انتهت قبل أيام تدريبات عسكرية مشتركة بين الصين والسعودية، في خطوة هي الأولى من نوعها  بين البلدين، وتأتي في سياق أوسع من الشراكات الاقتصادية الكبرى بينهما، بالرغم من وجود بعض الخلافات السياسية، وتزداد أهميتها بعد توتر العلاقات السعودية الأمريكية بسب قانون جاستا.

دوافع البلدين الأمنية للتدريب المشترك

في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بدأت فعاليات التدريب الأمني المشترك بين الصين والسعودية، والذي يحمل اسم «الاستكشاف2012 »، ووقعت البرنامج التدريب المشترك في مدينة تشونج تشينج جنوب غربي الصين، بمشاركة25  من أفراد الوحدات الخاصة بين البلدين، واستمرت التدريبات لأسبوعين، وتركزت بشكل أساسي «على المهارات والأساليب القتالية لمكافحة الإرهاب والتهديدات الأمنية غير التقليدية»، بحسب صحيفة جيش التحرير الشعبي الصينية.

وتأتي هذه التدريبات في ظل رغبة الحكومة الصينية في تعزيز مشاركتها الدبلوماسية بالمناطق التي تشهد اضطرابات، مع تصاعد ما تراه من تهديدات «إرهابية» على شركاتها ومواطنيها، واضطرابات قد تتسرب من أفغانستان، وباكستان، وطاجيكسان، إلى منطقة شينجيانج الصينية، المتجاورة مع تلك البلدان، ويعيش فيها المسلمون الإيجور غربي الصين.

وشهدت تلك المنطقة اضطراباتٍ شديدة أدت لمقتل المئات خلال السنوات القليلة الماضية، وتُحمل الحكومة الصينية  جماعات الإيجور مسؤولية تلك الاضطرابات، وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية أن العنف في شينجيانج جاء في الأغلب كرد فعل على السياسات الحكومية القمعية، والقيود الدينية التي تفرضها الحكومة على الإيجور. وتنفي الحكومة الصينية تلك الاتهامات، وتسعى لوقف التهديدات التي تأتيها من تلك المنطقة، وشكلت في أغسطس (آب) الماضي تحالفًا مناهضًا للإرهاب مع حكومات الثلاث دول المجاورة لشينجيانج، وهي: أفغانستان وباكستان وطاجيكستان.

ومن ناحية أخرى، تأتي هذه التدريبات المناهضة للإرهاب، في ظل ما تراه الحكومة السعودية من مخاطر «إرهابية» تُحدق بالمملكة من داخلها وخارجها، فمن الداخل تبنى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عددًا من العمليات التي أضرت المملكة من داخلها، وأسفرت عن مصرع ما لا يقل عن 53 شخصًا.

أما عن الخارج، فقد أدى التدخل العسكري السعودي في حرب اليمن في مارس (آذار) العام الماضي، إلى ضربات وصواريخ، يُطلقها الحوثيون من اليمن، على أهداف بالداخل السعودي بين الحين والآخر، وقد أعلنت قيادات بالتحالف الذي تقوده المملكة، أمس الخميس، اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه منطقة مكة المكرمة.

اقرأ أيضًا: خط زمني لأبرز هجمات «تنظيم الدولة» في السعودية

المواقف السياسية من القضايا الإقليمية

وعلى الصعيد السياسي، فقد حاولت الصين، خلال الأعوام الماضية  الظهور كطرف «محايد» في الصراعات الإقليمية التي يشهدها الشرق الأوسط، إذ استقبلت سلفًا وفدًا من النظام السوري، وآخر من معارضيه، وتجاهلت الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية في المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية؛ ترسيخًا لصورتها «المحايدة».

وكانت هذه الصورة، التي تسعى الصين دومًا لتقديمها عن نفسها في الشرق الأوسط، قد اهتزت مرة تلو الأخرى، بلعب الصين أدوارًا بدت مُتحيزة للنظام السوري في بداية الثورة عليه، وذلك في العامين الأولين للثورة التي دخلت عامها السادس، برفض تكرر ثلاث مرات لفرض عقوبات دولية من مجلس الأمن على النظام السوري، باستخدامها بجانب روسيا حق الفيتو، في مواجهة القرارات التي كانت مدعومة من الغرب، تحت شعار المحافظة على بنيان الدولة.

وفي آخر قرارات مجلس الأمن بشأن سوريا، امتنعت الصين عن التصويت على المشروع الفرنسي الإسباني، بشأن وقف الغارات الجوية على حلب، وهو القرار الذي وافقت عليه السعودية، في الوقت الذي أيدت فيه الصين القرار الروسي بشأن حلب، وهو قرار رفضته السعودية، وتُظهر جلسة مجلس الأمن تلك مع ما سبقها من جلسات، الميل الصيني لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد، مُخالفةً بذلك الموقف السعودي الذي يستهدف إسقاط الأسد، ولكن من ناحية أخرى، أبدت الصين دعمها للشرعية في اليمن، ودعمها لقرارات مجلس الأمن،  وقرارات مجلس التعاون الخليجي بهذا الشأن، وهو موقف يتسق مع موقف السعودية في الحرب باليمن.

31  اتفاقية.. المصالح الاقتصادية تقفز على الخلافات السياسية

جاء تأكيد الصين دعمها للشرعية في اليمن، خلال زيارة  أداها الرئيس الصيني شي جين بينج للسعودية، في يناير (كانون الثاني) من العام الجاري، وهي الزيارة الصينية الأولى من نوعها للمملكة منذ سبع سنوات، ويأتي تدريب »الاستكشاف 2016»، ثمرة لتعهدات الطرفين في الزيارة، بزيادة التعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب.

وأسفرت الزيارة عن توقيع  14اتفاقية تعاون بين البلدين، من بينها اتفاقية لإنشاء مفاعل نووي، وتعزيز التعاون المشترك بشأن الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الذي طرحته الصين في2013 ، ويستهدف تعزيز علاقة بكين مع منطقتي الشرق الأوسط وأوروبا، كما تضمنت الاتفاقيات التعاون المشترك بين البلدين في مجالات: البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والعلوم، والتقنية، والملاحة بالأقمار الصناعية، والسلاح، والصناعات غير النفطية، تلك الصناعات التي تتسق مع خطة الإصلاح الاقتصادي السعودية التي تهدف إلى زيادة الاعتماد على الاقتصاد غير النفطي.

ولم تتوقف الاتفاقيات المشتركة بين البلدين عند هذا الحد، ففي أغسطس (آب) الماضي، وقّع  البلدان  17اتفاقية ومذكرة تفاهم، خلال زيارة أجراها وفد سعودي رفيع إلى بكين، ترأسه  ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وارتبطت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بمجالات: الطاقة، وتخزين الزيوت، والقروض التنموية، وتنمية الطرق، والمعلومات، والإسكان، والتعدين، والتجارة، والموارد المائية، ورقابة الجودة، والعلوم، والترجمة، والأدب.

قلق أمريكي من التقارب الصيني السعودي بعد أزمة جاستا

يأتي التقارب السعودي الصيني المتزايد خلال الأيام والشهور الماضية، في الوقت الذي يزداد فيه التوتر بين السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، أقوى حلفاء المملكة بسبب قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا)، والذي يسمح لأهالي ضحايا أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بمقاضاة مسؤولين سعوديين، ويتعدى الحصانة السيادية للدول.

ومنذ الحديث عن ذلك القانون في أمريكا، والمسؤولون السعوديون يحذرون من إقراره، مُهددين ببيع سندات خزانة وأصول سعودية  في أمريكا تبلغ قيمتها حوالي 750 مليار دولار، بحسب صحيفة نيويورك تايمز، وإقرار الكونجرس الأمريكي للقانون بعد تجاوزه فيتو الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وضع الإدارة الأمريكية في موقف حرج، مع تأكيد رفضها للقانون، وتأثيراته السلبية في المصالح الأمريكية.

هذا المعنى، أكده وزير الخزانة الأمريكي، جاك ليو، أمس الخميس، خلال زيارته للسعودية ولقائه بنظرائه من دول مجلس التعاون الخليجي، عندما قال:» أود تأكيد أننا نعتقد أن قانون جاستا سيدخل تغييرات واسعة في القانون الدولي القائم منذ زمن فيما يخص الحصانة السيادية، وفي حال تطبيق ذلك على نطاق عالمي، فقد يكون له تأثيرات خطيرة في مصالحنا المشتركة»، ويبدو أن زيارة ليو الأخيرة جاءت لمحاولة تدارك إقرار قانون جاستا، وعجّل بها القلق الأمريكي من التقارب السعودي الصيني المُطرد.

اقرأ أيضًا: مخاوف السعودية وأمريكا من إقرار الكونجرس لقانون محاسبة «رعاة الإرهاب»

وأيضًا: مسلسل قانون «جاستا»: مصر تتابع.. وتركيا أكبر الداعمين للسعودية

عرض التعليقات
تحميل المزيد