في العهد الذي تلا سقوط جدار برلين، عززت الديمقراطية والأسواق الحرة من قوة بعضها بعضًا. فالأسواق المفتوحة تؤدي إلى مزيد من الديمقراطية، وبالتالي، تشجع الديمقراطيات التجارة الأكثر انفتاحًا. وقد سُمي ذلك بـ”العولمة” أو حتى “نهاية التاريخ”. وكانت الشركات والأفراد هم الفاعلين الرئيسيين في عالم متعدد الأطراف تحكمه قواعد اقتصادية مشتركة. ومثلت الولايات المتحدة عنصرًا هامًا للحفاظ على ذلك النظام، لكنها لم تكن الجهة الفاعلة المهيمنة. إلا أن الأمور قد تبدلت، واختُطفت العولمة من يد الجهات الحكومية بسبب المخاوف الأمنية الوطنية. لقد بتنا الآن نعيش عصر استخدام الأدوات الاقتصادية في التأثير السياسي، والذي يغذيه ردود الفعل على الأزمة الاقتصادية التي تجتاح أوروبا.

يبدو العالم الآن متعدد الأقطاب على نحو متزايد، وليس متعدد الأطراف. فالدول تتراجع قواها (بعضها على الأقل) وبدلاً من تعزيز السوق، فقد لجأت تلك الدول إلى أدوات السوق لزيادة القوة النسبية في مواجهة الآخرين. لو اقتبسنا حديث بسمارك، فإن الجهات الفاعلة تميل الآن للنظر إلى الاقتصاد باعتباره استمرارًا لسياسات القوة العظمى عبر وسائل أخرى. فقد سيطر منطق الأمن القومي وتنافسية الدولة على المشهد، وتم استبدال منطق العولمة المفتوحة بالنظرية المركنتلية الحديثة (المذهب التجاري الحديث).

إن هذا الصعود لتأثير الأدوات الاقتصادية على الجانب السياسي (أو بالأحرى على “مزيج منطق الصراع وأساليب التجارة” كما وصفه لوتواك عام 1990) يعتبر الآن الاتجاه السائد في السياسات الخارجية لمختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقد بدا بوضوح أن هذا الاتجاه في صعود مستمر وأنه يهيمن على عملية اتخاذ القرارات على نحو متزايد. يقتبس الكاتب كلامًا من هانس كوندناني قائلاً، أصبحت ألمانيا أوضح مثال على أن الأدوات الاقتصادية تهيمن على السياسة الخارجية لبلد ما. ففي عام 2011. امتنعت ألمانيا، إلى جانب دول بريكس، عن التصويت مع شركائهم الأوروبيين في مجلس الأمن الدولي لدعم التدخل العسكري في ليبيا. وقد اعتبر هذا العمل من قبل العديد من المراقبين بوصفه دليلاً واضحًا على أن ألمانيا تعتبر مصالحها الاقتصادية فوق المصالح السياسية والتزاماتها داخل أوروبا.

هذا ليس المثال الوحيد في هذا الصدد. فقد تباهت عدة دول رئيسية في الاتحاد الأوروبي الأخرى مثل فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا بسياساتها الاقتصادية الحيوية الجديدة في عام 2011، فقد كانت أول زيارة خارجية لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بعد دخوله مكتب رئاسة الوزراء في عام 2010 إلى الهند، حيث تم إبرام صفقة طائرات هوك بمبلغ يقدر بنحو 840 مليون جنيه استرليني. وباستمرار هذا الاتجاه في عام 2011، ظهر بوضوح تام تفضيل المملكة المتحدة لشركاء تجاريين من خارج الاتحاد الأوروبي مثل الصين، وذلك عبر الزيارات المختلفة والصفقات السخية الذي أبرمت مع المسؤولين الصينيين.

كما كانت إسبانيا أيضا مشغولة جدًا عام 2011 في مغازلة الصين لشراء ديونها (تعد الصين إلى جانب فرنسا أكبر أصحاب ديون لدى إسبانيا بنحو 25٪) وتوقيع صفقات تجارية، وباستثمار الصين في شركة ريبسول برازيل في بداية عام 2011 مما أدى إلى عقد صفقة ضخمة تبلغ نحو 7.1 مليار دولار. إن مشاكل الديون الإسبانية وزيادة وجود الصين في الشؤون الاقتصادية هناك نتج عنه صمت مدريد عن عدد من القضايا الحساسة سياسيًا في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين. وتشمل الأمثلة صمت إسبانيا عن المطالبة بالإفراج عن ليو شياوبو بعد فوزه بجائزة نوبل للسلام (خلافا لموقف بقية دول الاتحاد الأوروبي)، ودعمها العلني من أجل رفع الحظر الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على بيع الأسلحة إلى الصين، مما أثار استياء الحكومات الأوروبية الأخرى والولايات المتحدة.

كما تأثرت السياسة الخارجية الفرنسية بشدة بفعل العوامل الاقتصادية. فمغازلة الرئيس ساركوزي للصين في عام 2011 واختلاف فرنسا مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى على قروض بنك الاستثمار الأوروبي لبناء قطار فائق السرعة في المغرب (عقد أبرمته فرنسا بسبب علاقاتها الوثيقة مع المغرب) قد أثبت بوضوح الآثار الجانبية السلبية للأدوات الاقتصادية على وحدة الاتحاد الأوروبي.

من الممكن أن يعزى إلى حد كبير السبب وراء انتشار تأثير الأدوات الاقتصادية في السياسة إلى الأزمة الاقتصادية. فالأزمة لم تصبح أكثر تدميرًا وعمقًا فحسب، ولكن الحلول لم تأتِ بشكل عام من عموم أوروبا. ولذلك، فقد وجد السياسيون في الاتحاد في السياسات الاقتصادية الوطنية محاور استقرار وفرت الحلول على المدى القصير، مثل الاستثمارات الاستراتيجية وشراء الديون من جانب حكومات أجنبية. بعبارة أخرى، أدت الأزمة الاقتصادية الأوروبية إلى لجوء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى السياسات الاقتصادية الوطنية للتعويض عن الآثار السلبية لعدم وجود استجابة أوروبية محددة للأزمة.

هذا الاتجاه نحو زيادة استخدام الأدوات الاقتصادية في السياسات الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أصبح مدعاة للقلق، حيث أنه أدى أيضا إلى إعادة تأميم للسياسات الخارجية. وهذا بدوره يؤدي إلى التنافس بين الدول الأعضاء، عوضًا عن تحديد ودعم موقف أوروبي مشترك، بما سيلحق الضرر على المدى الطويل بسياسة خارجية قوية لدول الاتحاد الاوروبي. وهذه هي التكلفة العالية لعصر استخدام الأدوات الاقتصادية في التأثير السياسي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد