“مسؤولون في جهات أمنية توجهوا إلى قصر الاتحادية صباح أمس، وعرضوا نتائج التحقيقات على الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأطلعوه على المتورطين في القضية، وأبعادها، ثم طالبهم السيسي باتخاذ الإجراءات القانونية، وأبلغ رئيس مجلس الوزراء بالاستقالة”. تُحكى هذه الواقعة على صفحات الصحف المصرية المُقربة من النظام، وعلى شاشات التليفزيون، للتدليل على رغبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في محاربة الفساد من جذوره، وتجديد دماء الحكومة المصرية بإقالة “محلب” الذي فشلت حكومته، ليتم تكليف وزير في الحكومة المُقالة ليباشر هذه المهمة.

انتهت الرواية المُنتشرة كالنار في الهشيم في كافة وسائل الإعلام المُقربة من الدولة، لكن على السياق الآخر، من يتفحص السياق السياسي لإقالة الحكومة الحالية، وتزامنها مع الكشف عن أكبر قضية فساد في ولاية “السيسي”، وتعاظم دور الهيئة العامة للرقابة الإدارية من خلال كشفها عن تفاصيل القضية، يضع القارئ في مهمة رئيسية لاستنتاجات عن كيف يؤسس السيسي “لنظامه الجديد”، وماهي أبرز دعاماته وحلفائه.

خلال السطور التالية، نحاول تفكيك الروايات المُتداخلة عن نظام السيسي، وأدواته للسيطرة على أجهزة الدولة التنفيذية، والمهام المخولة للحكومة الجديدة، وكذللك أسباب استقالة حكومة “محلب”.

 هيئة الرقابة الإدارية .. آلية النظام للسيطرة على الحكومة

خلال الفترة الأخيرة، تعاظمت سلطات هيئة الرقابة الإدارية لدى “السيسي”، فقد كانت التحقيقات الصادرة عنها الحُجة الرئيسية التي دفعت السيسي لإقالة الحكومة، وإحالة عدد من الوزراء للمُحاكمة – بقرار شخصي منه – خلافًا للتقارير الصادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات، التي يتم تجاهلها، بل والتغاضي عن حملات إعلامية منظمة من بعض المُقربين للدولة من اتهامات لرئيس الجهاز بـ”الأخونة”.

غير أن مسألة تعاظم دور الهيئة، ليس له علاقة بسياسة جدية للنظام في مكافحة الفساد بقدر كونها وسيلة له لتمرير سياساته، والحفاظ على شعبيته والسيطرة كذللك على الجهاز الإداري للدولة، وإخضاعه للسيطرة المباشرة للرئيس كما يرى مراقبون، خصوصًا بعد صدور مجموعة من القوانين عمقت من ولاء هذا الجهاز للرئيس، مقابل تمتع الجهاز المركزي للمحاسبات بالاستقلالية نسبيًا تجعله غير قادر على فرض هيمنته الكاملة عليه.

في القانون رقم 89 لسنة 2015، بشأن حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، منح “السيسي” لنفسه هذه الصلاحية الاستثنائية، في ظل غياب السلطة التشريعية، لينزع من استقلال الهيئات الرقابية، ويجعلها تخضع له بشكل مُباشر خصوصًا أن قانون إنشائها يجعلها تتبع رئيس مجلس الوزراء ويتم تعيين رئيسها من قبل رئيس الجمهورية، وهو ما يجعلها هيئة رقابية تابعة للسلطة التنفيذية، لا تتمتع بالحد الأدنى من الاستقلالية لممارسة مهامها .

ويقتصر التعيين داخل هيئة الرقابة الإدارية على اﻷجهزة اﻷمنية من الشرطة والجيش، وهي المسألة التي رسخها قانون الهيئة في عام  1983الذي حدد الرتب لضباط القوات المُسلحة والشرطة الملتحقين بالجهاز خلال مرحلة النقل.

ووفقا للمتابعين، تكشف سياسة السيسي في التعامل مع تقارير الهيئة عن توليه الرئاسة قدرًا من الانتقائية، حيث تُعظم من أهمية تقارير بعينها للرقابة كوسيلة للحفاظ على شعبيته كما حدث مع حكومة محلب، التي كان مغضوبًا عليها في الشارع، مقابل تجاهل تقارير بعينها لقضايا فساد أكثر ضررًا بمصلحة البلاد.

يظهر ذللك في تعامل النظام مع قضية” قصور الرئاسة” التي كشفها معتصم فتحي، الضابط السابق بهيئة الرقابة اﻹدارية، في 2011 عبر بلاغ تقدم به إلى النائب العام، والتي كان ضمن المتهمين إبراهيم محلب بتهمة الاستيلاء على المال العام، حيث تحايلت الحكومة على هذه التهم الموجهة له، وبرأته منها، وكذلك تجاهل “السيسي” أدلة قدمها ضباط الرقابة الإدارية تجاه محمد فريد التهامي، رئيس هيئة الرقابة اﻹدارية اﻷسبق بتجاهل أدلة قدمها ضباط الرقابة الإدارية وقت رئاسته للهيئة، أو منع إجراء تحقيقات في قضايا جديدة، أو رفض الموافقة على إحالة بلاغات مكتملة إلى السلطات القضائية، ليتجاهل كذلك كل هذا ويصدر قرار تعيين له كمدير للمخابرات العامة بعد عزل مرسي.

