مرت علاقة الإمارات بنظام بشار الأسد في سوريا بتأرجح كبير، لنحو ثماني سنوات، منذ وقوع الانتفاضة المناهضة لحُكم الأسد، فقد بدأت هذه العلاقة بالقطيعة الاضطرارية من جانب الأولى قبل أن تكسر حدتها من وراء الستار، عبر رسائل سرية تتودد من خلالها أبوظبي للنظام، وتهيئ الأجواء لعودة محتملة للعلاقات، ليتحدد موعدًا رسميًّا لها العام الماضي، حين أعلنت الإمارات إعادة افتتاح سفارتها في دمشق بعد قرار غلقها منذ 2011.

مضت الإمارات في سعيها الدؤوب لإعادة علاقاتها الكاملة مع سوريا، متجنبة الحديث عن نظام الأسد في تحركاتها، قبل أن تتجاوز هذا الحاجز، مؤخرًا، بوصف القائم بالأعمال الإماراتي في سوريا له «بالقائد الحكيم»، ليثير هذا التحول اللافت من جانب أبوظبي، ليس تجاه سوريا الرسمية فقط، بل أيضّا نحو بشار الأسد؛ تساؤلات حول دوافع العاصمة الخليجية لذلك الأمر، وعلاقته المحتملة بفتح أبواب لمغازلة إيران.

عربي

منذ 11 شهر
من اليمن إلى أبوتريكة.. كيف ترسم السعودية ملامح وجهها الجديد في الشرق الأوسط؟

أبوظبي دعمت الأسد سرًّا وعلانية

قبل تصريح الدبلوماسي الإماراتي تجاه «حكمة» الأسد، الصادر عنه قبل يومين، مضت أبوظبي في مسارات غير مُعلنة لتمتين علاقاتها مع رجل سوريا الأول، سرًّا،  متبعة في ذلك حيل ووسائل مختلفة للحيلولة دون فقد صديق رئيسي لها، هو الأسد الذي يُشكل حلقة وصل رئيسية لها في نسج صلات مع إيران، بالإضافة إلى كونه عدو أعدائها الأساسيين المتمثلين في الإسلام السياسي وتركيا.

كانت أولى محطات هذا الدعم السري، وسط حملات المقاطعة من جانب حلفاء خليجيين لها، في فبراير (شباط) 2012، اتخذوا موقفًا موحدًا للمقاطعة وعزل النظام السوري، وتماهت أبوظبي علانية مع هذا الموقف برفض سياسة الأسد التوسعية في القتل والقمع، واعتبار ذلك سببًا في ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية» واستمراره والتجنيد له، بينما كان الواقع مناقضًا لهذه الصورة التي روجتها أبوظبي لنفسها، تحسبًا لأي ضيق من حلفائها وتحديدًا الرياض.

غير أن هذا الواقع سرعان ما انكشف، بعدما علم الحليف السعودي، بتحركات أبوظبي السرية للتنسيق مع نظام الأسد، والتي كانت شاهدة عليها وثيقة سرية نشرها موقع ويكليكس، في فبراير 2012، وهي رسالة من جانب دبلوماسيين سعوديين في الإمارات لمسؤولي بلدانهم، تضمنت إشارات قوية حول علاقات لأبوظبي مع سوريا، ورفض الأولى لتطبيق أي عقوبات اقتصادية على نظام الأسد، فضلًا عن استمرار بقاء السفير السوري في الإمارات في مهامه خلافًا لما فعلته دول الخليج آنذاك.

المحطة الثانية والأبرز في دعم أبوظبي للحليف السرى كانت في يوليو (تموز) العام الماضي، حين زار علي محمد بن حماد الشامسي، نائب رئيس المجلس الأعلى للأمن الوطني، أعلى سلطة أمنية في الإمارات، دمشق، سرًّا، والتقي رئيس الإدارة العامة للمخابرات العامة في سوريا اللواء ديب زيتون.

كان الغرض من الزيارة هو طرح الجانب الاماراتي احتمال «استئناف غير مباشر» للعلاقات، عبر تكليف سفير الإمارات في بيروت، حمد سعيد الشامسي، إدارة شؤون السفارة في دمشق من مقره في العاصمة اللبنانية، فضلًا عن التنسيق الأمني مع دمشق.

سبق هذه الزيارة التي لم تُعلن عنها أبوظبي، إشارات من جانبها تمهيدًا لعودة ظاهرية للعلاقة، التي لم تنقطع يومًا، عبر إرسالها في الشهور الأخيرة لإعادة افتتاح قنصليتها أكثر من «فريق صيانة»، للكشف على سفارتها في دمشق. كما أُعلن في مايو (أيار) العام الماضي استئناف تسيير الخط الجوي بين محافظة اللاذقية السورية وإمارة الشارقة بعد توقف دام سنوات.

من هذه الإشارات العلنية تصريح أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، بأن إبعاد نظام الأسد من جامعة الدول العربية كان خطأ، معتقدًا أن الدور العربي في التوصل إلى حل سياسي في سوريا كان محدودًا، بسبب طرد النظام من جامعة الدول العربية.

محطات الدعم  الإماراتي للجانب السوري شملت كذلك التنسيق الأمني الذي أخذ أبعادًا متطورة، كان شاهدًا عليها الواقعة الأخيرة بإعلان الشرطة الإماراتية القبض على رجل الأعمال السوري مهند المصري، تلبية لطلب سوري رسمي باعتقاله وتسليمه لدمشق.

وبحسب مصادر تحدثت لصحيفة القدس العربي، فإن فرع الشرطة الجنائية العربية والدولية، أو ما يعرف بـ«إنتربول دمشق» في وزارة الداخلية السورية طلب من الشرطة الإماراتية مطلع شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي توقيف شخصين سوريين وتوقيفها، تتهمهما دمشق بدعم الإرهاب من بينهما مهند المصري، وأن «إنتربول دمشق» أرسل لشرطة الإمارات مذكرتي توقيف غيابيّتين بحق مهند المصري من مواليد 1984 وشخص آخر من مواليد 1969.

يُضاف للمشاهد السابقة واقعة اختيار الإمارات من جانب أفراد من أسرة الأسد؛ للانتقال إليها، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية التي رافقتها موجة أعمال عنف في سوريا، حيث انتقلت إليها بشرى الأسد، شقيقة الرئيس السوري بشار، وأرملة  آصف شوكت، نائب وزير الدفاع السوري، وأنيسة مخلوف، أرملة حافظ الأسد وأم بشار. لاحقاً، منحت الإمارات جنسيتها لبشرى الأسد، لتسهيل تنقلاتها فى دول الاتحاد الأوروبي.

غير أن التحول الأكبر والمحطة الأكثر أهمية في العلاقة بين البلدين، هو علانية موقف أبوظبي بالثناء على «قيادته الحكيمة» التي كانت تتحايل على مواقفها الداعمة له سرًّا، عبر الحديث عن الأسد شخصيًّا بشكل غير لائق، تماهيًا مع الموقف الدولي، كما تحدث قرقاش في مقابلة مع صحيفة إماراتية تصدر باللغة الإنجليزية، قائلًا  العام الماضي «إن الوضع في سوريا يترك الدول أمام خيارين، إما دعم معارضة، أو (تواطؤ مع قائد مسؤول عن أسوأ أزمة إنسانية في العالم العربي)».

عربي

منذ سنة واحدة
خلاف خليجي آخر قد لا تعرفه! دليلك الكامل لفهم أزمة الحدود بين الإمارات وعمان

هل تكون دمشق بوابة أبوظبي الخلفية لتمتين العلاقات مع إيران؟

في الشهور الأخيرة، استعادت عُمان، أهميتها الاستثنائية، كوسيط موثوق فيه لدى إيران من جانب السعودية، التي أعادت التواصل مع مسقط من جديد، بعد سنوات من التوتر المكتوم في العلاقات بين البلدين، عبر زيارة خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع وشقيق ولي العهد السعودي، لعُمان ولقائه بالسلطان قابوس نهاية للتململ السعودي إزاء مسقط بعد التباين في كثير من القضايا المُشتركة بين البلدين.

وانعكس اهتداء السعودية لاختيار عُمان وسيطًا للتفاوض بين الحوثيين والرياض لإنهاء النزاع المُسلح بينهما على مدار الخمسة أعوام الماضية، والتقريب بينها وبين إيران على إعلان وزير خارجية عُمان من طهران، قبل يومين، رعاية بلاده عقد مؤتمر شامل حول منطقة الخليج بمشاركة دول خليجية وإيران.

ولا يبدو المشهد السابق الذي عادت فيه الرياض إلى عمان وسيطًا لمد العلاقات مع إيران والحوثيين، منفصلًا عما تحاول أبوظبي فعله مع دمشق كي تكون هي الأخرى بابًا خلفيًّا يدعم ويساهم في توطيد علاقاتها مع إيران، حليفة الأسد.

عامل يُعزز من هذه الفرضية يتمثل في الصعوبة البالغة لأبوظبي في تمتين العلاقات مع إيران عبر مسقط، حليفة طهران، كما الحال بالنسبة للسعودية، وذلك في ضوء تجذر الخلافات بين أبوظبي ومسقط، والتي تحول دون أي توافق ممكن في العاجل القريب. وربطت الصحف الإيرانية بين زيارة بن علوي وحمله رسالة سعودية فقط دليل إضافي على حضور عُمان وسيطًا للسعوديين فقط نحو إيران.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
المصلحة فوق القانون.. كواليس عمليات التهريب بين إيران وسلطنة عمان

تتمثل هذه الخلافات في تبني أبوظبي استراتيجية في اليمن تهدف لزعزعة الاستقرار في سلطنة عمان، وتطويقها، وكشف الأخير أكثر من خلية تجسس إماراتية في أراضيها، كان آخر هذه الوقائع ما أعلنت عنه الحكومة العُمانية في نهاية يناير (كانون الثاني) العام الماضي، أنها ألقت القبض على أعضاء في خلية تجسس إماراتية كات تراقب المواقع الحكومية والعسكرية.

 أمام كُل هذه الأسباب المذكورة سلفًا، تجد أبوظبي نفسها مضطرة لإبقاء علاقاتها قائمة مع دمشق، والجهر بها علنًا، وبالأخص دعم الأسد، الذي يُشكل نقطة التقاء النفوذ الإماراتي بمثيله الإيراني، إذ وصف يحيى العريضي، عضو الهيئة السورية للتفاوض، في تصريحات سابقة لموقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، أن «إعادة فتح الإمارات لسفارتها في دمشق هو تعزيز للدور الإيراني لا إضعاف له، فإيران ترتبط ارتباطا عضويا بالنظام السوري، وإيران وحلفائها هم من تدخلوا منذ البداية لمساعدة النظام ومنع سقوطه».

دليل آخر على أن الاقتراب الإماراتي من سوريا لا ينفصل عن الرغبة الرسمية في توظيفه معبرًا لتوطيد العلاقات مع إيران، هو أن لقاء الوفد الإماراتي بغفر السواحل الإيراني العام الجاري، سبقه تمهيد سوري بتفويض إماراتي لتجاوز الخلافات، وفتح الباب أمام التفاوض في القضايا الإشكالية، بحسب ماذكرته وسائل إعلام إيرانية ودولية.

المصادر

تحميل المزيد