يزداد التوتر بين مصر وإيطاليا بسبب قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، مما يُهدد بتفكك علاقات اقتصادية وسياسية قوية تجمع روما والقاهرة.

توتر علاقات البلدين السياسية بسبب ريجيني

بمرور الوقت، يزداد التوتر في العلاقات المصرية الإيطالية، بسبب قضية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني الذي قُتل في مصر، و عثرت على جثته في طريق القاهرة إسكندرية الصحراوي، في فبراير (شباط) الماضي وعليها آثار تعذيب.

وتتعثر التحقيقات في تلك القضية وتتضارب الروايات الرسمية المصرية، مما أثار الشكوك الإيطالية حول مصداقيتها. ويطالب الجانب الإيطالي مصر بتقديم الحقيقة وإجراء تحقيقات أكثر شفافية، في الوقت الذي يؤكد فيه الجانب المصري على تعاونه الكامل في تحقيقات القضية.

 

وحملت الطلبات الإيطالية تهديدات باتخاذ إجراءات عقابية ضد مصر ، قبل أن تتجه تلك التهديدات لمنحى أكثر جدية، عندما اتخذ البرلمان الإيطالي قرارًا -قبل أسبوعين- بوقف تزويد مصر بقطع غيار لطائرات «إف -16» الحربية، وأكده مرة أخرى في السادس من يوليو (تموز) الجاري، بالرغم من تعبير الخارجية المصرية عن «عدم ارتياحها» إزاء القرار.

وعقب تأكيد القرار، رفض علي عبد العال، رئيس البرلمان المصري، القرار باعتباره «خطوة تعكس توجها نحو التصعيد، ما قد تكون له نتائج سلبية على العلاقات الثنائية بين البرلمانين»، كما هددت مصر بمراجعة التعاون القائم بين البلدين في ملف مكافحة الهجرة غير الشرعية، و في الملف الليبي.

 

ولكن إيطاليا لم تتراجع، وصعّدت من خطابها، عندما هدد كارلو كاليندا، وزير التنمية الاقتصادية الإيطالي، بإمكانية وقف التفويض الذي منحته الحكومة الإيطالية، في 13 يونيو (حزيران) الماضي، لشركة «أريا سبا»، لتصدير برامج مراقبة عالية الجودة إلى مصر.

ونفى كاليندا وجود عقبات فنية تقف أمام القرار ، لافتًا إلى ما وصفه بعقبات «ذات طابع سياسي، تستند إلى ضرورة تطبيق معايير أكثر صرامة، بالنسبة لتصدير الأجهزة ذات الاستخدام المزدوج». وتجدر الإشارة إلى أن حجم تلك الصفقة بلغ حوالي 3.1 مليون دولار.

وفي يوم الثلاثاء الموافق 12 يوليو (تموز) الجاري، أصدر طارق الخولي، أمين سر لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري، بيانًا عاجلًا لوزير الخارجية المصري، وصف فيه التصعيد الإيطالي بـ«غير المبرر»، مُطالبًا بضرورة الفصل بين مسار تحقيقات قضية مقتل ريجيني، ومسار العلاقات بين القاهرة وروما «الممتدة منذ سنوات طويلة، والتي تحكمها مصالح اقتصادية وأمنية متبادلة» على حد وصف البيان.

أسرة ريجيني تطالب بمزيد من التصعيد

بالرغم من التصعيد الإيطالي الذي وصل إلى اتخاذ أول قرار عقابي «تجاري» ضد مصر ، والتلويح بإمكانية اتخاذ إجراءات عقابية مُشابهة، بعد استدعاء السفير الإيطالي في القاهرة للتشاور معه في أبريل (نيسان) الماضي، بشأن قضية ريجيني، إلا أن تلك القرارات ليست كافية على ما يبدو بالنسبة لأسرة ريجيني، التي طالبت إيطاليا وأوروبا باتخاذ خطوات أكثر تصعيدية ضد مصر ، مهددة بنشر أكثر من 250 صورة لجثة ريجيني.

 

 

وطالب والدي ريجيني إيطاليا والدول الأوروبية، بسحب سفرائها من مصر واعتبارها بلدًا غير آمن للسياحة، وقطع العلاقات التجارية والعسكرية معها؛ للضغط على الحكومة المصرية من أجل إجراء تحقيق شفاف، بشأن مقتل ريجيني. ويبدو أن ضغط أسرة ريجيني، أدى إلى تحقيق نتائج ملموسة ولو على نطاق ضيق، بقرار وقف تزويد مصر بقطع غيار مقاتلات الـ«إف-16»، ولكن يظل ما طلبته الأسرة أبعد بكثير مما تحقق بالفعل على أرض الواقع.

أبرز الملفات الاقتصادية بين البلدين

بالرغم من التوتر السياسي والدبلوماسي في علاقات البلدين بسبب أزمة ريجيني، وتوقيع إيطاليا بعض العقوبات الاقتصادية على مصر، ذلك بالإضافة إلى التلويح المصري بوقف التعاون الأمني، فيما يخص ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، إلا أن البلدين تجمعهما علاقات اقتصادية قوية قد تُخفف من توتر العلاقات السياسية، أو قد تُستخدم لتحقيق المزيد من الضغط السياسي.

فعلى الصعيد الأوروبي، تُعد إيطاليا الشريك التجاري الأول لمصر سواء في حجم التجارة المتبادلة، أو في استيعاب الصادرات المصرية، و عالميًا تعتبر إيطاليا الشريك التجاري الثاني لمصر بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2014، ليتخطى حاجز 5 مليار يورو مقارنة ب4.7 مليار يورو في عام 2013، وفقًا لتقارير وإحصاءات رسمية مصرية.

وعلى مستوى الاستثمار الإيطالي في مصر، فتفيد تصريحات سابقة، خلال هذا العام لطارق قابيل، وزيرة التجارة والصناعة المصري، بأن إيطاليا تأتي في المركز الخامس عالميًا، في قائمة أكبر الدول المستثمرة في مصر ، لافتًا إلى أن حجم الاستثمارات الإيطالية في مصر يبلغ نحو 1.4 مليار دولار ، موزعة على 965 شركة، في مجالات تكنولوجيا المعلومات والتمويل والصناعة والزراعة والمقاولات والخدمات والسياحة.

وتوقع قابيل، في الثالث من فبراير (شباط) الماضي، أن تشهد الاستمارات الإيطالية في مصر «طفرة» في الفترة المُقبلة. ولكن تصريحات قابيل تزامنت مع العثور على جثة ريجيني وعليها آثار تعذيب، مما أدى لنتائج متناقضة مع توقعاته، بقطع وزيرة التنمية الاقتصادية الإيطالية زيارتها إلى مصر، وقد فوت ذلك الفرصة على مصر ، باستقبال وفد اقتصادي إيطالي يضم 30 شركة إيطالية، لبحث فرص استثمار وتعاون وتوقيع اتفاقيات بين البلدين، في مجالات التجارة والصناعة والبترول والغاز.

وفي سياق متصل، يُعد ملف السياحة واحدًا من أهم الملفات التي تجمع البلدين ؛ فوفقًا للإحصاءات الرسمية المصرية، تصل نسبة السياحة الإيطالية الوافدة إلى مصر 10% من إجمالي نسبة السياحة الأجنبية للبلاد. ولكن ذلك الملف أيضًا ليس بمنأى عن التأثير السلبي بسبب قضية ريجيني، وبالأخص بعدما ربطت مصر بين مقتل ريجيني وتصفية خمسة أشخاص، باعتبارهم عصابة متخصصة في اختطاف الأجانب وسرقتهم بالإكراه، في رواية لم تُقنع الجانب الإيطالي، وزادت من شكوكه حول تضارب الروايات الرسمية المصرية في هذا الصدد. كما أن الوضع الأمني في مصر وتفجير القنصلية المصرية بالقاهرة قد أدى لمزيد من التوتر.

 

وقد يمتد تأثير قضية ريجيني، إلى استثمارات شركة إيني الإيطالية الكبيرة في الغاز المصري. ففي هذا الصدد، يقول كلاوديو ديسكلتسي، المدير التنفيذي لشركة إيني، التي تملك الحكومة الإيطالية ثلث أسهمها، إن قضية ريجيني تضع الشركة في موقف غير مريح، «ليس فقط لأنه إيطالي، ولكن لأنه إنسان»، ولفت ديسكلتسي، في تصريحات صحافية أدلى بها الأحد الماضي، إلى عدم سعادته بهذا الموقف الذي وصفه بـ«الصعب» على الحكومة المصرية، «التي تسعى لفعل ما هو مناسب» كما يتوقع ديسكلتسي، الذي أكد أن الأمر لا يؤثر على عمليات الشركة «لأننا نعمل بعيدًا عن الأرض (بنظام أوفشور)».

 

ما هو مستقبل العلاقات المصرية الإيطالية في ضوء توترها بسبب ريجيني؟

للإجابة على هذا السؤال، تواصلت «ساسة بوست» مع ياسر الهواري، عضو ائتلاف شباب الثورة السابق، وأحد مؤسسي حزب الدستور، الذي رأى أنه من الطبيعي أن تتأثر العلاقات المصرية الإيطالية «بشدة»، بسبب مقتل ريجيني. وقال إن الجانب المصري لم يُعطِ نظيره الإيطالي نفيًا مقنعًا، للشكوك المحيطة بتورط الأجهزة الأمنية في مقتله.

ووصف الهواري الرواية المصرية، التي أظهرت بعض متعلقات ريجيني، باعتبار أن عصابة متخصصة في سرقة الأجانب قد قامت بتصفيته، بـالرواية «الساذجة جدًا»، لافتًا أنها كثفت شكوك الجانب الإيطالي، بتورط أجهزة الأمن في مقتل ريجيني، لتُصبح القضية قضية شأن عام، بعد اهتمام الصحافة الإيطالية بها.

ويعتقد الهواري أن الحكومة الإيطالية نفسها في «مأزق ما بين المصالح مع مصر، والرأي العام الإيطالي»، مُضيفًا «لا أتوقع انفراج الأزمة بسهولة» ، وتابع «إذا استمر ضغط الرأي العام، أتوقع تدخل الاتحاد الأوروبي، لكن لا أعتقد أن تصل الأمور لهذا الحد».

عرض التعليقات
تحميل المزيد