في الثامن من مارس (آذار) الماضي أصدرت المحكمة الدستورية البرازيلية قرارًا بإسقاط كافة اتهامات الفساد وغسيل الأموال الموجهة لرئيس البرازيل السابق لولا دا سيلفا، وإلغاء الأحكام بالسجن التي تبعتها، والتي كان مجموعها تسعة أعوام ونصف، بدأ دا سيلفا في تنفيذها عام 2017.

جاء في حيثيات قرار القاضي الدستوري أن القاضي الفيدرالي الذي حكم على السياسي اليساري دا سيلفا في يوليو (تموز) عام 2017 كان متحيزًا في حكمه. ومن الجدير بالذكر أن القاضي الفيدرالي الذي يدعى سيرجيو مورو، والذي تعرض لاتهامات دائمة من اليسار بأنه كان متحيزًا ضد تجربة دا سيلفا اليسارية لأنه يمثل اليمين، عُين لاحقًا في منصب وزير الأمن العام بحكومة الرئيس الحالي جايير بولسونارو.

 لولا وسط مؤيديه عقب إطلاق سراحه العام الماضي

جايير بولسونارو الرئيس المُثير للجدل، والذي وصف جائحة كورونا بالـ«المؤامرة»، وقاد مظاهرات في شوارع البرازيل ضد المطالب العالمية بتطبيق قواعد الإغلاق العام والتباعد الاجتماعي. بولسنارو فاز بالسباق الرئاسي عام 2018، وهو نفس السباق الذي ترشح فيه لولا دا سيلفا، وكانت الاستطلاعات تشير إلى تقدمه فيه بفارق كبير عن جميع مُنافسيه، قبل أن يقصى من السباق. والآن بعد إسقاط التُهم والأحكام عن لولا دي سيلفا أصبحت الفرصة سانحة أمامه للترشح إلى لرئاسة من جديد، بل إن لديه فرصة قوية في إسقاط بولسونارو بسبب أدائه الضعيف تجاه أزمة كورونا، على عكس رئاسة دا سيلفا التي شهدت تحولات اقتصادية وسياسية تاريخية في البرازيل.

أبو الفقراء الذي ارتقى بالبرازيل إلى مصاف الدول الراقية

ربما وأنت تتصفح مواقع التواصل ذات مرة مرت أمامك الصورة السابقة، الصورة التي يمسك فيها رجل منديلًا يحاول أن يمسح به دموعه، والتي يُكتب دائمًا فوقها أن صاحبها فقد السيطرة على دموعه عندما سأله أحد الصحافيين لماذا يريد أن يترك رئاسة البرازيل رافضًا لتظاهرات الشعب الذي يريده أن يجلس لمدة أخرى بعد أن حقق نجاحات اقتصادية مبهرة؛ ليرد عليه صاحب الصورة قائلًا فيما معناه، إنه ناضل لعقود ضد المُستبدين الذين جلسوا في كرسي حكم البرازيل لسنين طويلة، وهو ببساطة لا يريد أن يكون واحدًا منهم.

الرجل الذي يبكي في الصورة هو الرئيس البرازيلي:
لولا دا سيلفا

الذي ربته والدته مع ست من أخواته في بيت من غرفة…

Posted by ‎اعرف أكتر‎ on Wednesday, July 4, 2018

دائمًا ما يكون بطل هذه القصة هو لولا دا سيلفا، الرئيس البرازيلي السابق، والمرشح المُحتمل لانتخابات البرازيل القادة في 2022. في الحقيقة نحن لم نجد سندًا، أو دليلً،ا أو تصريحًا موثقًا، أو حتى فيديو يُثبت صحة هذه القصة، ولكن ما هو جلي لكل مُتابعي السياسة، وبالأخص الشأن البرازيلي، أن لولا دا سيلفا كان له الكثير من الإنجازات التي ساهمت في إحداث تحول إيجابي كبير، ولا يمكن إغفاله على الإطلاق.

في عام 2002 كانت البرازيل تعاني من التضخم الاقتصادي ونسبة فقر مرتفعة، لم تكن هناك بنية تحتية قوية، فضلًا على أن البرازيل كانت تعاني من ازدياد معدلات الأمية والتسرب الدراسية. في نفس العام حدثت الانتخابات الرئاسية، وتأهب لولا إلى الترشح للمرة الثالثة بعد أن فشل في المرتين السابقتين، وفي الحقيقة لم يتوقع له أحد أن يخطف بطاقة الرئاسة هذه المرة أيضًا. 

لولا وزوجته في حفل تنصيبه عام 2002- مصدر الصورة ( ذا كونفرسيشن)

لولا في بداية حياته كان عاملًا في صناعة الحديد، قبل أن تغويه السياسة، ويدخلها من بوابة اليسار، عندما انضم إلى اتحاد العُمال البرازيليين، وأصبح ناشطًا فعالًا فيه. لم يكن لولا مثل أي رئيس برازيلي في التاريخ؛ فهو لم يتخرج من الجامعة، ولم يكمل حتى المرحلة النهائية من المدرسة. لم يكن يتحدث اللغة البرتغالية – اللغة الرسمية في البرازيل – بلباقة مثل بقية الساسة في البرازيل، وبالطبع أيديولوجيته الاشتراكية أخافت الجميع في البداية؛ إلا أن جاذبيته وخلفيته المتواضعة جعلته محبوبًا لدى الكثيرين بين الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

الحديث عن إنجازات لولا قد يحتاج إلى مقال منفرد، ولكننا يمكن أن نذكر بعضها؛ فيكفي أن نقول إنه في خلال عهد دا سيلفا تمكنت البرازيل من سداد كافة ديونها لصندوق النقد الدولي التي وصلت إلى أكثر من 90 مليار دولار، وقد توفرت في عهده 20 مليون فرصة عمل، والحد الأدنى للأجور ارتفع من 200 ريال برازيلي (36 دولار أمريكي) إلى 500 ريال (92 دولار أمريكي)، والصادرات الخارجية زادت من 60 مليار دولار سنويًا إلى أكثر من 150 مليار دولار، ونسبة الالتحاق الجامعي زادت بنسبة 63%.

 

الرئيس محمود عباس يكرم لولا في بيت لحم عام 2010 لدعمه المستمر للقضية الفلسطينية

نتيجة لجهود الرجل تحرر أكثر من 25 مليون مواطن برازيلي من الفقر، وأصبحوا من أبناء الطبقة المتوسطة؛ ولذلك أطلق الكثير من الكتاب البرازيليين والعالمين على دا سيلفا لقب «أبي الفقراء». وتوجت نهضة البرازيل التي حدثت في عهد لولا بتنظيم كأس العالم عام 2014، وبطولة الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو عام 2016.

هل يهزم لولا بولسنارو في 2022؟

عندما ترشح لولا دا سيلفا في عام 2017 لخوض الانتخابات الرئاسية التي عُقدت في 2018، توقع العديد فوزه بسبب شعبيته الطاغية في البرازيل، وكانت المقارنات التي أجرتها مراكز البحث والاستطلاع في البرازيل تؤيد هذا التوقع بشدة، حتى أن إحدى الاستطلاعات كانت تتوقع أنه في حالة حدوث إعادة بين اليساري دا سيلفا واليميني بولسنارو، كان سيحصل اليميني على 26% فقط من مجمل الأصوات.

 بولسنارو

صعود بولسنارو إلى كرسي الرئاسة في البرازيل تزامن مع موجة سيطرة اليمين السياسي في العالم، الموجة التي كُللت بانتصار كبير عام 2016 عندما فاز دونالد ترامب الوجه الأوضح لليمين السياسي المُتطرف بكرسي البيت الأبيض الذي يجعل من جالسه أقوى سياسي في العالم.

رئاسة بولسنارو، الذي ينظر لترامب على أنه إلهام له، لم تختلف كثيرًا عن سياسة قدوته من ناحية التعامل مع الكارثة الأكبر في السنوات الأخيرة؛ ألا وهي تحدي جائحة فيروس كورونا المُستجد. وفي شهر مارس الماضي فقط مات حوالي 60 ألف مواطن برازيلي متأثرين بالإصابة بالفيروس نتيجة سياسات بولسنارو مع الجائحة.

بولسنارو مثل ترامب، سخر من جائحة كورونا في البداية، ورفض تطبيق الإجراءات الاحترازية في البرازيل؛ مما أدى إلى حدوث انفجار في عدد الحالات. بل إن الرجل ذهب بأيديولوجيته بعيدًا؛ عندما قاد مجموعة من المُتظاهرين في مظاهرة ضد ما سماه «مؤامرة كورونا».

أشارت الكثير من استطلاعات الرأي مؤخرًا أن الشعب البرازيلي غاضب من بولسنارو، وأن 59% من الناخبين سوف يرفضونه في الانتخابات الرئاسية القادمة المُقرر عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022، ومع العودة المدوية للولا دا سيلفا، يتوقع الكثير من المُحللين أن نهاية بولسنارو قد اقتربت.

ولكن الحديث عن نهاية عهد بولسنارو مشوب ببعض القلق، ويطرح عدة أسئلة هامة: هل يرفض بولسنارو نتيجة الانتخابات حال خسارته؟ هل يحاول أن يحرك مُريديه ومؤيديه لإحداث قلق كما فعل مؤيدو ترامب واقتحموا الكونجرس؟

 بولسنارو مع ترامب

في الواقع هناك معلومة مهمة يجب وضعها في الاعتبار عند التفكير في الإجابة عن هذه الأسئلة؛ ألا وهي أن بولسنارو عسكري مُتقاعد في الجيش البرازيلي، ولا يجب أن نغفل أيضًا أن البرازيل حدثت فيها انقلابات عسكرية، وحكومتها ديكتاتورية عسكرية في الفترة بين 1964-1985، وهي الفترة التي يمدحها بولسنارو، بل إنه احتفل بانقلاب عام 1964 في نهاية مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك فإن بولسنارو أقال وزير الدفاع البرازيلي أزيفيدو إي سيلفا الذي كان يُعرف عنه أنه صديق بولسنارو المقرب. إقالة وزير الدفاع تبعتها استقالة ثلاثة من كبار قادة الجيش البرازيلي، وهذا يفسح المجال للتكهن بأن بولسنارو قد يسعى إلى تعيين قادة جُدد؛ لأنه ربما يُفكر في الانقلاب على نتيجة الانتخابات إذا خسر الجولة الانتخابية الرئاسية أمام لولا داسيلفا في 2022، هذه الاحتمالية لا يوجد عليها أي دليل ملموس، لكنها مفهومة في إطار أن الديمقراطية البرازيلية لم تزل في مهدها.

إذا فاز دا سيلفا.. هل سيكرر تجربة مهاتير محمد؟

في الفترة الأولى لولاية مهاتير محمد عاشت ماليزيا عصر انتقال اقتصادي وسياسي، وتحولت من دولة نامية إلى دولة غنية ورائدة في قارة آسيا، والتحول الذي شهدته ماليزيا في فترة مهاتير محمد الأولى التي كانت بين عامي 1980-2003 يتشابه كثيرًا مع التحول الذي قاده لولا دا سيلفا في البرازيل.

وللمصادفة مهاتير محمد ترشح للعودة لمنصب رئيس وزراء ماليزيا للمرة الثانية عام 2018، وهي نفس السنة التي ترشح فيها دا سيلفا للعودة إلى رئاسة البرازيل، وكانت أسباب ودوافع الاثنين مُتشابهة: وهي إنقاذ بلادهم من قبضة السياسيين الفاسدين الذين يحكمونها من وجهة نظرهما.

 مهاتير محمد

ولكن الفارق أن مهاتير محمد تمكن من خوض الانتخابات وفاز بها، ومع ذلك لم ينجح في ولايته الثانية، وفشل حتى في تكملة فترة حكمه، واستقال بعد عامين فقط في مايو (أيار) عام 2020؛ بسبب عدم نجاحه في تحقيق توافق بين التحالف الحاكم والمعارضة في تشكيل حكومة تُمثل كافة التيارات السياسية الماليزية.

طرح فرضية إمكانية فشل لولا رئيسًا تأتي من اعتقاد البعض أن أيديولوجيته الاشتراكية لم تعد تناسب مشاكل القرن الواحد والعشرين، على سبيل المثال يرى البعض أن إستراتيجية التوسع في بناء مصانع الفحم وتكرير البترول التي انتهجها دا سيلفا في بداية القرن الحالي لا تناسب سياسات الطاقة النظيفة التي ينادي بها الكثير من الساسة والنشطاء والمُنظمات في الوقت الحالي، بينما لولا لم يخبر أحد عن إستراتيجياته مثلًا في حل أزمة تقلص غابات الأمازون في البرازيل.

الأزمة الثانية هي الانزلاق إلى تبني تقديس اليمين تجاه رمزية السياسي كونه أكبر من منصبه، على سبيل المثال الكثير من مؤيدي ترامب كانوا يرون فيه المُنقذ الذي أرسلته السماء لإنقاذ أمريكا والعالم من الأشرار، ووجدنا كيف أن القائمين على مبادرة كيو أنون يدعون أن هناك عالمًا سريًا يحكمه سياسيون أشرار وترامب هو الأمل الوحيد لتخليص العالم منهم.

قد يقع اليسار البرازيلي في نفس المشكلة؛ وهي تقديم لولا دا سيلفا على كونه المُنقذ والفارس القديم الذي جاء ليضيء مستقبل البرازيل ويقضي على ظلام بولسنارو، خاصة بعد ما تعرض له الرجل من تضييق وقمع في السنوات الأخيرة، وبعد ما عاناه اليسار في حقبة بولسنارو، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الاستقطاب الحاد الذي تشهده البرازيل بين اليمين واليسار في السنوات الأخيرة.  

دولي

منذ شهرين
جاكوبين: هل نشهد عودة لولا دا سيلفا رئيسًا للبرازيل؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد