بالرغم من الإعلان الرسمي العراقي استعادة الفلوجة من تنظيم الدولة الإسلامية (تنظيم الدولة)، والتجهيز للتدخل في الموصل، يظل خطر التنظيم قائمًا. وتتصاعد الأزمة الإنسانية لمدنيي الفلوجة، الذين يعانون من ويلات الحرب والطائفية.

رغم إعلان العراق رسميًّا، استعادة الفلوجة والسيطرة عليها من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتجهيز للتدخل في الموصل، يظل خطر التنظيم قائمًا. وتتصاعد الأزمة الإنسانية لمدنيي الفلوجة، الذين يعانون من ويلات الحرب والطائفية.

إعلان الانتصار

«لقد وعدنا بتحرير الفلوجة وها قد عادت الفلوجة»، هكذا أعلن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، النصر على «تنظيم الدولة» بالفلوجة في كلمة مُتلفزة مقتضبة له يوم الجمعة الماضي، مُضيفًا: «قواتنا أحكمت سيطرتها على المدينة لكن هناك بعض البؤر التي تحتاج إلى تطهير خلال الساعات المقبلة».

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي

واستبق الإعلان الرسمي، سليم الجبوري، رئيس البرلمان العراقي، الذي بارك في بيان رسمي له «تحرير الفلوجة من تنظيم الدولة»، معتبرًا ذلك الانتصار بداية «الانكسار التام لعصابات تنظيم الدولة». وأعلن الجبوري، عن التطلع إلى استعادة محافظة نينوى العراقية، التي تضم مدينة الموصل، أحد أكبر معاقل «تنظيم الدولة» في العراق.

من جانبه، قال آشتون كراتر -وزير الدفاع الأمريكي- السبت الماضي للصحافيين، إن استعادة المدينة يحتاج المزيد من القتال، منوهًا إلى استمرار سيطرة التنظيم على أجزاء هامة في المدنية.

يأتي ذلك الإعلان، بعد حوالي 26 يومًا من بدء أكبر عملية عسكرية في العراق منذ الاحتلال الأمريكي للعراق، في 2003 في 23 مايو (أيار) الماضي. وشارك في العملية العسكرية المشتركة لاستعادة الفلوجة، حوالي 43 ألف مقاتل من الجيش والشرطة العراقية، ومن عناصر ميليشيا الحشد الشعبي وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى الغارات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

وبحسب مسؤولين عراقيين، فقد تمكنت القوات العراقية من استعادة المجمع الحكومي للمدينة، ورفع العلم العراقي على مبنى بلدية المدينة، واستعادة مقر قائم مقامية الفلوجة، الذي يحمل رمزية السلطة هناك، ويُعد أهم مباني المدينة، ذلك بالإضافة إلى السيطرة على العديد من المناطق شرقي وغربي المدينة.

في نفس السياق، قال عيسى العيساوي، قائم مقام الفلوجة، يوم السبت الماضي، إن قوات الأمن العراقية تمكنت من استعادة 50% من مساحة المدينة، وحسم المعركة عسكريًّا بنسبة 80% بعد ما وصفه بـ«انهيار» خطوط دفاع التنظيم، لافتًا إلى استمرار قتال «تنظيم الدولة» داخل الأزقة والشوارع الضيقة شمالي المدينة، مؤكدًا تحرير الفلوجة بالكامل خلال «الأيام القليلة المقبلة».

وفي يوم الأحد الموافق 19 يونيو (حزيران) الجاري، أعلنت السلطات العراقية أنها ستحكم السيطرة على الفلوجة «اليوم أو غدًا» والبدء في عملية إزالة الألغام الذي زرعها التنظيم قبل فرار عناصره. وأفاد مسؤولون عراقيون بانخفاض نسبي لحجم الأضرار التي طالت البنية التحتية في الفلوجة نتيجة العمليات العسكرية هناك؛ إذ تتراوح تلك النسبة بين 5% و 10%، في الوقت الذي ارتفعت تلك النسبة لتصل إلى 80% في الرمادي عقب استعادتها من التنظيم. وفي نفس اليوم أعلنت الحكومة العراقية بدء المرحلة الثانية لتحرير محافظة نينوي وكبرى مدنها «الموصل»، من خلال تحرير القيارة وجعلها مرتكزًا لتحرير الموصل.

حرب شوارع.. وخسائر بشرية بالجملة

رغم احتفال السلطات العراقية، بما اعتبرته انتصارًا على «تنظيم الدولة» في الفلوجة، إلا أن قوات العملية العسكرية المشتركة، تكبدت خسائر بشرية تُقدر بالآلاف، في حين خسر التنظيم المئات من مسلحيه. وقالت مصادر عسكرية بوزارة الدفاع العراقية، إن الحرب على الفلوجة أدت إلى وقوع أكثر من ستة آلاف بين قتيل وجريح في صفوف الجيش والشرطة العراقية والمليشيات المُسلحة المشاركة فيها. في حين قُتل 800 من مسلحي التنظيم. وشهدت الأيام القليلة الماضية مقتل ما لا يقل عن 300 من القوات العراقية بينهم 28 ضابطًا، بالإضافة إلى وقوع أعداد كبيرة من الجرحى في صفوف قوات الأمن العراقية بالفلوجة.

وتستمر المعارك في الفلوجة، ويبدو أن الطريق لاستعادة الفلوجة بشكل كامل ليس بالأمر السهل، وبالأخص أن المعارك بعد استعادة أهم المقار الرسمية، أصبحت -فيما يبدو- تتجه لما يُشبه حرب الشوارع. ويرى محللون أن القوات العراقية اُستدرجت داخل المدينة وخدعها التنظيم ليقع في كمائن «تنظيم الدولة»؛ لتُصبح المعركة حرب شوارع يصعب فيها تحديد أماكن تمركز مسلحي التنظيم بشكل دقيق، مما يُعطل من فاعلية الغارات الجوية، واستخدام الصواريخ والمدفعية.

وفي هذا الصدد، أفاد تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن رغبة تنظيم «تنظيم الدولة» في المقاومة ما تزال قائمة. ولفت التقرير إلى استخدام التنظيم وسائل فعّالة في المقاومة، لمنع تقدم القوات العراقية، من خلال استخدام السيارات المُفخخة، وانتشار القناصة على عدد من مباني المدينة. ولفت التقرير إلى سيطرة التنظيم على عدد من أحياء المدينة بالأخص في الاتجاهين الغربي والجنوبي. ومن جهته توقع مصدر عسكري عراقي استخدام التنظيم لأنفاق سرية لمواجهة القوات العراقية. وكل هذه العوامل تُصعّب من السيطرة على المدينة بشكل كامل، وبسط الأمن والاستقرار فيها.

المدنيون الخاسر الأكبر

منذ بدء محاولات استعادة الفلوجة بعد سيطرة التنظيم عليها نهاية 2013 ومطلع 2014. والمدنيون -كما يبدو- هم الخاسر الأكبر، إذ قُتل وأُصيب منهم الآلاف، فيما نزح عشرات الآلاف من المدينة هربًا من الحرب الدائرة هناك. وبحسب رئيس أطباء مدينة الفلوجة، فإن الحصيلة الرسمية للضحايا المدنيين، نتيجة القصف المدفعي والجوي منذ سيطرة التنظيم عليها قبيل 2014 وحتى يوم 16 يونيو (حزيران الجاري)، بلغت «6076 جريحًا بينهم 866 امرأة و1055 طفلًا، في حين بلغت حصيلة القتلى 3561 قتيلًا بينهم 352 امرأةً و561 طفلًا». في حين اتجه عميد بالجيش العراقي إلى ما هو أبعد، عندما أفاد بأن حصيلة الضحايا المدنيين بلغت 13 ألف شخص بين قتيل ومصاب.

وفي سياق متصل، أفادت الأمم المتحدة بنزوح قرابة 68 ألف مدني من الفلوجة خلال أقل من شهر منذ بدء العمليات العسكرية لاستعادتها. وأفادت تقارير أممية وحكومية بأن معظم هؤلاء النازحين يعيشون بدون مأوى، ويعانون من النقص الغذائي، واقتراب نفاذ الموارد المادية اللازمة لتلبية احتياجاتهم الإنسانية، ذلك بالإضافة إلى إصابتهم بالأمراض دون رعاية صحية كافية؛ مما يؤشر بتأزم الأوضاع الإنسانية لديهم.

ويُضاف إلى معاناة مدنيي فلوجة، أن قوات الحشد الشعبي التابعة للطائفة الشيعية، توجه لها الاتهامات بالتمييز ضد المدنيين السنة الفارين من الحرب، وتسارع في اتهامهم بالتعاون مع «تنظيم الدولة» كمبرر لاعتقالهم وتعذيبهم، ولربما قتلهم. وقد اعتقلوا بالفعل مئات الفارين المدنيين بتهمة التعاون مع «تنظيم الدولة». وتجدر الإشارة إلى أن السلطات العراقية اعتقلت عناصر من «الحشد» بتهم قتل وتهذيب مدنيين خلال فرارهم من الحرب. ولكن مقتدى الصدر –زعيم التيار الصدري- قال إن تحرك الحكومة في هذا الصدد «غير كافٍ»، مطالبًا بمحاسبة «كل من اعتدى» على مواطني الفلوجة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد