من المعلوم اقتصاديًا أن عدم الاستقرار السياسي، أو أي نوع من التوترات الجيوسياسية، تؤثر بشكل مباشر على أسعار صرف العملات، إذ أثبتت التجارب الحساسية البالغة للعملات جراء هذه الظروف، ففي حال كانت الدولة تعتمد نظام الصرف الثابت الذي يتم خلاله تثبيت سعر العملة، فإن التوترات ستؤثر على سعر الصرف في السوق الموازي الذي تتفاعل فيه قوى العرض والطلب.

بينما في حال كانت الدولة تعتمد نظام الصرف المرن، وسواء كان تعويمًا مدارًا أو تعويم حر، فإن الأحداث السياسية ستقود سعر الصرف للهبوط، ما يعني أنه على أي حال هناك علاقة عكسية بين تصاعد التوترات السياسية وبين سعر صرف العملة المحلية، وعلى مستوى المنطقة العربية فقد انخفضت أسعار صرف عملات الدول التي مرت بثورات أو توترات سياسية، مثل: تونس، ومصر، والمغرب، والسودان.

لكن بالنسبة للجزائر وهي آخر الدول العربية التي انضمت إلى دول الربيع العربي، الأمر مختلف بعض الشيء، فقد خالفت القاعدة، إذ إن سعر صرف الدينار الجزائري ارتفع في السوق الموازي مقابل اليورو والدولار، في الوقت الذي كان من المتوقع أن ينخفض في ظل الحراك الشعبي غير المسبوق، والذي انطلق في 22 فبراير (شباط) الماضي، وطالب برحيل النظام، وبالفعل دفع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لتقديم استقالته للمجلس الدستوري، في بداية أبريل (نيسان) الماضي، وذلك بعد 20 عامًا قضاها في الحكم.

4 إصلاحات ينبغي للجزائريين المطالبة بها لإنقاذ الاقتصاد

وخلال هذا التقرير سنحاول البحث عن الأسباب الحقيقية لصعود عملة الجزائر مؤخرًا، ومدى إمكانية استمرار الصعود، وما هو التفسير الاقتصادي لهذا الأمر.

أين وصل سعر الدينار الجزائري؟

في البداية يجب أن نوضح أن الجزائر لديها حاليًا سعران للصرف، رسمي وموازي، أو سوق الصرف الرسمية، وسوق الصرف الموازية (السوداء). وفيما يخص السعر الرسمي فقد تراجعت قيمة الدينار بأكثر من 50% أمام الدولار، من 78 دينار للدولار الواحد في بداية عام 2014 إلى 119 دينار مؤخرًا، كما هبط سعره أمام اليورو من نحو 108 دينار إلى 135 دينار في الفترة نفسها.

وكان البنك المركزي الجزائري قد تخلى، جزئيًا، عن دعم قيمة الدينار في يوليو (تموز) 2017، وسمح بهبوطه بنحو 20% مقابل الدولار الأمريكي، و3.8% مقابل اليورو، ومنذ ذلك الحين يواصل السعر الرسمي تماسكه، لكن هذا الأمر بالطبع لا ينطبق على سوق الصرف الموازية (السوداء) والتي تشهد نشاطًا واسعًا في الجزائر خلال السنوات القليلة الماضية.

إذ اتسعت الفجوة في سعر الدينار أمام العملات الأخرى بين السوق الرسمية والسوق السوداء بأكثر من 20%، ووصلت هذه الفجوة إلى 50% في بعض الأحيان، ومع اشتعال الحراك في البلاد، هبطت قيمة الدينار في السوق الموازي (السوداء)، فقد ارتفع سعر الدولار الواحد من 185 دينار في فبراير الماضي إلى أكثر من 190 دينار مؤخرًا، أما بالنسبة لليورو فقد قفز من 205 دينار إلى 214 دينار.

وهذا الأمر يمكن القول إنه طبيعي، وذلك لعدة اعتبارات أهمها أن قطاع كبير من المواطنين سعوا لاستغلال هذه الأوضاع غير المستقرة للمضاربة في سوق العملات سعيًا وراء الأرباح، أو للتحوط من انخفاض قيمة مدخراتهم مع الانخفاض المستمر لقيمة الدينار، في ظل المخاوف من اضطراب الأوضاع السياسية والاقتصادية في الفترة المقبلة؛ الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى محاولة حماية مدخراتهم وتحويلها من العملة المحلية إلى العملات الصعبة.