«الحكومة الجديدة» .. سكرتارية تنفيذية للرئيس

يكشف تكليف الرئيس عبد الفتاح السيسي لشريف إسماعيل، وزير البترول، في مهمة تشكيل الحكومة الجديدة ترسيخًا لملمح الحكومات التي يريدها “السيسي”: “سكرتارية” في تنفيذ السياسات البيروقراطية للنظام السياسي، خاصة أن تكليف الحكومة الجديدة يأتي قبيل أسابيع قليلة على الانتخابات البرلمانية المفترضة، ويسمح الدستور المصري لصاحب الأغلبية البرلمانية بتشكيل حكومة جديدة ما يجعل تشكيل حكومة قبل أسابيع من انتخابات برلمانية أمرًا مثيرًا للجدل.

تبدو الحكومة في مصر تؤدي مهامًا تشغيلية بحتة ولا تقارب من قريب أو بعيد الملفات السياسية كقضايا الحقوق والحريات، وانتخابات البرلمان، ويبدو أن مسمى “البلدوزر” الذي أطلقه السيسي على رئيس وزرائه المستقيل مؤخرا من قبل هو الأقرب لتحقيق مهمته.

الأمر ذاته ينطبق على رئيس الوزراء الجديد “شريف إسماعيل”، الموظف الحكومي المُتدرج في المناصب الحكومية، وهو شخص لم يكن له حضور سياسي يذكر وربما لم يسمع به المصريون سوى حين ذكر في تسريبات عباس كامل مدير مكتب السيسي منذ عدة أشهر بألفاظ مسيئة.

«رئاسة الجمهورية» و«الجيش» .. صلاحيات خارج القانون

مقابل التهميش من مهام الحكومة، تعاظم دور رئاسة الجمهورية كحاكم مصر الفعلي، من خلال مجموعة من القوانين جعلت كافة الأجهزة الرقابية تخضع لولائه، بجانب إمساكه بزمام السلطة التشريعية والتنفيذية، في ظل غياب البرلمان، والتأجيل المستمر لانتخابات مجلس النواب.

بجانب القوانين الاستثنائية التي منحت الرئيس صلاحيات مُطلقة في كافة المسائل، تعاظم دور المؤسسة العسكرية كظهير وفاعل وشريك أوحد له في تنفيذ السياسات، وائتمانها في توليها تنفيذ كافة المشاريع المدنية الحيوية كشريك في مشروع قناة السويس الجديدة من خلال حصتها في دار الهندسة، وتعزيز سلطة المؤسسة العسكرية في الحصول على مناقصات المشاريع بالأمر المباشر، واعتمادها صاحبة أكبر حصة من المُساعدات الأجنبية، وتعيين عدد من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المُسلحة في مناصب مدنية كرؤساء لكافة الهيئات القومية كالهيئة العامة لقناة السويس، وهيئة الرقابة الإدارية، والهيئة العربية للتصنيع، وتدعيم سلطات المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم، عبر إصدار مجموعة قوانين تضمنت لها توسيع حدود إمبراطوريتها الاقتصادية .

تؤسس مجموعة القوانين، وهذه التعيينات لكافة قيادات المؤسسة العسكرية في مناصب مدنية لمؤسسات فاعلة في رسم السياسات العامة للدولة، أن الجيش هو الشريك صاحب الصلاحيات المطلقة، وشريك أساسي في عملية الحكم، ورسم السياسات .

هل ستحارب الحكومة الجديدة الفساد؟

يبدو أن رحيل حكومة “محلب” ليس له علاقة وثيقة بأسباب تورطه في عمليات فساد، بقدر ما يقترب الأمر من مساحة المناورات السياسية مع تصاعد الغضب الشعبي في الشوارع.

تدفع مجموعة من القرائن تأكيد هذا الكلام السابق، وهي أن علاقة “شريف إسماعيل” المُكلف لتشكيل الحكومة الجديدة بمحمد فودة، المحبوس على ذمة قضية الفساد الكُبرى وطيدة، والذي كتب عنه مقالة منشورة في جريدة “اليوم السابع” يمتدح فيها مهامه، بعنوان: “المهندس شريف إسماعيل .. مقاتل بدرجة وزير”.

كذلك لعبت شهادة المهندس شريف إسماعيل، رئيس الوزراء الجديد، في قضية “محاكمة القرن”، دورًا كبيرًا في براءة الرئيس الأسبق حسني مبارك، ونجليه، ورجل الأعمال الهارب حسين سالم في قضية “تصدير الغاز” أمام محكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار محمود كامل الرشيدي، باعتباره كان يشغل وقتها منصب وكيل وزارة البترول.

وبصفة عامة، فالنظام لم يقر قوانين جديدة لمكافحة الفساد، أو إستراتيجية فاعلة لمواجهة الفساد في المؤسسات الحكومية، بقدر ما تدور الأمور إلى الآن حول شعارات إنشائية لم ترقَ إلى مستوى التطبيق العملي كما يشير المحللون.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد