سعت إيران، منذ بداية اندلاع الثورة السورية، لدعم نظام بشار الأسد بكافة أشكال الدعم المالي والعسكري، في محاولة لإبقائه في المنصب، وإفشال الانتفاضة السورية، أو على أقلّ تقدير تجاوز هذه الفترة بأقل الخسائر للنظام، الحليف التاريخي لنظام إيران. تمثلت أحدث وسائل دعم إيران لنظام الرئيس السوري في تجنيد الحرس الثوري الإيراني آلاف الأطفال الأفغان، وتدريبهم داخل معسكرات تدريبية في العاصمة الإيرانية، قبل نقلهم لساحة القتال في سوريا للدفاع عن النظام. يحاول التقرير التالي استكشاف أبعاد هذه الوسيلة، وكيف نجح الحرس الثوري في تجنيد أطفال أفغان، وما هو المقابل من جراء دخولهم في هذه المعركة؟

«أطفال أفغان».. القتال مقابل حوافز مالية أو الترحيل والاعتقال

أحمد أتربي، 16 عامًا، طفل أفغاني اضطرته ظروف بلاده للجوء هو وعائلته والنزوح إلى إيران، في محاولة للاستقرار، قبل أن يجد نفسه مُجبرًا على الانخراط ضمن إحدى الفرق العسكرية الإيرانية، والانتقال إلى سوريا لدعم قوات الرئيس السوري بشار الأسد.

اضطر الطفل الأفغاني للقبول تحت تهديدات تتعلق بترحيل أهله وسجن بعض أفرادها، ليلتحق بمعسكر تدريبي جنوب العاصمة الإيرانية لشهر كامل، وينتقل منها بعد ذلك لمدينة سورية ظل يُحارب فيها حتى لقي حتفه في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وتدفنه عائلته في مقابر بمدينة أصفهان الإيرانية.

صورة للطفل الأفغاني الذي تعرّض للقتل خلال انخراطه في الحرب بسوريا. مصدر الصورة: موقع إخباري إيراني

 

ويقدّر عدد الأفغان في إيران بثلاثة ملايين، اضطروا للهروب من موطنهم الأصلي لظروف الحرب وعدم الاستقرار، حسب إحصائيات رسمية من وزارة الداخلية الإيرانية، حيث يحمل منهم 950 ألف شخص فقط وضع لجوء قانوني في إيران، والعدد المتبقي منهم محروم من إجراءات اللجوء، أو التأشيرات المؤقتة.

وقدمت إيران للأطفال المُشاركين في القتال العديد من الحوافز لتشجيعهم على الالتحاق بالميليشيات التي تسافر سوريا لدعم قوات الأسد، كحافز مالي شهري، ومنحهم الإقامة القانونية في إيران، فضلًا عن توظيفهم بعد انتهاء فترة الحرب.

ويخالف تجنيد الأفغان داخل وحدات عسكرية إيرانية، والانخراط في مهام تدريبية لصالح الحرس الثوري الإيراني القانون الإيراني نفسه، الذي يسمح للجيش بتجنيد المواطنين الإيرانيين فقط، كما يحظر القانون الدولي المطبق في سوريا على القوات الحكومية وغير الحكومية تجنيد الأطفال دون 18 سنة قسرًا، أو استخدامهم في أعمال عدائية.

ويقع اختيار ضباط الحرس الثوري الإيراني على الأطفال أو المواطنين الأفغان ممن يتمتعون بلياقة عالية وقدرة بدنية، قبل أن ينقلوهم بواسطة الضباط لمراكز التدريب، ووحدات عسكرية تتبعهم بجنوب طهران، بينما يكون مصير غير المؤهلين للقتال في أغلب الحالات الترحيل القسري من البلد، أو احتجازهم في السجون الإيرانية.

وتوضح شهادات مواطنين أفغان، انخرطوا في معارك سورية، أن السلطات الإيرانية تعد الأطفال والمواطنين براتب شهري يصل إلى ألف دولار تقريبًا، ولكنهم يستلمون في الواقع حوالي 600 دولار، فضلًا عن بعض الامتيازات التي قد تُتاح لمن يُجيد القتال داخل سوريا، كتعيين أقاربه بوظائف حكومية في إيران، أو منحه الجنسية.

وينتقل الأفغان بعد تقسيمهم لمجموعات تتكون كُل واحدة من 180 شخصًا، عبر حافلات عسكرية بنوافذ سوداء، إلى مطار طهران، ومن ثم يستقلّون طائرات مُخصصة لنقلهم إلى دمشق، ويكون في استقبالهم لدى وصولهم مسؤولون عسكريون سوريون وإيرانيون، يقدمون لهم أسلحة وبذّات عسكرية، ويوزعون المقاتلين على أماكن القتال التي تشمل منطقة تدمر ومصفاة النفط كذلك بمدينة حمص، فضلًا عن توزيع بعضهم للتقدم نحو مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» في معاقلهم، ومن يُعارض التعليمات بالتقدم يتعرض للقتل بإطلاق النيران عليه من جانب قائده في اللواء العسكري.

وشملت برامج إعداد أطفال أفغانستان للجاهزية القتالية، تنظيم لقاءات مفتوحة مع زعماء دينيين خطبوا فيهم بشكل متكرر في أماكن تدريبهم بالوحدات العسكرية عن أهمية العمل الذي يشاركون فيه من بعد ديني، وقالوا لهم إنهم سيذهبون للدفاع عن العقيدة الشيعية في سوريا. واقترحت السلطات الإيرانية حوافز للأطفال التي تعرضت للوفاة، مثل طريقة للحصول على جنسية لعائلات المقاتلين الأجانب الذين توفوا، أو جرحوا، أو أسروا خلال فترة اشتراكهم في الحرب بسوريا.

وتحتفي الصحف الإيرانية بالعناصر المقاتلة الأفغانية، خصوصًا من تعرض للقتل داخل الأراضي السورية، كإجراء مقابلات مع بعض الأحياء منهم، أو تكريم أهل من قتل، مثل احتفاء وكالة الأنباء الإيرانية «تسنيم» بعائلة الطالب الجامعي الأفغاني مصطفى كريمي، بجانب إعداد سلسلة أفلام وثائقية تُذاع على شاشات التلفزيون الإيراني، وتتحدث عن حياة هؤلاء المقاتلين الأفغان.

«لواء فاطميون».. حاضنة إيرانية للأفغان المُشاركين في دعم قوات الأسد

شكَّل الحرس الثوري الإيراني حاضنة عسكرية تحت اسم «لواء فاطميون» ينخرط داخلها الأطفال الأفغان، الذين تبدأ أعمارهم من 14 عامًا، ويُباشر الإشراف على تدريبهم ومهامهم في سوريا قوات «فيلق القدس» التي تتبع الحرس الثوري الإيراني.

Embed from Getty Images

قادة إيرانيون عسكريون خلال أحد التدريبات

و«فيلق القدس» وهو وحدة قوات خاصة تابعة للحرس الثوري الإيراني، ومسؤول عن عملياته خارج الحدود الإقليمية، ولا أحد يعرف الميزانية الحقيقية المخصصة له. «لواء فاطميون كحوض الكوثر، هو خير عظيم لا يختص بالعالم الإسلامي فحسب، بل هو خير وبركة للعالم بأسره، والنتائج التي تمخضت عن تأسيس هذا اللواء في غاية العظمة»، كانت هذه الكلمات التي وصف بها اللواء قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس»، قوات «لواء فاطميون»، خلال تعزيته لعائلة القائد العسكري لهذا اللواء، بعد انخراطه في العمليات العسكرية داخل سوريا.

ويتمتع لواء فاطميون في سوريا بقواعد في حلب وحماة واللاذقية ودمشق وحمص، ويتراوح أعداد المواطنين الأفغان فيه بين 3 آلاف و4 آلاف مقاتل، بينما يصل كافة العدد داخله إلى 14 ألف مقاتل، حسب موقع «وكالة تسنيم الإخبارية» الإيرانية.

وتسبق فترة إرسال الأفغان إلى سوريا، تنظيم دورات تدريب وتأهيل عسكرية داخل معسكرات تتبع الحرس الثوري، أبرزها معسكر تدريب يُسمى «باديغان شهيد بازوكي» (أو ثكنة الشهيد بازوكي) في ورامين، 60 كم جنوب طهران، إذ تشمل فترة التدريب التي تصل إلى شهر، كيفية حفر الخنادق، واستخدام الاتصالات اللاسلكية، والتدريب على استخدام الأسلحة الثقيلة مثل القذائف الصاروخية المحمولة.

ويُدفن الأطفال الأفغان من لواء فاطميون، ممن تعرضوا للقتل داخل سوريا، في إيران، حسبما أوضحت تقارير لصحف محلية، قالت: «إن ما لا يقل عن 6 من لواء فاطميون دُفنوا في إيران، وكانوا تحت سن 18 عامًا عند وفاتهم. في اثنين من هذه الحالات -حسن رحيمي ومحمد زمان عطايي- تشير المعلومات المحفورة على شواهد القبور إلى أنهما كانا يتجاوزان 18 عامًا عندما لقيا حتفهما لكن المقابلات الإعلامية مع عائلتهما تكشف أنهما كانا في الواقع طفلين، أو تحت 18 عامًا، عندما توفيا في القتال بسوريا».

ووثقت منظمة هيومان رايتس ووتش عدد الأطفال ممن لقوا حتفهم داخل سوريا خلال قتالهم مع «لواء فاطميون»، إذ بلغ عددهم نحو 14 طفلًا بين عامي 2015 و2016، وذلك عن طريق الاستدلال على أعمارهم من واقع مقابلات مع أهاليهم، أو من خلال الكتابات على شواهد قبورهم المدفونين داخلها في المدن الإيرانية.

حسب دراسة نشرها أحد المراكز البحثية الإيرانية، فلواء فاطميون يُعتبر ثاني أكبر مجموعة مسلحة موجودة في سوريا بعد «حزب الله» اللبناني، وإنها «تمثل حاليًا خطرًا كبيرًا على الوضع الأمني في أفغانستان، لا سيما بعد اكتسابها خبرة ميدانية خلال السنوات القليلة الماضية في المدن السورية، ومتانة أواصرها بالنظام الحاكم في طهران بشكل عام، وقوات الحرس الثوري بشكل خاص».

المصادر

تحميل المزيد