف وبالأخص بعد الخلاف الغربي الروسي حول الموقف الروسي في جزيرة القرم، والذي أدى لفرض عقوبات غربية على روسيا.(9)

ودائمًا ما يُصاحب حق تنظيم كأس العالم، مكانة عالمية ونفوذ بتنظيم اللعبة الأكثر جماهيرية في العالم، ويضيف إلى الدولة المنظمة ما يمكن وصفه بـ”اعتراف عالمي” باستقرار الدولة وتحقق الأمان فيها، بالإضافة إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال توفير فرص عمل وتنشيط السياحة أيضًا، لذلك دائمًا ما يرفض المجتمع الغربي منح هذا الحق لدول غير ديمقراطية كروسيا التي تقمع معارضيها. (10).

وقبل 38 عامًا وقعت ما يمكن وصفها بـ”أكبر واقعة لتسييس اللعبة الجماهيرية” عندما منحت الفيفا الأرجنتين حق تنظيم كأس العالم لعام 1978، وهو أمر استغلته الديكتاتورية العسكرية هناك لعمل دعاية سياسية لها لكسب نفوذ عالمي يُغطي على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام الأرجنتيني عقب الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد،(11) وهو ما قد يُفسر المخاوف الغربية من تنظيم الدول غير الديمقراطية عمومًا للحدث العالمي. (12)

81474779

 

ونعود بالتاريخ إلى كأس عالم 1978، عندما هددت عدد من الدول مقاطعة كأس العالم اعتراضًا على انتهاكات حقوق الإنسان هناك، وعندما أُقيمت البطولة أُثيرت اتهامات الفساد والرشاوى للتأثير في النتائج لصالح الأرجنتين لتحقيق الدولة مزيدًا من الدعايا خلال كأس العالم الذي انتهى بأول فوز للأرجنتين في تاريخ كأس العالم.

فخلال البطولة كانت الأرجنتين تلعب كل مبارياتها ليلًا بعد معرفة نتائج مباريات المجموعة، وعندما صعدت للدور الثاني ووقعت في مجموعة تضم غريمها التقليدي منتخب البرازيل، بالإضافة إلى مُنتخبي بيرو وبولندا، كان يتحتم على الأرجنتين تصدر المجموعة كي تصعد للنهائي مُباشرة، ولكن كانت المهمة صعبة فلم يكن هناك مفر إلا الفوز على بيرو بستة أهداف مقابل لا شيء كي تصعد الأرجنتين للنهائي بفارق الأهداف على حساب البرازيل التي تساوت معها في النقاط، وهو ما حدث بالفعل لتُثار الشكوك حول التلاعب في نتيجة المبارة بتلقي لاعبي المُنتخب البيروفي لرشاوى للوصول لهذه النتيجة، ومساومة الحكومة البيروفية على محكومين لدى الأرجنتين للإفراج عنهم وإعادتهم إلى بيرو مقابل خسارة بيرو المباراة بستة أهداف، وبالأخص أن الأهداف شهدت تراخيًا ملحوظًا في الخطوط الدفاعية البيروفية، لتصل الأرجنتين إلى النهائي وتلتقي بهولندا في غياب نجمها الأول يوهان كوريف عن البطولة لتلقيه تهديدات بالاغتيال ولأسباب سياسية، لتفوز الأرجنتين ببطولة كأس العالم بعد فوزها بـثلاثة أهداف مقابل هدف واحد.(13)

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد