يعد صعود الجنيه المصري منذ بداية العام الجاري أحد المفاجآت الاقتصادية غير المتوقعة في مصر وربما على مستوى معظم الأسواق الناشئة. فالعملة المحلية تشهد انتعاشة كبيرة هي الأفضل لها منذ عامين، وهو ما جعل «بلومبرج» تصنفها أفضل العملات أداءً حول العالم خلال 2019. بينما عملات غالبية الأسواق الناشئة التي يمكن القول إن حال اقتصاداتها أفضل كثيرًا من مصر؛ تشهد تراجعات ملحوظة، وهو الأمر الذي يجعل من صعود الجنيه المصري، أمرًا غامضًا أو غير مفهوم لدى الكثيرين.

هذا الغموض يجعلنا نسأل ما الذي تغير في الاقتصاد المصري خلال هذه الفترة، فجعل الجنيه يسجل هذه القفزة؟ وفي الواقع لإجابة هذا السؤال نجد آراء متباينة، فالبعض -منهم وجهة النظر الرسمية- يرى أن هناك مبررات حقيقية تدعم هذا الصعود، والبعض الآخر من مراقبين وخبراء اقتصاد ومتعاملين في سوق الصرف؛ يجدون أن هذه المبررات غير كافية للصعود، بل يذهب آخرون للحديث عن أسباب من المفترض أن تقود الجنيه للهبوط.

خلال السطور القادمة سنتحدث عن كل هذه المبررات والأسباب لتكون الصورة أكثر وضوحًا.

كيف بدأ هبوط الدولار مقابل الجنيه المصري؟

بدأ هبوط الدولار في نهاية الشهر الأول من العام الجاري وذلك بعد أن خرج محافظ البنك المركزي المصري، طارق عامر، في تصريحات مثيرة لـ «بلومبرج» في 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، قال فيها: «سنشهد المزيد من تقلبات العملة بعد إلغاء آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب»، ويمكن القول إن هذا التصريح كان نقطة تحول كبيرة في سوق الصرف، ففي الوقت الذي ظن فيه المحللون أن التقلبات التي يقصدها عامر هي تراجع الجنيه المصري، جاء اتجاه سعر الصرف على العكس تمامًا.

ففي التاريخ نفسه الذي خرج فيه عامر، كان سعر الدولار، بحسب بيانات البنك المركزي، نحو 17.97 جنيه للدولار للبيع، بينما كان اتجاه السعر نحو الصعود خاصة أن الجنيه بدأ العام، بحسب أرقام المركزي عند 17.97 جنيه للدولار للبيع، لكن بعد 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، تغير اتجاه الجنيه ليواصل قفزاته المفاجأة على مدار الأشهر الأربعة الماضية، ليسجل بنهاية تداولات يوم 27 مايو (أيار) الجاري 16.88 جنيه، للدولار للبيع، أي بهبوط الدولار نحو 1.09 جنيه منذ تصريحات عامر وحتى الآن.

هذا الصعود في بدايته أثار حيرة المتعاملين والمستثمرين، وتباينت آراء المصرفيين ومحللي الاقتصاد المصري بشأن أسبابه، بين من يرى أن هناك تدخلًا مباشرًا من المركزي لتحريك العملة بعد استقرارها لنحو عام، وآخرون يرون أن الصعود نتيجة لتدفقات المستثمرين الأجانب على أدوات الدين، بينما كان الرأي المسيطر هو الذي جاء على لسان مسؤول مصرفي بأحد البنوك الخاصة العاملة في مصر الذي قال: «ارتفاع الجنيه المصري حركة مثيرة للقلق وموجهة، ليس لها أي علاقة بالعرض والطلب».

بين الواقعية والمبالغة.. ما هي مبررات صعود الجنيه؟

تتلخص مبررات صعود الجنيه التي يتحدث عنها بعض الخبراء والمحللون، وكذلك البنك المركزي، بعد استمرار هذا الصعود خلال الشهور الأربع الماضية، في «تدفقات النقد الأجنبي من مصادر متعددة»، بحسب ما ذكر المركزي، الذي تنتهي مدة محافظه في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، في رسالة لمجموعة إخبارية خاصة بالبنك عبر تطبيق «واتس آب».

بينما ترى رضوى السويفى، رئيسة قسم البحوث في «بنك الاستثمار فاروس» خلال تصريحات لوكالة «رويترز» أن ارتفاع الجنيه أمام الدولار يرجع إلى «زيادة استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية وإيرادات السياحة»، إذ تؤكد أن هناك معروض من الدولار أكثر من الطلب في البنوك.

وتعد الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية القصيرة الأجل، هي أبرز تلك التدفقات التي يتحدث عنها المركزي، لكن هذه الاستثمارات تسمى بالأموال الساخنة، ولذلك لأنها سرعان ما تعاود الخروج، وبحسب، محمد معيط، وزير المالية المصري، فإن صافي استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية بلغ نحو 16.8 مليار دولار حتى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) الماضي.

لكن هذا المستوى يقل كثيرًا عن مستويات سابقة، إذ سجلت الأموال الساخنة نحو 17.5 مليار دولار في نهاية يونيو (حزيران)، ونحو 23.1 مليار دولار في نهاية مارس (آذار) 2018، وهذا يعني أننا لو تحدثنا عن أن الارتفاع في الجنيه جاء بسبب الأموال الساخنة، فهو أمر فيه مبالغة كبيرة، فمن باب أولى كان الجنيه قد ارتفع في يونيو أو مارس 2018، وهو ما لم يحدث، بالإضافة إلى أن خروج تلك الاستثمارات من البلاد في أي وقت قد يؤدي إلى تدهور وضع الجنيه.

بجانب الأموال الساخنة تشهد المصادر الأساسية مثل إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج والصادرات نموًا ملحوظًا مؤخرًا، لكن هذا النمو لا يضاهي بأي حال من الأحوال خطوة تحرير سعر صرف الجنيه في أواخر 2016. إلا أنه وفق بيان لوزارة المالية فأن أعداد السائحين الوافدين للبلاد قفزت بنسبة 47.5% إلى 9.8 مليون سائح في 2018، بينما ارتفعت الليالي السياحية لـ 102.6 مليون ليلة في 2018، مقابل 51 مليونًا في 2017.

4 دول عربية قد تختفي منها الطبقة المتوسطة قريبًا.. هل بلدك منها؟

على الجانب الآخر وبحسب البنك المركزي، فإن إجمالي تحويلات المصريين العاملين في الخارج زاد 3.1% في 2018 إلى 25.5 مليار دولار من 24.7 مليار دولار في 2017، وبالرغم من أن هذه النسبة ليست كبيرة إلى درجة أن تنعش الجنيه، إلا أن زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بنسبة 15.8% قد عززت آمال تحقيق زيادة ملموسة خلال 2019.

ويرى محللون أن اكتشافات غاز طبيعي كبيرة قبالة ساحل البلاد المطل على البحر المتوسط حولت مصر من مستورد صاف للغاز إلى مصدر صاف، مما ساهم في تحسين سعر الصرف، لكن غياب الأرقام أيضًا يحول دول معرفة مدى التأثير الحقيقي.

لهذه الأسباب قد يكون صعود الجنيه غير واقعي!

بعد استعراض مبررات الصعود، ننتقل إلى سؤال: هل صعود الجنيه مقنع وواقعي وسيستمر بعد هذا العرض؟ الإجابة بالطبع، لا.

كان هذا ردًا سريعًا لمحمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بـ«شركة فيصل لتداول الأوراق المالية»، عند حديثه لـ«ساسة بوست»، إذ يرى أن أسباب الصعود تتعلق بتدفقات الاستثمارات بالدولار وهي في حقيقتها أموال ساخنة تستهدف معدلات الفائدة المرتفعة على أدوات الدين الحكومية، وهو سبب لا يمكن أن يستمر ولا يمكن الاعتماد عليه.

ويقول عبد الحكيم، إن معدلات الفائدة لن تستمر حول معدلاتها الحالية لأسباب متعددة، أهمها العبء الواقع على الموازنة العامة، بالإضافة إلى أثرها السلبي على معدلات الاستثمار في البلاد، وبالتالي يتوقع انخفاضها، وهو ما سينعكس بالتبعية على اتجاه سعر صرف الجنيه بلا شك.

محمد نصر الحويطي رئيس تحرير جريدة «الميزان الاقتصادي» المصرية، هو الآخر يقول إنه لا يجد أسبابًا قوية ملموسة لارتفاع الجنيه أمام الدولار في هذه الفترة الزمنية القصيرة، لكنه لا ينكر في الوقت نفسه ما ذكرناه، حول زيادة التدفقات الدولارية، لكنه يرى أن هذا الأمر يكشف فقط عن تنامي الديون الخارجية لمصر.

وتابع الحويطي، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن هذه الأموال المتدفقة تنشد فوائد مرتفعة تقدمها مصر على هذه المديونيات، ما يشكل أثرًا سلبيًا في مواعيد استرداد فوائدها، والذي قد يؤثر عكسيًا على حركة الجنيه المصري أمام الدولار، خاصة وأن مصر مطالبة بسداد مديونيات هذا العام قدرها البنك المركزي بنحو 14 مليار دولار، وهو ما يعني أن أسباب الصعود الحالي للعملة المحلية قد يكون نقمة وسبب الهبوط في المستقبل القريب.

في السياق ذاته، تبرز عدة أسباب أخرى تجعل فكرة صعود الجنيه مؤخرًا غير منطقية بعض الشيء، وعلى رأس هذه الأسباب، عدم تأثر العملة المصرية بالهجمات الإرهابية أو التوترات الجيوسياسية، وذلك على عكس كل العملات العالمية الحرة التي تتأثر بشكل مباشر بمثل هذه الأحداث. ففي نهاية 2018، أسفر اعتداء بعبوة ناسفة استهدف حافلة سياح عن مقتل ثلاثة سياح فيتناميين ومرشدهم السياحي، وذلك في منطقة الجيزة قرب الأهرام المصرية، وهو ما لم يتأثر به الجنيه.

مصر نموذجًا.. تعرف إلى مصطلح «المعروض النقدي» وعلاقته بالتضخم

ومنذ أيام قليلة استهدف اعتداء بقنبلة حافلة سياحية بالقرب من الأهرامات، فيما واصل الجنيه صعوده دون أي تفاعل يذكر مع الأحداث التي تربك أي عملة عالمية، وهو أمر غير منطقي.

على الجانب الآخر وفي ظل القفزة في سعر الجنيه أعلن المركزي عن قفزة بالديون الخارجية وتسجيلها مستوى قياسي، وهو أيضًا ما لم يمنع الجنيه من الصعود، إذ وصل  الدين الخارجي إلى 96.612 مليار دولار في نهاية ديسمبر (كانون الأول) بزيادة 16.6%، وتقترب آجال سداد الكثير منها.

وعلى الصعيد العالمي ومنطقة الشرق الأوسط يشهد العالم حالة من القلق البالغ بسبب الحرب التجارية المشتعلة بين الصين وأمريكا، والتوترات الجيوسياسية بسبب العقوبات على إيران، والتهديدات وصلت إلى حد الحرب، كل هذه الأمور أربكت أغلب عملات العالم والأسواق الناشئة، بينما لم يتأثر الجنيه المصري بل واصل الصعود بقوة، وهو أمر أيضًا مثير للاهتمام، خاصة أن البورصة المصرية تفاعلت مع كل هذه الأحداث.

سبب آخر يجعل الأمر غير واقعي، إذ أن صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفق بيانات المركزي سجلت هبوطًا بنحو 26% إلى 2.8 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2018-2019، وذلك في انهيار كبير عن تقديرات وزيرة التخطيط هالة السعيد، التي قالت في أغسطس (آب) الماضي، إن مصر تستهدف زيادة صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 11 مليار دولار في السنة المالية 2018-2019.

المركزي قال أيضًا إن عجز ميزان المعاملات الجارية اتسع إلى 3.85 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2018-2019، مقارنة مع 3.54 مليار قبل عام، وتفاقم كذلك عجز الميزان التجاري إلى 19.251 مليار دولار في النصف الأول من 2018-2019 مقابل 18.747 مليار دولار في الفترة المقابلة من السنة السابقة، وكل هذه الأرقام تحول بين أي تحسن يذكر في سعر صرف الجنيه بدعوى الزيادة في التدفقات الدولارية.

لماذا لم ينعكس تراجع الدولار على أسعار السلع؟

تندرج إجابة هذا السؤال ضمن أسباب عدم واقعية الصعود التي يتبناها البعض، فأسعار السلع في مصر لم تتراجع منذ بداية العام تزامنًا مع هبوط الدولار، لكن هذا الأمر يمكن تبريره بأن أسعار السلع الأساسية ترتبط بسعر الدولار الجمركي، وهو السعر الثابت عند 16 جنيهًا للدولار، وهو المستوى الذي لم يتجاوزه سعر الجنيه في السوق، مما يجعل من الصعب الحديث عن هبوط يذكر في الأسعار.

لكن وفق مصادر إعلامية محلية، تشير توقعات إلى أن مع بداية شهر يونيو المقبل، سيكون هناك خفض في سعر الدولار الجمركي للسلع الأساسية إلى 15 جنيها للدولار، بسبب تراجع السعر بالبنوك خلال الأشهر الخمس الماضية، وهو ما قد يجعلنا نشهد تراجعًا في الأسعار أو بالأحرى عدم ارتفاع كبير، لأن هبوط أسعار السلع يرتبط بمعطيات أخرى بخلاف الدولار، أبرزها رفع الدعم وزيادة الضرائب، وهو الأمر الذي من المتوقع حدوثه مع بداية يوليو (تموز) القادم.

إذًا.. ما السبب الحقيقي لانتعاش العملة المصرية؟

لا يرى رئيس تحرير جريدة «الميزان الاقتصادي» مبررًا ملموسًا قويًا لتراجع الدولار أمام الجنيه المصري، سوى رؤى غير معلنة للقائمين على السياسة النقدية في مصر، ولا يمكنه أن يتوقع إلى أين ستكون عمليات ارتفاع الجنيه المصري، لكنه لا يغفل تراجع حجم الصادرات، الناتج عن بعض حملات مقاطعة السلع المستوردة نتيجة ارتفاع أسعارها مثل حملات (خليها تصدي) التي قاطعت شراء السيارات، مما يجعل ذلك يقلل الطلب على الدولار جزئيًا.

رؤية الحويطي، تجعلنا نذهب إلى السؤال الأهم الآن وهو: هل سعر الصرف في مصر حر بالفعل؟ فمن المفترض أن البلاد انتقلت إلى نظام الصرف الحر منذ التعويم، لكن في نوفمبر الماضي نشرت وكالة «رويترز» تقريرًا يشكك في حقيقة حرية سعر الصرف في البلاد، إذ نقلت الوكالة عن مصرفيين واقتصاديين قولهم بأن بنوك الحكومة المصرية تساعد في دعم الجنيه، وتحدث التقرير حول أن المركزي المصري يستعين بالبنوك التجارية المملوكة للدولة للحيلولة دون تراجع الجنيه مقابل الدولار.

في الإجابة على السؤال نفسه ذهبت، شركة «لايتهاوس» لأبحاث السوق في مذكرة بحثية نشرت اليوم، إلى أن الجنيه ما زال خاضعًا لإدارة محكمة ولا يعمل وفقًا لنظام سعر صرف حر. وأضافت أن موجة صعوده تخالف الاتجاه النزولي العام في أصول الأسواق الناشئةالعالمية، مرجحة أن الجنيه بصدد مواصلة صعوده التدريجي.

هذا الأمر بات يردده كثير من المصرفيين والمحللين بشكل دوري؛ فالبعض مقتنع تمامًا إن البنك المركزي يتدخل بشكل مباشر في السوق لدعم الجنيه، إلا أن البنك نفى ذلك، لكن رغم النفي يظل هذا السبب هو الأهم والأبرز في رحلة صعود الجنيه، إلا أن جعل سعر الصرف حرًا بشكل حقيقي يمثل أحد مطالب صندوق النقد وفي حالة عدم الاستجابة له قد يتعطل القسط السادس والأخير لقرض الصندوق.

مما يعني أن الأيام القليلة القادمة ستكشف عما إذا كان هناك تدخل من المركزي أم لا، وذلك من خلال حركة السعر ووصول الشريحة الأخير من قرض الصندوق، بينما يعتبر السبب الآخر الذي ساهم في تراجع الدولار؛ هو الركود الكبير الذي تشهده الأسواق المصرية وهو ما دفع الواردات للتراجع أي انخفاض الطلب على الدولار عمومًا.

ختامًا قد يتساءل البعض لماذا كل هذا التعقيد؟ لماذا لا يتحرك سعر الصرف في مصر وفق آليات السوق كما هو الطبيعي في أسواق الصرف العالمية؟ الإجابة ببساطة أن التدخلات الحكومية لا تدع الأسواق تتحرك وفق الطبيعي، لذلك نجد أن الاقتصاد المصري في كثير من القطاعات لا يتحرك وفق النظريات الاقتصادية والأسس العالمية، فسعر الصرف يهبط في الوقت الذي يتوقع الجميع صعوده والعكس، وهو ما يجعل المحللين غير قادرين على توقع وضع السوق في المستقبل القريب فالنظريات غير مجدية على كل حال.

3 نقاط في تقرير «فيتش» الاقتصادي لن يخبرك بها الإعلام المصري

 

المصادر

عرض التعليقات
s