لكن المفاجأة هو أن سعر العملة الجزائرية سجل في السوق السوداء قفزة غير مسبوقة خلال آخر خمس سنوات تقريبًا، ففي أقل من 24 ساعة في مطلع يوليو الجاري، تراجع سعر اليورو من 212 دينارًا لليورو إلى 188 دينارًا، فيما تراجع سعر الدولار من 185 إلى 170 دينارًا، وهي الأرقام التي لم تشهدها السوق السوداء منذ بداية الأزمة المالية التي تعيشها الجزائر.

لماذا تغير مسار الدينار الجزائري من الهبوط للصعود فجأة؟

في الواقع لا تشير الأوضاع الاقتصادية في الجزائر إلى تحسن حقيقي، ولذلك فأن من المستبعد أن يكون صعود الدينار في السوق الموازي ناتج عن تحسن في الاقتصاد، وبالتالي في سعر العملة، فبحسب ما تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن الجمارك، تراجعت إيرادات الجزائر من الطاقة في الربع الأول من العام 1.68% على أساس سنوي؛ مما أدى ذلك إلى زيادة العجز التجاري في البلد العضو في «منظمة أوبك» 11% إلى 1.37 مليار دولار، إذ هبطت صادرات النفط والغاز، التي تشكل 93.59% من إجمالي صادرات البلاد، إلى 9.153 مليار دولار، من 9.310 مليار دولار.

بينما انخفض إجمالي قيمة الصادرات إلى 9.78 مليار دولار، من 10.02 مليار دولار في الربع الأول من العام الماضي، وتراجعت الواردات 0.83% إلى 11.15 مليار دولار، وتأتي هذه الأرقام بعد أن بعد فرضت الجزائر قيودا على استيراد بعض السلع، بما فيها سلع غذائية، في محاولة لخفض الإنفاق. لكن لم يدفع القرار العجز التجاري للتراجع بقوة، ويمكن القول إن الميزان التجاري هو أهم مؤشرات الاقتصاد الحقيقي وفي ظل الأرقام المذكورة فالاقتصاد الحقيقي ليس مصدر تحسن الدينار في السوق السوداء، لكن لماذا ارتفع سعر العملة الجزائرية؟

حفيظ صواليلي، رئيس القسم الاقتصادي في «جريدة الخبر» الجزائرية، يرى أن هناك عدة عوامل ساهمت في هذه الظاهرة، أبرزها الضبابية السائدة على المستوى الاقتصادي والشكوك الملازمة لها؛ وحملة مكافحة الفساد التي حملت معها سلسلة من التوقيفات لرجال الأعمال، وتباطؤ النشاط الاقتصادي الذي ساهم في تراجع الطلب في السوق الموازية على العملة.

وتابع صواليلي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه رغم أن الفترة الحالية عادة ما تشهد زيادة في الطلب على العملات الصعبة، إلا أن ما حصل عكس ذلك لا سيما مع عزوف المتعاملين عن اللجوء إلى السوق وهم يمثلون  النصيب الأكبر للطلب، يضاف إلى ذلك إجراءات تقليدية في مجال الاستيراد التي مست قطاعات عديدة بدءًا بالسيارات والمواد الأولية في قطاعات الإلكترونيات، والأجهزة الكهربائية والهواتف.

إلى متى يستمر الصعود عملة الجزائر وهل تتأثر أسعار السلع؟

يؤكد رئيس القسم الاقتصادي لـ«جريدة الخبر»، أن تراجع قيمة صرف العملة هو أمر نسبي في النهاية، وإن بدا معتبرًا في ظرف قصير، إذ يبقى سعر الصرف المعتمد في السوق الموازي بعيدًا عن تداول السوق الرسمية. لذلك على المستوى الرسمي يمكن القول إن قيمة صرف العملة الوطنية لم تعرف تقلبات كبيرة، خاصة أن السعر المرجعي للصرف في قانون المالية 2019 هو 118 دينار مقابل الدولار، وعمومًا يظل سعر الصرف بالنسبة للتعاملات الرسمية هو المحدد للاستيراد، لذلك يستبعد أن تتأثر أسعار السلع حاليًا.

وعلى الجانب الآخر يؤكد حميد علوان، أستاذ الاقتصاد في «جامعة الجزائر»، على «أن ارتفاع قيمة الدينار في السوق الموازية هو تراجع ظرفي إداري فقط، وليس اقتصاديًا، بينما يرجعه إلى وقف نحو ألف مادة من الاستيراد، وبالتالي انخفض الطلب علي العملة الأجنبية، وبالتالي انخفض سعر الصرف، بالإضافة إلى ما وصفها بالصرامة في إدارة الجمارك، ومحاربة الفساد فيها والفحص الكمي والكيفي للسلع المستوردة».

وتابع علوان، خلال حديثه لبرنامج «120 دقيقة أخبار» بقناة «النهار» الجزائرية، أنه «لا يتوقع مزيد من الانخفاض في سعر الصرف، بينما ينادي بضرورة التحول إلى اقتصاد منتج حر للسيطرة علي السوق الموازية، وتحول العجز في الميزان التجاري إلى فائض يزيد من الاحتياطي النقدي للعملة الصعبة لدي الدولة؛ مما يعمل في النهاية على السيطرة على معدلات التضخم المرتفعة واستقرار الأسعار».

ويتفق عبد الرحمن بن خالفة، وزير المالية السابق، كثيرًا مع علوان، لكنه «يعتبر هذا الصعود ناتجًا عن تغيير في سلوكيات المتعاملين في سوق الصرف، سواء أفراد أو تجار، كما أنه يتوقع هبوطًا مستقبليًا للسعر الرسمي، وذلك لزيادة تنافسية اقتصاد الجزائر».

هل تأثر سوق الصرف بالحملة على الفساد وحبس رجال الأعمال؟

منذ نهاية أبريل الماضي بدأت حملة جزائرية واسعة لتوقيف رجال أعمال ووزراء سابقين ومقربين من الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ففي 22 أبريل قال التلفزيون الجزائري الرسمي بأن خمسة مليارديرات جزائريين قد تم توقيفهم في إطار تحقيقات في قضايا فساد، من بينهم رجل الأعمال الشهير يسعد ربراب أغنى رجل أعمال في البلاد، وكذلك أربعة أشقاء من عائلة كونيناف المقربة من بوتفليقة.

كما أن محكمة جزائرية حكمت بحبس رجل الأعمال علي حداد، المقرب من بوتفليقة، ستة أشهر بتهمة «حيازة جوازي سفر»، في يونيو (حزيران) الماضي بعد القبض عليه في نهاية مارس. ويمتلك حداد أكبر شركة تعمير خاصة في الجزائر، وقائمة الاعتقالات طويلة وبعيدًا عن سردها فلا شك أن لها تأثير مباشر على أوضاع سوق الصرف، فبحسب نبيل جمعة، المستشار الدولي في مجال البنوك، أن هذه الحملة سبب رئيس في الصعود المفاجئ للدينار في الجزائر.

وحسب ما قال الباحث الاقتصادي، فرحات علي، لصحيفة «العربي الجديد»،  فإن «إيداع ما يُعرف بـ«العصابة» السجن، ليس بعيدًا عن ما تمر به السوق الموازية لصرف العملات. مؤكدًا أن رجال الأعمال كانوا يتحكمون في العرض والطلب بضخ أموال كثيرة في السوق أو العكس، وبالتالي اليوم أغلب رجال الأعمال في السجن، ومن ظل خارجه يفضل البقاء بعيدًا عن الأضواء».

ختامًا يمكن القول إن صعود العملة الجزائرية غير مرتبط بأوضاع إيجابية، لكنها ناتجة عن الركود الكبير في السوق، سواء بامتناع الأفراد عن التعامل بالسوق، خوفًا من المستقبل القريب، أو باختفاء صفقات المضاربة الكبيرة التي كان يقودها رجال الأعمال، وفي حال تأثرت أسعار بعض السلع فهو أمر يمكن اعتباره مؤقتًا، وغير دائم؛ لأنه لا يرتبط بأسس اقتصادية راسخة، لكن من الممكن أن نشهد تراجع في الأسعار في مرحلة لاحقة في حال تحققت التوقعات التي تشير إلى أن الاقتصاد الجزائري قد يشهد حالة من الانكماش الاقتصادي.

جدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته لنمو اقتصاد الجزائر خلال 2019 إلى 2.3% من 2.7%، ومن المتوقع أن ينخفض النمو إلى 1.8% سنة 2020، بينما يشير الصندوق إلى أن التضخم ظل سنة 2018 محصورًا في حدود 4.3%، غير أنه يتوقع ارتفاعه إلى 5.6% سنة 2019 وإلى 6.7% سنة 2020.

غموض العملات.. 7 أسئلة تجيبك عن كل ما يدور في بالك حولها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد