أعلن رئيس وزراء إيطاليا ماتيو رينتسي أمس الإثنين، عن نيته في تقديم استقالته من رئاسة الوزراء، وذلك بعد الرفض الشعبي الكاسح لخططه في الاستفتاء على الإصلاح الدستوري.

وتمثل نتيجة هذا الاستفتاء موقفًا سجلته أغلبية الشعب برفض سياسات رئيس الوزراء اليساري الشاب، كما أنها تمثل انتصارًا كاسحًا لليمين المتطرف في إيطاليا، وذلك بعد انتصارات حققها اليمين في أوروبا والولايات المتحدة؛ بدأت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مرورًا بالانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي فاز فيها المرشح الجمهوري دونالد ترامب، ووصولًا إلى الانتخابات التمهيدية للرئاسة الفرنسية، والتي تشير إلى توقعات كبرى باستمرار اكتساح اليمين المتطرف للقارة العجوز، وفي بلاد العم سام.

قطار اليمين الشعبوي الذي اكتسح أوروبا تم توقيفه منذ ساعات في محطة النمسا، والتي فاز في انتخاباتها الرئاسية مرشح حزب الخضر فان دير بيلين، أمام مرشح اليمن نوبرت هوفر، عضو حزب الحرية الشعبوي، وبهذه الخسارة يتلقى اليمين المتطرف في النمسا صفعة قوية، ويتنفس قادة اليسار في أوروبا الصعداء، مؤمنين بأن هناك من سيتصدى لهذا الزحف اليميني في القارة.

ويعتبر ريتسي هو أصغر رئيس وزراء في تاريخ إيطاليا، حيث تولى منصبه في عمر 39 عامًا فقط.


لماذا هذا الاستفتاء؟ وما هي بنوده؟

أجري الاستفتاء للتصويت على قرار تعديل الدستور الإيطالي الصادر عام 1948، حيث أراد رينتسي الحد من قوة مجلس الشيوخ في البرلمان الإيطالي، وذلك بتقليل عدد أعضائه من 315 عضوًا إلى 100 عضو فقط، مما يجعله أقرب إلى مجلس استشاري وليس تشريعي، ويجعل الوضع أسهل بالنسبة لرينتسي للسيطرة عليه، كما يجعل صلاحياته الشخصية في منصب رئيس الوزراء أكثر من صلاحيات مجلس الشيوخ.

وكان رينتسي قد تعهد بتقديم استقالته في حالة خسر الاستفتاء بقيام الأغلبية بالتصويت بـ«لا» على هذه التعديلات الدستورية.

ولكن حدث ما لم تُحمد عُقباه بالنسبة لرينتسي؛ حيث خسر الاستفتاء بنسبة تقارب 60% من الناخبين الذين رفضوا هذه التعديلات، مقابل 40% فقط وافقوا على هذه النسبة، وذلك برغم أن عدد المشاركين في الاستفتاء كان كبيرًا، وقارب نسبة 70% من المسموح لهم بالمشاركة.

وأعلن رينتسي، أمس الإثنين، أنه وافق على طلب الرئيس لتأجيل تقديم استقالته، والبقاء في الحكم لحين الموافقة على الموازنة خلال الأيام القادمة، ثم تقديم الاستقالة.


لماذا خسر «رينتسي» نتيجة الاستفتاء؟

اعترف رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رينتسي، بالهزيمة، قائلًا في كلمة ألقاها منتصف ليل الأحد إنه «يتحمل مسؤولية نتائج هذا الاستفتاء»، ومشيرًا بأن الخاسر هو شخصيًا، وليس الشعب.

وكان مؤيدو الاستفتاء يرون أن الهدف منه هو تسهيل عملية الحكم في إيطاليا، بالإضافة إلى الإصلاحات التي ستؤدي إلى انتعاش الاقتصاد في البلاد بعد الأزمات الاقتصادية التي تواجهها إيطاليا على مدار سنوات، غير أن رافضيه يرون أن هذه الخطة التي يطلبها رئيس الوزراء ستفقد إيطاليا أحد أهم معاني الديمقراطية فيما يخص خاصية توازن السلطات الثلاثة في الدولة؛ حيث أكد أحد الأعضاء الإيطاليين في البرلمان الأوروبي أن «هذه الإصلاحات خطر على النظام الديمقراطي الإيطالي».

نتيجة الاستفتاء لم تكن مجرد رفض للتعديلات الدستورية التي طلبها رينتسي، وإنما هي أيضًا طريقة للتعبير عن رفض الأغلبية لسياسات الحكومة التي يرأسها شخص محسوب على اليسار الوسط في البلاد، والذي تتهمه المعارضة الإيطالية، وعلى رأسها حركة «النجوم الخمسة» بالتسبب في الركود الاقتصادي الذي وصلت له البلاد، بالإضافة إلى سوء إدارته لها، والتي أنتجت وجود عشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من إفريقيا.

ودافع رينتسي عن نفسه بعد التصويت قائلًا إن في عهده ارتفعت نسبة الصادرات، وعدد الوظائف المتاحة، مما أدى إلى انخفاض نسبة البطالة إلى 11.7% فقط.

رد الفعل الأوروبي

وتنظر أوروبا إلى نتيجة الاستفتاء وإلى استقالة رينتسي باعتبارهما إخفاقًا للاتحاد الأوروبي، الذي لا يدع شكًا بأن إيطاليا هي أقرب دول الاتحاد لتركه قريبًا.

وبهذه النتيجة، متوقع أن يتولى أحد قادة المعارضة رئاسة الوزراء في إيطاليا، ومتوقع أن يكون رئيس الوزراء القادم من أحد أكبر أطراف المعارضة، وهي حركة «النجوم الخمسة»، و«الرابطة الشمالية»، وهما طرفان يعارضان ويرفضان منطقة اليورو، بينما لا يعارضان عضوية الاتحاد الأوروبي نفسها.

ردود الأفعال الأوروبية اختلفت بين مهنئٍ وآسفٍ؛ حيث أكد المتحدث الرسمي باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها تأسف لما وصل إليه الاستفتاء، ولتقديم السيد رينتسي لاستقالته، مشيرةً إلى أنها ستعمل بشكل وثيق مع الحكومة الإيطالية المقبلة.

وعلى الوجه الآخر، عبَّرت زعيمة اليمين المتشدد في فرنسا، مارين لوبان، في تغريدة لها على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، عن فرحتها بـ«تنصل الإيطاليين من الاتحاد الأوروبي، ورينتسي»، مشيرةً إلى أنه يجب أن نستمع إلى «عطش الشعوب للحرية».

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=”https://twitter.com/MLP_officiel/status/805546765265018882 ” ]

كيف سيتأثر الاقتصاد الإيطالي باستقالة رئيس الوزراء؟

بالطبع كان لنتيجة الاستفتاء آثار كبيرة على الاقتصاد الإيطالي والأوروبي، ليس هذا وفقط، بل أن أثر الاستفتاء، واستقالة رئيس الوزراء ستشكل مستقبل إيطاليا والاتحاد الأوروبي في الفترة المقبلة؛ فهناك مخاوف بشأن الاستقرار المالي على المدى الطويل في إيطاليا، والتي تمثل ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.

وبعد إعلان نتيجة الاستفتاء، انخفضت قيمة اليورو لأدنى مستوى له منذ حوالي 20 شهرًا، كما شهدت البورصة الإيطالية خسارة كبيرة في ظل تراجع قيمة الأسهم منذ إعلان نتيجة الاستفتاء. ويعتبر الاقتصاد الإيطالي الآن أقل بنسبة 12% مما كان عليه قبل بداية الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008.

وتعاني إيطاليا من الركود الاقتصادي منذ هذه الأزمة، حيث البنوك الضعيفة، والسياسات المالية غير الواضحة، والتي أدت إلى وصول نسبة الدين العام بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 133%، لتصبح بذلك في المركز الثاني كأثر الدول التي تعاني اقتصاديًا في منطقة اليورو بعد اليونان. وتحتاج البنوك الإيطالية إلى ضخ مبالغ كبيرة من الأموال من أجل انتعاش الاقتصاد مرة أخرى.

وبالسؤال حول مصير إيطاليا في الفترة المقبلة، فإن الرئيس الإيطالي وحده هو من سيقرر ماذا سيحدث، فهناك خياران يختار منهما؛ إما باختيار حكومة جديدة من البرلمان الحالي، أو بالدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة متوقع أن تفوز فيها حركة «النجوم الخمسة» الشعبوية، وذلك استنتاجًا لنتيجة الاستفتاء التي مالت إلى الشعبوية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد