تكرّرت زيارة المسؤولين الليبيين إلى الأردن، بالتزامن مع دور ملحوظ للملك عبدالله الثاني على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، من أجل الوصول لتسوية محتملة للأزمة الليبية، وسط مؤشرات تؤكد تزايد النفوذ الأردني في الملف الليبي، ودوره الكبير في قطع شوط نحو اتفاق، ظل غير مكتمل، لأسباب لها علاقة بفشل الوسطاء السابقين، وتمسك كل طرف من أطراف الأزمة بشروطه.

يرسم التقرير التالي صورة أشمل عن طبيعة هذه الزيارات التي أخذت طابع السرية في غالبها، والتي كان آخرها تزامن وصول رئيس «المجلس الرئاسي» الليبي فائز السراج، مع وجود قائد «الجيش الوطني الليبي» خليفة حفتر في العاصمة الأردنيّة عمَّان، فضلًا عن احتمالات نجاح الدور الأردني في الأزمة الليبية، وأسباب بروز هذا الدور في تذليل عقبات الحوار بين الفاعلين في ليبيا.

الملك الأردني وحفتر.. خيوط تنسج منذ 2015 وبدأت تؤتي ثمارها

قبل ثلاثة أعوام، ووسط مساعٍ دولية وتحرّكات إقليمية من أطراف عديدة من أجل الوصول لحلّ سياسي يضع نهاية لغياب مؤسسات الدولة، والصراع المسلّح بين الفاعلين في الأزمة الليبية، ظهر لاعب جديد في هذه الأزمة، مُقدّمًا نفسه باعتباره وسيطًا محتملًا لتوحيد الفرقاء السياسيين، في ظل فشل وسطاء سبقوه في هذه المهمّة.

تعرف إلى ملك الأردن القادم.. الذي يعزف الجيتار ويتوق للأقصى

كان هذا الوجه الجديد هو ملك الأردن عبدالله الثاني، الذي دخل على خطّ الأزمة الليبية عبر استقباله للجنرال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، في قصره بالعاصمة الأردنية سنة 2015، قبل أن تتكرّر هذه اللقاءات سواء بشكل سرّي أو مُعلن، ويظل الملك عبدالله قادرًا على الاحتفاظ بعلاقة قوية مع حفتر، اتسمت بقدر كبير من السريّة، على الرغم من التوتّر الذي شاب العلاقة بينه وبين عديد من حلفاء القائد العسكري الليبي مثل مصر والإمارات لفترات زمنية، رغم الدعم المالي والسياسي الذي يحظى به من جانب هذه الأطراف.

وقد أتاحت العلاقة الثنائيّة بين الرجلين، توظيف الملك عبدالله لقدراته في التأثير على الجنرال الليبي، في تحقيق مزيد من التقارُب السياسي بين حفتر ورئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج، لينعكس ذلك في تغيير خطاب حفتر تجاه مسألة المصالحة الليبية وتقريب وجهات النظر أكثر مع السراج، ليبدو حفتر في تصريحات صادرة عنه نقلها عنه السفير الليبي في الأردن، الشهر الماضي، متفاهمًا في كثير من القضايا الجدلية، وأكثر مرونة في حلّ الأزمة.

اتضح هذا التأثير في أكثر من مسألة منها تغيّر خطاب حفتر، وانعقاد لقاء بينه وبين السراج في الأردن بشكل غير مُعلن خلال تزامن وجودهما على الأراضي الأردنية الشهر الجاري. إلى جانب ذلك، فقد تحوّل الأردن على مدار الأشهر الأخيرة، لمحطة حفتر المفضّلة للقاء شخصيات دولية وإقليمية، من أجل الوصول لحلول لتسوية الأزمة الليبية، وذلك برعاية أردنية.

ووفقًا لما نقله عنه السفير الليبي في الأردن، محمد البرغثي، فقد أكد حرصه على وحدة الوطن والحفاظ على أمنه والتزامه بإجراء الانتخابات واحترامه للتداول السلمي للسلطة، واصفًا تصريحاته بـ«أمور بالغة الأهمية يجب البناء عليها»، عبر صفحته الرسمية.

وظل حفتر مناهضًا لحكومة السراج المنبثقة عن اتفاق الصخيرات الذي تم توقعيه بنهاية 2015 بالمغرب برعاية «الأمم المتحدة»، رافضًا الضغوط من حلفائه الإقليميين للاعتراف بها، أو الدخول معها في تفاهمات للعبور من هذه الأزمة، وقد شكّل تمسك حفتر بهذه السياسة في نظر البعض في خلق هوّة مع حلفائه الإقليميين مصر والإمارات، وتململ الدولتين منه، وهو ما ظهر في العديد من المواقف مثل التراجع عن السماح للجيش الليبي بأن يكون له مكتب بالقاهرة، يقدّم من خلاله المؤتمرات الصحافية اليومية حول التطورات الميدانية في ليبيا.

هل أصبح الأردن «ورقةً خاسرةً» لإسرائيل في الوساطات بالشرق الأوسط؟

كان المؤشر الأكثر دلالة على فشل القاهرة فى استكمال المفاوضات هو تمسك الجنرال بموقفه في رفضه لقاء السراج سنة 2017، بعدما جمعتهم القاهرة، وإبلاغه رئيس أركان حرب القوات المصرية آنذاك، الفريق محمود حجازي والمسؤولين المصريين الذين يتولون الوساطة لعقد اللقاء، رفضه مقابلة السراج، وهي المسألة التي ساهمت في ارتفاع التوتر بين الجانبين، وعرقلة المبادرة المصرية.

وأعقب ذلك محاولات مُتكررة للجمع بين الخصمين السياسين؛ لكنها لم تتكلّل بالنجاح، والتي كان أبرزها محاولة الإيطاليين، باعتبارهم الفاعل الأكثر نفوذًا في الداخل الليبي، والتي نجحت في جمعهما على هامش إحدى المؤتمرات الدولية حول الأزمة الليبية؛ لكن مصادر مُقربة من حفتر نفت عقد اجتماع منفصل بين الأخير والسراج، وأشارت إلى رفضه حضور حفل عشاء أقامه رئيس الوزراء الإيطالي جمع الأطراف الليبية والدولية المشاركة في المؤتمر، بينما كان الاستثناء الوحيد الذي نجح في جمع السراج وحفتر في اجتماع منفصل هي فرنسا في مايو (أيار) الماضي.

وبحسب معلومات خاصة من جانب مصادر رسمية أردنية لموقع «المونيتور»، فإن العمل على ملف المصالحة بين الأطراف الليبية، لم يكن وليد اللحظة «بل هو جهد ثلاث سنوات من العمل على هذا الملف، بالتنسيق مع فرنسا وإيطاليا، لحث الطرفين على نزع سلاح المليشيات وإطلاق مصالحة وطنية وتقاسم السلطة، وتوحيد المؤسسة العسكرية من خلال حكومة جديدة وانعاش الاقتصاد».

لماذا استمرّ الأردن في الملف الليبي وتراجع آخرون؟

تحقّق للأردن في وساطتها للأزمة الليبية تقدمًا ملموسًا بالنظر للمبادرات السابقة؛ لاعتبارات تتعلق بنقاط تفوّق أجادت استخدامها وتوظيفها، والتي كانت على رأسها سياسة الحياد بين الفرقاء السياسيين، خصوصًا حفتر والسراج؛ فقد أجادت عمان، منذ بداية النزاع سياسة عدم الانحياز، مُتخذة لنفسها موقعًا محايدًا تجاه أطراف الأزمة لتكتسب نفوذًا باعتبارها وسيطًا موثوقًا فيه من الجميع.

Embed from Getty Images

الملك عبدالله الثاني يستقبل فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي في عمّان

لم تكن هذه النقطة قد تحققت لمصر والإمارات، على الرغم من النفوذ الواسع الذي يتمتعان به في ليبيا؛ فقد تمسكت القاهرة بالرهان على بعض الأطراف الليبية، ليس من بينها «حكومة الوفاق الوطني» المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، والتي تحظى باعتراف دولي، دون ثقة البرلمان الليبي، وهو الأمر الذي كان سببًا رئيسيًّا في عدم فاعلية الدور المصري في الوساطة، وهو ما حاولت القاهرة تداركه لاحقًا، بفتح الباب أمام الحكومتين الليبيتين المتنازعتين، والتحضير للقاء مباشر بينهما، غير أن محاولاتها آلت إلى الفشل.

وكان الرهان المصري قائمًا لفترة طويلة، على الحسم العسكري من قبل قوات حفتر للنزاع في ليبيا، فضلًا عن تحول دورها في الوساطة إلى دور المُدافع دومًا عن التمسك بحفتر قائدًا للجيش، وهي المسألة التي تفوقت فيها الأردن، في عدم تبني مطلب أحد الخصوم.

المسألة الثانية التي تتعلّق بنقاط التفوّق تتمثّل في السريّة الشديدة التي اتبعتها الأردن في عدم الكشف عن زيارات المسؤولين الليبيين إليها، وعدم الإفصاح عن اللقاءات المنعقدة حول الأزمة الليبية، أو نتائجها، ونجاحها في قدرتها على الحيلولة دون تسريب أي نتائج اللقاءات المنعقدة على أراضيها.

أما النقطة الثالثة فهي تتمثل في نيل وساطتها دعمًا خارجيًا وقبولًا دوليًا، خصوصًا من الجانب الفرنسي، الذي لم يتّفق مع الجانب المصري في كثير من بنود المبادرة التي طرحها، وأدى ذلك إلى تباعد باريس والقاهرة في الكثير من الرؤى بشأن الأزمة الليبية، والحلول المقترحة من أجل تسويتها.

أما النقطة الأخيرة، فتتمثل في الدور الأردني في احتضان مستشفياتها (32 مستشفى) لآلاف المصابين والقتلى من ليبيا خلال اندلاع الاشتباكات، بعد توقيع الحكومة الليبية في 2011 على مذكرة تنصّ على علاج جرحى الحرب الليبية في المستشفيات الأردنية الخاصة والحكومية، غير أن الحكومة الليبية لم تسدّد كامل مستحقاتها، والتي تُقدر بنحو 300 مليون دولار.

مكاسب الأردن: حصّة من إعادة تعمير ليبيا وإحياء للدبلوماسية الأردنية

يسعى الأردن لتحقيق العديد من المكاسب من خلال فاعلية دوره في الأزمة الليبية، وعلى رأسها إعادة إحياء أدوار الدبلوماسية الأردنية في المنطقة العربيّة بعد سنوات من الغياب في العديد من الملفات التي كانت فيها عمّان لاعبًا أساسيًا، ووسيطًا موثوقًا فيه.

كما يحاول تحقيق مكاسب مالية من وراء تعاظم دوره في ليبيا، من خلال حجز نصيب في ملف إعادة إعمار ليبيا، والذي من شأنه أن يحقّق انتعاشة ماليّة للبلد الذي يعيش أزمات اقتصادية مستمرة، خصوصًا في ظل الحديث المتواتر من جانب مسؤولين ليبيين حول أهمية وجود دور أردني في ملف إعادة الإعمار.

سباق من أجل النفط.. القصة الكاملة لتحول ليبيا إلى ساحة صراع بين إيطاليا وفرنسا

حسب عامر السبايلة، مدير «مركز الشرق الأوسط للدراسات الإعلامية والسياسية» في عمّان، فإن الأردن «يبحث عن حصّة في إعادة إعمار ليبيا من وراء سعيه لعقد مصالحة بين الأطراف المتصارعة». ويقول لـ«المونيتور» أن التحركات الأردنية «ليست جديدة بعد أن أصبح لدى المملكة رصيد لدى حفتر في الفترة الأخيرة، لكن المشكلة التي قد تواجه الأردن هي تداخل عدة أطراف دولية في الشأن الليبي».

وكرر رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، من أن زياراته الدائمة إلى عمّان، بغرض التنسيق الدائم مع الجانب الأردني على مناقشة ملف إعادة إعمار ليبيا، وهي القضية التي يستعد الأردن لتقديم كل أشكال الدعم والإسناد للمساهمة فيها، وتطويع الخبرات عبر مساعدة الليبيين في شتى المجالات والقطاعات.

وحسب عضو مجلس النواب الليبي ورئيس «مجلس إدارة الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة» محمد الرعيض، فإن ليبيا تعوّل كثيرًا على الأردن في إعادة الإعمار لما تتمتّع به من سُمعة طيبة على صعيد الصناعة وشركات المقاولات والإنشاءات. وتُخطّط الشركات الأردنية لتنفيذ المشاريع المتعلقة ببناء الإسكانات والمستشفيات والبنى التحتية في ليبيا، خصوصًا بعدما تلقى مستثمرون أردنيون دعوات لزيارة ليبيا، والاطلاع على طبيعة المشاريع، وهو الأمر الذي وجد قبولًا واسعًا من نظرائهم الأردنيين. وتزيد التكلفة الاستثمارية المتوقعة لإعادة إعمار ليبيا عن 150 مليار دولار، ما يُعزز من حجم الفرص الاستثمارية للشركات الأردنية، خصوصًا مع الزيارات المُتكررة لممثلي هذه الشركات إلى ليبيا، ولقائهم بممثلي الحكومة الليبية، وتباحثهم هذه القضية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد