«ها أنذا، المدينة التعيسة، كومة من الخرائب، هل تأسون لمجدِ بيروت؟ هل تبكون عليها أيها العابرون الماشون فوق أطلالي؟» بهذه الكلمات رثى شاعر إغريقي مدينة بيروت الجميلة، بعد الدمار الذي طالها عقب زلزال عام 560م، ونتج عنه حريق التهم مبانيها وشوارعها.

نعرف جيدًا تاريخ الخراب في العاصمة اللبنانية، وكم تحملت من مآس، خاصةً في تاريخها المعاصر، لكن ما الذي نعرفه عن «مجد بيروت» الذي تحدث عنه هذا الشاعر اليوناني؟ وكيف بدا العصر الذهبي لهذه المدينة في مختلف مراحل التاريخ؟ نأخذك عزيزي القارئ عبر السطور التالية إلى أربع محطات رئيسية في تاريخ بيروت، نهضت خلالهم المدينة من فترات صعبة، وعاشت عصرها الذهبي وشهدت مجدًا سياسيًا واقتصاديًا، لفت أنظار العالم إلى موقعها الاستراتيجي في حوض البحر المتوسط.

«استراحة محارب».. أساطير نشأة مدينة بيروت العتيقة

قال عنها الشاعر الفلسطيني، محمود درويش: «بيروت من تعبٍ ومن ذهبٍ وأندلس وشام». كانت من أقدم المدن الكنعانية، يقال بناها الجبليون، وعن ذلك يقول المؤرخ صالح بن يحيى: «يستدل على قدمها بعتق سورها»، إذ من المرجح أن يعود عمر سور المدينة إلى العهود الكنعانية القديمة، وعلى الرغم من أننا لا نعرف الكثير عن التاريخ المحدد لبناء المدينة؛ إلا أنها كانت حاضرة في كتابات المؤرخ البيروتي سنكن يتن، الذي عاش هناك في القرن الرابع الميلادي.

جاء تاريخ نشأة المدينة عند سكنن في شكل أسطورة، تشير إلى أن الإله «إيل» أو عليون -كبير آلهة الكنعانيين في الألف الثاني قبل الميلاد وأول ملوك جبيل- قد تزوج من الإلهة بيروت قرينته، وبنى هذه المدينة جنوب مملكته وسماها «بيروت» إكرامًا لزوجته. وفي أسطورةٍ أخرى كان «أوجيكس» أحد الحكام الأسطوريين في اليونان، هو من أنشأ هذه المدينة لتكون «استراحة حرب»، يرتاح على شواطئها بعد غزواته، وقد أسمتها زوجته «بيروتوس» وهو اسم مشتق من حروف اسمها بروه (Beroe).

(مدينة بيروت)

نشأت مدينة بيروت في عصور ما قبل التاريخ؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن المدينة بأكملها كانت في البدء أرضًا صخرية غارقة في قاع البحر، إلا أن المياه قد انحسرت عنها في العصر الحجري القديم، وهنا ظهرت تلك البقعة من الأرض على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط؛ وقد عاش فيها الإنسان الحجري الحديث ومن ثم سكنها الكنعانيون في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد لتصبح بذلك واحدة من المدن الكنعانية.

يقول البعض أن اسم «بيروت» يعني كما ورد في التوراة، البئر قرب رام الله، وآخرون يرجعون هذا الاسم إلى الكلمة الآرامية «بيروتا» والتي تعني الصنوبرة، نظرًا لشهرة المدينة بنمو أشجار الصنوبر. وقد ورد ذكرها في النقوش المصرية القديمة برسائل تل العمارنة بيروتا. عن ذلك يشير سنكن يتن إلى أن تلك المدينة كانت الأولى التي يبنيها الإله إيل بنفسه، وقد أهداها إلى «إله البحر» وجميع الآلهة الذين اخترعوا فن الملاحة.

كان هذا الموقع الجغرافي المميز بحوضِ البحر المتوسط هو ما جعل المدينة مطمعًا للكثيرِ من الدول الكبرى في العصور القديمة، بدءًا من مصر الفرعونية؛ مرورًا بالآشوريين والفرس، ومن بعدهم اليونان والرومان، إذ غزاها الملك المصري أحمس عقب طرد الهكسوس لتأمين حدود البلاد من أية هجمات مقبلة وفق خطته، ودخلت تحت حكم الإسكندر الأكبر، ونجح الرومان أخيرًا في تحويلها إلى مستعمرة رومانية عام 16 ق.م.

1- تحت الحكم الروماني.. «مملكة جوليا السعيدة»

عندما وصل الرومان إلى بيروت عام 64 ق.م، كانت المدينة تعاني من الإهمال والخراب الذي طالها تحت الحكم اليوناني وحكم السلوقيين؛ وعندما قدم ماركوس أجريبا صهر أغسطس قيصر إلى بيروت عام 16 ق.م وأصبح حاكمًا عامًا للبلاد، أعجب بالموقع الاستراتيجي لهذه المدينة العتيقة، وأراد أن يجعل منها مستعمرة رومانية، يمكن للجنود المتقاعدين أن يجدوا راحتهم فيها، وقد كان إعلانها مستعمرة يحمل في طياته الكثير من الامتيازات التي نعمت بها المدينة.

نالت بيروت بهذا الإعلان استقلالها عن حاكم الولاية، وقد أصبح من حق سكانها أن يختاروا ولاتهم دون تدخل من روما، كما أعفي أهل المدينة من دفع الضرائب، وأصبحت بيروت دولة صغيرة ضمن الممالك الرومانية في الشرق لتدخل بذلك واحدًا من أزهى عصورها، وهو العصر الروماني.

أراد أجريبا للمدينة أن تزدهر فأمر جنوده بتشييد المباني العصرية حينذاك على الطراز الروماني وأقيمت القصور وشيدت المسارح، كما قاموا بتحسين مرفأ بيروت وإضافة الأرصفة إليه، وهو ما ترتب عليه أن تصبح المدينة مركزًا تجاريًا هامًا، ودشنت الحمامات والمدرجات والأروقة، وأقيمت الحفلات الموسيقية والمبارزات والمصارعة، فكان الرومان أنفسهم يأتون إلى بيروت للسياحة والترفيه عن النفس.

في ذلك الوقت شهدت المدينة العتيقة واحدة من فتراتها الذهبية، حتى أن أغسطس قيصر قد أطلق عليها حينذاك اسم «مستعمرة جوليا السعيدة: بيروت»، وقد وردت بهذا الاسم على صكوك العملات، وقد لعبت دورًا ثقافيًا مرموقًا حينذاك في أنحاء الإمبراطورية الرومانية بالعالم القديم ونافست أنطاكية في الزعامة الفكرية، وبُني فيها أشهر معهد روماني للقانون خارج إيطاليا، وكان لها تمامًا مثل روما حاكمان للتشاور في شؤون الحكم.

2- عندما أصبحت «بيروت» مركزًا للأسطول البحري الإسلامي

يرجع الفضل إلى إنشاء الأسطول البحري الإسلامي إلى مؤسس «الدولة الأموية» معاوية بن أبي سفيان وهو أول خلفائها في الشام، إذ رأى الخليفة أنه لن يستطع حماية شواطئه من هجمات الروم إلا عبر أسطول قوي يعمل على حراسة هذه السواحل، وهنا توجه الخليفة إلى مدن البحر، للعارفين بالملاحة، وكان منهم بالطبع، أهل بيروت؛ فجهز معاوية مراكبه بالملاحين من سكان الساحل الشامي. 

أصبح مرفأ المدينة العتيقة حينذاك مركزًا هامًا لصناعة السفن الإسلامية؛ فأصبحت بيروت «دار صناعة دمشق»، وفيها جهز الأسطول الإسلامي مراكبه قبيل غزو قبرص؟ وفي عام 1387م، أصبحت بيروت مركزًا لصناعة السفن الحربية، وكانت الأشجار تقطع من أحراج بيروت وغاباتها وتجلب إلي الميناء من أجل استخدامها في الصناعة لما عرف عنها من الجودة خاصةً في صنع المجاديف. 

عن ذلك يشير دكتور عصام محمد شبارو في كتابه «تاريخ بيروت من أقدم العصور وحتى القرن العشرين»، إلى أن مدينة الصنوبر قد أصبحت في «العصر الأموي» مركزًا للأسطول الإسلامي؛ إذ أراد معاوية الاستعانة بأهالي ساحل الشام الذي برعوا في ركوب البحر ومعرفة أسراره منذ أقدم العصور، فكانت موانئ عكا وصيدا وبيروت وطرابلس تمثل الحصون الساحلية للدولة الإسلامية في ذلك الوقت، وقد عين معاوية جنادة بن أبي أمية في منصب «أمير بحر الشام»، وقد كانت بيروت محل إقامته؛ والمركز الذي غزت منه الدولة الإسلامية جزر قبرص ورودس، وقد كانت السياسة البحرية الإسلامية تعتمد على تجميع الأسطول البحري الإسلامي كله في بيروت وصور.

سياسة

منذ شهر
شريان لبنان الاستراتيجي.. لهذه الأسباب ستتأثر بيروت بانفجار مرفئها

كان أمير البحر منذ ذلك الوقت هو أمير بيروت، وذلك حتى عهد الخليفة الأموي، عبد الملك بن مروان، الذي قام بفصل منصب أمير البحر عن إمارة المدينة، وبسقوط الدولة الأموية، انحسر الدور المحوري الذي لعبته بيروت القديمة باعتبارها مركزًا هامًّا للدولة الإسلامية، إذ نقلت عاصمة الخلافة من دمشق إلى بغداد في العصر العباسي، وأصبح ميناء بيروت بعيدًا عن العاصمة وتحولت أنظار العرب المسلمين إلى المدن الداخلية مثل حمص وحلب وبغداد، لكن رغم ذلك استمر «مرفأ بيروت» في دوره باعتباره واحدًا من الموانئ الهامة على ساحل الشام.

3- حين أصبح «مرفأ بيروت» وجهة التجار الأوروبيين

في العصر المملوكي، ازدهرت مدينة بيروت مرة أخرى باعتبارها مركزًا تجاريًّا هامًّا، جنبًا إلى جنب مكانتها بالنسبة للأسطول الإسلامي، إذ أدرك أمراء المماليك بعدما استردوا المدينة من الصليبيين ما لها قيمة عظيمة، فعملوا على تحصين سواحلها وربطها بدمشق عن طريق البريد، وقد أصبح مرفأ المدينة الميناء الرئيسي لبلاد الشام.

كانت مهمة إنشاء البريد في ذلك الوقت نقل الأخبار على وجه السرعة بين بيروت ودمشق، وقد استخدموا في ذلك الحمام الزاجل والنار؛ إذ كان الحراس يشعلون نيرانًا في الليل بمكان ظاهر ببيروت ترد عليه نارًا أخرى في بيروت العتيقة ومن بعدها سلاسل الجبال، فكانت تلك النار هي وسيلة التواصل في بيروت عندما تعرضت المدينة لهجمات السفن الجنوية عام 1406 ميلاديًا، وهي الاستغاثة التي وصلت بنجاح على الفور إلى دمشق؛ فحضر والي الشام إلى بيروت في عشية هذا اليوم لنجدة المدينة.

(ميناء بيروت)

في القرن الخامس عشر الميلادي، ونتيجة لاضمحلال مدينة صيدا اقتصاديًا، أصبح ميناء بيروت هو الميناء الرئيسي في بلاد الشام، وفيه أنشأت الدواوين والمشارف والنظارات وجرى تعيين مديريهم مباشرةً من دمشق، وفي بيروت اجتمع تجار دمشق وحلب وحماه وبعلبك ومعهم صنوف السلع، إذ كانت المدينة قبلة التجار الأوروبيين الذين أتوا من بلادهم خصيصًا لشراء منتجات الشرق، وفيها تعددت المراكز التجارية الأوروبية، فأنشِئت لأول مرة مؤسسات لتنشيط حركة التجارة ووضعت تحت يد التجار المسلمين، كما كثرت القنصليات الأجنبية لمباشرة شؤون رعاياهم.

عربي

منذ شهر
ما الذي حدث في بيروت «المنكوبة»؟ 5 أسئلة تشرح تفاصيل الانفجار المروع

في ذلك الوقت كانت فنادق بيروت مكانًا مناسبًا لعقد الصفقات التجارية وحزم البضائع المتوجهة إلى الميناء لشحنها على البواخر، وقد كانت تلك الفنادق تدار بواسطة القناصل، وتخدم عادةً الأغراض التجارية فقط. وبذلك تحولت المدينة بحسب المؤرخ البيروتي عصام شبارو إلى «ملتقى شعوب البحر المتوسط»؛ إذ كنت تستطيع أن تلمح في أزقتها مختلف صنوف البشر، وقد سكنها حينذاك أمراء الغرب -وهم مجموعة من الأمراء حكموا سواحل غربي جبال لبنان كانوا يوالون المسلمين، لحمايتها من هجمات الفرنج، وقد شهدت بيروت في عهدهم عمرانًا وبناءً تناسب مع ازدهارها التجاري.

4- بيروت العصر الحديث.. «جمهورية التجار»

يشير هنري غيز في كتابه «بيروت ولبنان منذ قرن ونصف قرن»، إلى أن أهمية بيروت باعتبارها مدينة تجارية في العصر الحديث قد ازدهرت إبان فترة الأربعة عشر عامًا التي فصلت بين عامي 1810-1824؛ إذ استطاعت أن تبني المدينة نهضة صناعية حقيقية تضخمت على إثرها ثروات سكانها، خاصة في عهد سليمان باشا -والي حلب العثماني، وهو الأمر الذي جعل محمد علي باشا والي مصر يرغب في ضمها إلى الحكم المصري، وهي الفترة التي استمرت من عام 1831 وحتى 1840 ميلاديًا، وهي فترة ازدهرت خلالها بيروت باعتبارها إحدى مراكز تجارة الشرق، فكانت تصدر الحرير الخام والقطن والزيتون إلى القاهرة ودمشق وحلب. خلال ذلك جرى توسعة الميناء وردم الميناء الصغير القديم الذي شهد مجد بيروت العتيقة، وأنشأ إبراهيم باشا المحجر الصحي، والذي ساعد على حماية المدينة فيما بعد من الهجمات الشرسة للطاعون.

(أسواق بيروت القديمة)

كان زوال الحكم المصري عن المدينة بمجيء الإنجليز عام 1840 ومن بعدهم الفرنسيين عام 1860، ومن ثم إعلان ولاية بيروت عام 1888م، هي الأحداث التي شكلت المدينة بشكلها الحديث؛ ورغم التأثيرات السياسية العميقة للاحتلال والتي ما زال بعضها يلقي بظلاله على مشاكل لبنان، فقد جرى في تلك الفترة توسعة الشوارع والضواحي والاعتناء بها وفرشت بالحصى ورُصفت أزقتها بالبلاط، وبنيت الأحياء الجديدة بأشكال هندسية معاصرة، وبدأ الأهالي في الانتقال إليها. 

رغم ذلك، كانت المدينة العتيقة هناك أيضًا وقد تحولت إلى «جمهورية» للتجار بأزقتها ومحلاتها والزواريب -الحظائر، بعدما هاجر السكان منها إلى الأحياء الجديدة؛ فتحولت إلى مركز تجاري يستمد قوته من «مرفأ بيروت»، شريان حياة هذه المدينة، ومن بعده الأسواق والخانات -وهي كلمة كان يطلقها الأتراك على الفنادق، وقد هاجرت إليها العائلات الأوروبية نظرًا لمكانتها الجديدة ووصلت إلى مئة عائلة؛ بعدما أصبحت المدينة قِبلة كبار تجار العصر الحديث.

عربي

منذ شهر
كيف سيؤثر انفجار بيروت في خريطة لبنان السياسية؟

وبدءًا من ستينيات القرن التاسع عشر، أصبح القطاع الأبرز من سكان المدينة أنفسهم من كبار التجار، يستقبلون سفن البضائع التي كانت تصل بانتظام إلى الميناء وتضخمت ثرواتهم تباعًا نتيجة لتلك النهضة الاقتصادية، وبحلول الثمانينيات، كانت المدينة تعج بالأبراج والساحات والجوامع والزوايا، وقد رافق ذلك ثورة فكرية وثقافية، انتشرت على إثرها المدارس الأجنبية في المدينة التي أصبحت حينذاك، بحسب المؤرخ عصام شبارو، عاصمة الشرق تجاريًا وثقافيًا وعلميًا، وهو الازدهار الذي امتد حتى مطلع القرن العشرين بتدفق رؤوس الأموال الغربية.

المصادر

تحميل المزيد