أعلنت الإمارات انسحاب قواتها من اليمن في فبراير (شباط) 2020، وذلك بعد قرابة خمس سنوات من مشاركتها ضمن قوات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، حيث كانت تعتبر القوة الثانية بعد السعودية في هذا التحالف الذي ضم البحرين والكويت ومصر والأردن والمغرب والسودان وأيضًا قطر التي انسحبت في أعقاب الحصار الخليجي.

تبنى التحالف العربي مهمة إعادة شرعية الحكم في اليمن، وتحت بند عريض هو هزيمة الحوثيين وحلفائهم من قوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وبعد ذلك شكلت الإمارات قوات تابعة لها يقدر عددها بـ200 ألف مقاتل لا يتبعون لقوات الحكومة الشرعية وتتخذ لنفسها قيادة منفصلة تمامًا، وقامت أيضًا بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي وعملت على تسليح وتدريب وتأهيل قوات هذا المجلس ليكون ذراعها اليمنى لتنفيذ مخططاتها في اليمن.

يرى مراقبون الانسحاب الإماراتي من اليمن بأنه شكلي وأنها لم تنحسب فعليًّا، حيث أخرجت رأسها وأبقت على الذنب، فقد تركت من يخلفها وينفذ سياستها، بحيث تعيد رأسها على الفور متى دعت الحاجة لذلك، ولكن ما هي الدوافع الحقيقية والخفية لإعلان هذا الانسحاب وهل وراء الأكمة ما وراءها؟

4 أهداف حركت حسابات الإمارات في اليمن

منذ تأسيس الإمارات عام 1971 دخلت في نزاعات مسلحة في أضيق الحدود، وكانت تتسم دائمًا بالسلم وعدم التدخل في الصراعات الخارجية، ولكنها بعد وفاة الشيخ زايد بن سلطان بن زايد عام 2004، وتسلم نجله الشيخ خليفة وولي العهد محمد سدة الحكم، بدأت السياسة العامة تتغير في البلاد.

Embed from Getty Images

كان ذلك أكثر وضوحًا مع بداية الربيع العربي من تونس ومن ثم انتقاله الى مصر واليمن وليبيا وسوريا والبحرين، وصعود الإسلاميين في مصر وفوز محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية، وبروز قوتهم في اليمن المتمثل بحزب التجمع اليمني للإصلاح، وأيضًا في ليبيا بعد تمكنهم من إحراز تقدم سياسي كبير في البرلمان، وبعد ذلك في سوريا ودخول تشكيلات إسلامية مسلحة في قتال مسلح ضد النظام السوري، ويبدو أن الإمارات تخوفت من وصول الربيع إليها فسارعت لتشكيل الثورات المضادة في بلدان الربيع العربي.

نجحت الإمارات والسعودية في تحويل الربيع العربي الى خريف في بعض البلدان بدعم الانقلابات العسكرية، وفي سوريا بإعادة العلاقات مع النظام السوري ووقف دعم المعارضة، وفي ليبيا من خلال دعم قوات حفتر، وأما في اليمن فقد كانت تهدف لإبعاد خطر الإخوان المسلمين «من منظورها» ونجحت في ذلك، ولكنها في ذات الوقت سمحت لعدو آخر وهم الحوثيين المدعومين من إيران بالسيطرة على البلاد والانقلاب على ما يطلق عليه «الحكومة الشرعية»، إذ كان سقوط صنعاء وما حولها بيد الحوثيين على ما يبدو بتساهل من قبل الإمارات والسعودية للقضاء على نفوذ حزب الإصلاح الإسلامي.

عربي

منذ 9 شهور
السعودية أم الحوثيون.. من يعرقل السلام في اليمن؟

سيطرة الحوثيين ومعهم الجيش الموالي للرئيس السابق علي عبدالله صالح على اليمن وطردهم لحزب الإصلاح من صنعاء وعدد من المدن اليمنية، شكل هزة ودق جرس الإنذار، إذ أصبحت صنعاء بشكل عملي تحت النفوذ الإيراني، وهنا تم تشكيل التحالف العربي لدعم الشرعية، ودخلت الإمارات بطائراتها وقواتها إلى جانب السعودية لتكون بذلك القوة الثانية في التحالف، ولكنها دخلت بحسابات قد تكون مختلفة عن الآخرين.

في الحقيقة لم يكن التدخل الإماراتي في اليمن، بدافع إعادة الشرعية ولا إعادة السلام لليمن، ولا حتى محاربة النفوذ الإيراني، بل كان جل اهتمامها محصورًا في أربعة موضوعات فقط.

أولًا: عدن لما لها من أهمية استراتيجية جغرافيا متمثلة بمضيق باب المندب في البحر الأحمر، وثانيا الموانئ اليمنية ذات الأهمية الاستراتيجية وتخوف أبو ظبي على ريادة موانئها المهمة عالميًا، وثالثا الجزر والسواحل اليمنية وأهمها جزيرة سقطرى التي تملك موقعًا استراتيجيًّا في بحر العرب وجزيرة ميون الواقعة في مضيق باب المندب، وأخيرًا محاربة الإسلام السياسي المتمثل بحزب الإصلاح، والذي كان يعتبر قبل بداية «عاصفة الحزم» قوة لا يستهان بها.

وللحصول على ما تصبوا إليه، لم تُدخل الإمارات في حساباتها دعم قوات الحكومة الشرعية، بل قامت بزيادة الشرخ وتشكيل ميليشيات عسكرية تابعة لها واشترت بمالها الولاءات والألوية العسكرية، وشكلت قوة عسكرية تعتبر القوة الثانية بعد الحوثيين، إذ تأتي قوات الشرعية ثالثًا خاصة من ناحية التنظيم والإدارة، وبهذا تمكنت الإمارات من بسط نفوذها عبر ذراعها المسلح المعروف باسم «المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي تمكن من السيطرة على عدة مدن ومساحات كبيرة من اليمن الجنوبي.

وبعد ذلك أتت أبوظبي لتعلن انسحابها من اليمن، هذا الانسحاب رآه الإعلامي والباحث اليمني ورئيس تحرير موقع «الموقع بوست» الإخباري المستقل عامر الدميني في حديثه لـ«ساسة بوست» أن «الإمارات تكون بهذا الشكل قد انتقلت من مستوى إلى آخر، فهي نأت بنفسها شكليًّا من الحرب في اليمن، وأوكلت للأدوات التي صنعتها الاستمرار في لعب نفس الدور، تحت توجيهها وإدارتها وإشرافها وتمويلها، ولا تزال أبوظبي تستضيف قيادات المليشيا المدنية والعسكرية التي صنعتها في اليمن، ولا تزال قيادات عسكرية إماراتية متواجدة داخل مدينة عدن وفي مطار المكلا بحضرموت، وفي منشأة بلحاف الغازية بشبوة».

Embed from Getty Images

وأكد الدميني أن الإمارات «لم تسلم أي موقع عسكري أو منشأة مدنية من تلك التي سيطرت عليها للحكومة اليمنية الشرعية التي جاءت الإمارات أصلًا لمساندتها، بل إن الإمارات بعد إعلان انسحابها من اليمن توغلت أكثر، وتمكنت من دعم المتمردين في سقطرى اليمنية وإسقاط الحكومة الشرعية وطردها من الجزيرة، وفصلها عن الدولة اليمنية بشكل نهائي».

التدخل الإماراتي والسيطرة على جنوب اليمن وموانئه وجزره أتى بثمن كبير جدًا، ثمن دفعه ويدفعه اليمنيون من دمائهم وما زالوا، وللتغطية على هذا أعلنت الإمارات عن انسحابها بعد أن قتلت ودمرت وشردت الآلاف من أبناء اليمن، فهل نجحت الإمارات حقًا في إبعاد الاتهامات بارتكابها جرائم حرب وتلبيسها للسعودية فقط؟

انتهاكات الإمارات في اليمن

منذ اليوم الأول لدخول قوات التحالف العربي في حربها تحت عنوان إعادة الشرعية، سالت دماء كثيرة من أبناء اليمن، بفعل الغارات الجوية والقذائف المدفعية والصاروخية ودمرت بسببها آلاف المنازل والمشافي والمدارس، وشرد ونزح مئات الآلاف من اليمنيين، وبات الجوع والمرض والفقر ضيفًا دائمًا في بيوت اليمنيين، وارتكبت بحق اليمنيين مجازر مروعة راح ضحيتها المئات بينهم أطفال ونساء.

Embed from Getty Images

استغلت الإمارات قيادة السعودية للتحالف العربي، وتركتها مشغولة بحماية حدودها الجنوبية وانشغلت هي بتثبيت نفوذها في الجنوب اليمني، وشردت أبناء جزيرة ميون وطردتهم من أرضهم لبناء قواعد عسكرية لها، وكذلك فعلت في مناطق أخرى، وشيدت عددًا من السجون السرية لتعذيب المعارضين وإسكات أصواتهم المعارضة لسياساتها في المنطقة، وارتكبت ميليشياتها العسكرية المدعومة من قبلها انتهاكات موثقة بحق اليمنيين الذين حاولوا انتقاد التواجد الإماراتي عبر الاغتيالات والإخفاء القسري والنفي والتهديد.

وبحسب ما أذاعه برنامج «المُتحرّي» الذي عرض على قناة الجزيرة بعنوان «الطريق إلى الساحل» فقد شرح سياسات الإمارات التوسعية في اليمن، وكيف استخدمت المساعدات الإنسانية المقدمة من الهلال الأحمر الإماراتي غطاءً استخباراتيًّا تقوم من خلاله باعتقال الرافضين لتواجدها وزجهم في سجون سرية، إذ استخدمت أبو ظبي منظمة من المفترض أن تكون إنسانية لأعمال عسكرية، بحسب ما يكشفه التحقيق.

Embed from Getty Images

وأشار البرنامج لوجود بعض هذه السجون في جزيرة ميون وجزيرة زقر في البحر الأحمر، كما كشف عن وجود وحدة خاصة للإشراف عليها، تحت إشراف العميد عمار محمد صالح وأخوه طارق ابني أخ الرئيس اليمني السابق «علي عبدالله صالح».

وتحدث عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين وأيضًا إعلاميين في البرنامج، وأكدوا أن نية الإمارات من الدخول في حرب اليمن هي لاحتلال الساحل الغربي بدءًا من سقطرى مرورًا بالجزر في البحر الأحمر، حيث عملت على بناء معسكرات وسجون في هذه الجزر، وتعمل على تحويل هذه المنطقة لتكون بعيدة عن سلطة الحكومة الشرعية، بحسب ما أظهره التحقيق.

وهنا أتى دور طارق محمد صالح ابن أخي الرئيس السابق علي عبدالله صالح والذي تستخدمه الإمارات مع أخيه لتنفيذ الكثير من المهمات في اليمن، إذ أشار التقرير إلى أن المنطقة في الساحل الغربي تأتمر بأمر طارق شخصيًا، ونوه التقرير لمعلومة مهمة وهي أن التحالف العربي لم يقم بسلخ الجنوب عن اليمن فحسب، بل أيضًا يعمل على تفتيت الساحل الغربي.

وأشار ضابط في قوات «الشرعية» في برنامج «المُتحرّي» إلى إجباره هو والجنود معه على تسليم مناطق سيطروا عليها لقوات طارق، الذي قام لاحقًا بتسليمها لميليشيات الحوثي، والهدف من خطوة كهذه هو الاستنزاف البشري للقوات الموجودة في الجبهات، وأكد الضابط أيضًا أن تسليح قوات طارق يختلف تمامًا عن تسليح باقي جيش الشرعية، وكذلك من ناحية الرواتب والحوافز.

بالإضافة لقيام الإمارات بتحويل ميناء المخا الاستراتيجي إلى قاعدة عسكرية لنقل الأسلحة والعتاد، حيث تَتَبع التحقيق بيانات لعدد من السفن التي من المفترض أن تكون تجارية إلا أنها في الواقع كانت تنقل أسلحة ومعدات عسكرية، وهذه أيضًا تعتبر مخالفة للقوانين الدولية.

ووثّقت «هيومن رايتس ووتش» حالات 49 شخصًا، من بينهم 4 أطفال، تعرضوا للاحتجاز التعسفي أو الإخفاء القسري في محافظتي عدن وحضرموت العام الماضي، فيما يبدو أن من قام باحتجازهم هي قوات أمنية مدعومة من الإمارات، بحسب المؤسسة.

وفي سبيل حماية مصالحها شنت الإمارات غارات جوية استهدفت قوة تابعة للجيش اليمني كانت متوجهة لإنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًّا داخل مدينة عدن، والذي دعا للانفصال عن اليمن، حيث تسببت هذه الغارات بمقتل وجرح ما لا يقل عن 300 عسكري ومدني، وهذه كانت إحدى أفعال الإمارات التي لم تستطع السعودية قائدة التحالف محاسبتها عليه.

في عام 2017، أنشأ مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة فريقًا للتحقيق في الانتهاكات الحاصلة في اليمن لتحديد الجُناة، وقد جدّد المجلس عمل هذا الفريق عامي 2018 و2019، بالرغم من معارضة التحالف العربي، وقد خلص التقرير الثالث لهذا الفريق إلى أنه على المجتمع الدولي القيام بالمزيد للمساعدة في ردم «فجوة المساءلة الحادة» السائدة في اليمن، وقدموا توصيات لمجلس الأمن لإحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع قائمة الأشخاص الخاضعين لعقوبات مجلس الأمن وإنشاء هيئة تحقيق على غرار الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا.

هذا التوجه في الأمم المتحدة رأت فيه الإمارات تهديدًا لمكانتها العالمية التي قد تؤثر ربما في مستقبلها بوصفها وجهة سياحية مهمة وأيضًا موقعها المالي والتجاري والصورة التي تسوقها لنفسها باعتبارها واحة السلام والتعايش في العالم العربي، وعليه كان لا بد لها من اتخاذ خطوات سريعة لضمان مصالحها في اليمن، وإبعاد شبح الملاحقة القانونية لها ولمسؤوليها كما حدث مثلًا في حرب البوسنة، أو ملاحقة مسؤولي النظام السوري الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

السعودية الملامة.. كيف غسلت أبوظبي يديها من الدماء؟

تعاملت أوروبا مع التحالف العربي بازدواجية، وكأن السعودية فقط هي المسؤولة عن الانتهاكات المرتبكة في اليمن، تماما كما تريد الإمارات للصورة أن تكون، حيث قامت ألمانيا بحظر تصدير الأسلحة للسعودية بينما استمرت ببيعها للإمارات، وعلقت بريطانيا بيع الأسلحة للسعودية لعدة أشهر بينما لم تعلقها للإمارات، وكذلك تعامل عدد من المنظمات والهيئات وحملوا السعودية كامل المسؤولية عن الجرائم.

كما أن الدور الأمريكي في اليمن الصامت على ما يجري من انتهاكات، قد أدى لتعزيز ثقة الإمارات وأيضًا السعودية ومواصلتهما على ذات النهج، وكان ذلك واضحًا من خلال التصريحات الأمريكية التي أشادت بدور أبوظبي في محاربة ما أسمته بـ«الإرهاب» في اليمن، ولكن «هيومن رايتس ووتش» اعتبرت أن الإمارات تمول وتحارب تنظيم القاعدة في الظاهر، ولكن في الخفاء فإنها تدير مركزيّ احتجاز غير رسميين على الأقل في اليمن وتخفي أشخاصًا قسرًا لأنهم يعارضونها.

وجاء تصريح توكل كرمان «المعارضة اليمنية والحاصلة على جائزة نوبل للسلام» في ذات السياق، حيث قالت «تتحمل السعودية المسؤولية القانونية عن كل جرائم التحالف، سواء ارتكبتها هي أو ارتكبتها إحدى الدول الأعضاء، والقول إن الإمارات هي المذنبة فيه غسل لجرائم السعودية».

وأضافت كرمان في تصريحها لوكالة الأناضول «حملوا السعودية المسؤولية واستعدوا لجعلها تدفع الثمن.. هذا وحده من سيوقفها، ومن سيحمي بلادنا ووطننا من أجندتها الشريرة»، فهل يفهم من هذا التصريح تبرئة للدور الإماراتي؟

تواصلنا في «ساسة بوست» مع توكل كرمان للوقوف على الأسباب التي دعتها لتحميل السعودية فقط المسؤولية عن الانتهاكات في اليمن وقالت «لا أعتقد أن تحميل السعودية مسؤولية ما يحدث لليمنيين من انتهاكات وجرائم حرب ينطوي على تبرئة للدور الإماراتي، ولكن يجب أن نكون محددين وواضحين».

Embed from Getty Images

وتابعت كرمان «المعروف أن الرئيس عبد ربه منصور هادي طلب تدخل السعودية وليس الإمارات، ومن جلب الإمارات هي السعودية، وبالتالي فكل ما تقوم به الإمارات يجب أن يكون بموافقة وتفاهم مع الجانب السعودي، والمسؤولون السعوديون والإماراتيون يؤكدون باستمرار على التنسيق الكامل وتطابق المواقف تجاه الأوضاع في اليمن».

وعن الدور الإماراتي في اليمن قالت كرمان: «يبدو لي أن الإمارات هي من تتولى تنفيذ المهام القذرة في اليمن التي ربما تجد السعودية حرجًا في القيام بها، وبالتالي، يجب التركيز على تحميل السعودية مسؤولية الانتهاكات بحق اليمنيين بوصفها قائدة التحالف».

وأشارت كرمان الى استهداف الطيران الحربي الإماراتي للجيش اليمني التابع للحكومة الشرعية على أبواب مدينة عدن وقالت «لم تدن السعودية ذلك، وكلنا يعلم أن غرفة عمليات قوات التحالف موجودة في السعودية ويستحيل أن تقلع طائرة فوق الأجواء اليمنية دون أخذ الإذن منها».

وتستخدم وسائل الإعلام المختلفة صيغة «التحالف العربي بقيادة السعودية»، في إشارة أن كل القرارات الصادرة عن التحالف والأعمال التي يقوم بها تكون بموافقة من السعودية نفسها، وهو ما أعطى صورة ربما ضبابية للدور الإماراتي في التحالف، فهل كان دورها متسقًا مع سياسية التحالف أم أنها تعمل بسياسة مختلفة عنه؟

في الحقيقة ما تقوم به أبوظبي إن كان بموافقة الرياض من عدمه، فإنها قد لعبت دورًا مضادًا في أكثر من حين للتحالف العربي نفسه. وفي سياق آخر رأى الكاتب والمحلل السياسي اليمني نبيل البكيري في تصريح لوكالة الأناضول «انسحاب الإمارات من اليمن ما هو إلا مناورة للهروب من المسؤولية أمام المجتمع الدولي، بسبب الملفات الثقيلة والانتهاكات الجسيمة على مستوى المعتقلين والاغتيالات».

الصحافية اليمنية صفية مهدي قالت في حديثها لـ«ساسة بوست» إن «مسألة الجرائم والانتهاكات في اليمن، تخضع للمزايدة والحسابات الإعلامية والسياسية بالدرجة الأولى للأسف الشديد، وفي العادة تكون التقارير جزءًا من ضغوط تمارس على طرف أو آخر، وبما أن الإمارات أعلنت عن تقليص تواجدها في اليمن، فمن الطبيعي أن يتراجع التركيز بشأنها، وتبقى هذه القضية غاية في التعقيد».

بينما قال الإعلامي والباحث اليمني عامر الدميني في حديثه لـ«ساسة بوست» إن «الإمارات ارتكبت العديد من الانتهاكات والجرائم بحق اليمنيين أفراد ودولة وجماعات، وكل ذلك حصل بوصفها الدولة الثانية بالتحالف العربي، وكانت الأكثر فعالية في التحرك الميداني والعسكري خاصة بالمناطق التي توصف بالمحررة من جماعة الحوثي، كمدن الجزء الجنوبي من اليمن، أو تلك التي لم تصل لها جماعة الحوثي كمأرب وتعز».

وأضاف أنه «ومع كل جريمة أو انتهاك مارسته الإمارات في اليمن، كانت تحرص على صبغه بالصبغة العامة للتحالف، باعتباره جزءًا من عمل التحالف وليس أمرا يخصها وحدها فقط، وذلك في مختلف الجرائم التي ارتكبتها كقصف الجيش الوطني في مدخل عدن وبقية الانتهاكات مورست جميعها من قبل الإمارات باعتبارها صادرة عن التحالف، وضمن أهدافه، وليست عملًا أحاديًّا يخص الإمارات لوحدها».

ورأى الدميني أن السعودية زادت من ورطتها عبر إنقاذ الإمارات عند كل انتهاك تقوم به حيث «وقفت عائقًا أمام التصعيد ضدها، وعملت الرياض على تحجيم ومعاقبة وإبعاد وإقصاء كل صوت وطني يمني يرتفع في وجه الإمارات، ولجم أي تحرك فعلي للحكومة الشرعية تجاه انتهاكات أبوظبي، وهذا الوضع جعل الإمارات تتمادى أكثر في ارتكاب الجرائم، ووفر لها غطاء للمضي في أجندتها، وهي واثقة من عدم وجود من يمكن أن يرفع صوته في وجهها، ولولا الدور السعودي المتهاون والمتغاضي ما تمكنت الإمارات من ممارسة كل أفعالها وجرائمها، ولذلك إن كان هناك من يتحمل المسؤولية فهي الرياض وحدها».

وأكد الدميني بأن كل «أفعال الإمارات في اليمن تورط السعودية، وتجذبها معها نحو المساءلة، ولا يمكن اليوم اتهام الإمارات فقط بكل تلك الجرائم، ما لم يتوجه الاتهام أيضًا إلى السعودية باعتبارها المسؤول الأول عن كل ما يجري».

وأعلنت الإمارات لأول مرة انسحاب قواتها من اليمن في يوليو (تموز) 2019، حيث قالت إنه سيكون بشكل تدريجي، وأنها انسحبت بعد «إنجازها مهامها العسكرية المتمثلة بتحرير عدن وتأمينها وتسليمها للقوات السعودية واليمنية»، وأعلنت مرة أخرى انسحاب قواتها بشكل كامل من اليمن في فبراير (شباط) 2020، ويرى مراقبون أنها لم تنحسب بشكل فعلي، بل ما يزال لها وجود فعلي في اليمن من خلال وجود مستشارين عسكريين وضباط يعملون على تدريب المليشيات التابعة لها.

هل هربت الإمارات من العقاب؟

على الرغم من إعلان الإمارات انسحابها «الشكلي» من اليمن، إلا أنها ما تزال عمليًا ضمن قوات التحالف العربي، وتقوم على تمويل ميلشيات المجلس الانتقالي التي نفذت انتهاكات عديدة في جنوب اليمن، وما قامت به الإمارات لن يساعدها في الهروب من العقاب حسبما تعتقد صفية مهدي إذ قالت «الجرائم والانتهاكات في اليمن لن تسقط وكل طرف سيقف أمام ما ارتكبه».

أما توكل كرمان فأكدت في حديثها لـ«ساسة بوست» أن «هناك رصدًا دائمًا للانتهاكات تقوم بها بعض منظمات حقوق الإنسان سواء كانت محلية أو دولية، وبات يتوافر لدى اليمنيين ما يكفي من الأدلة والبراهين على الجرائم السعودية الإماراتية، وحتى الإيرانية، وما نحتاج إليه هو إيجاد آلية قانونية لمحاسبة المنتهكين سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي».

وأشارت كرمان أنها «تحدثت أكثر من مرة، عن ضرورة أن يكون هناك محكمة دولية خاصة باليمن على غرار المحكمة الدولية بيوغسلافيا أو رواندا، واعتقد أنه مع تكشف الحقائق سيكون هناك أصوات كثيرة في العالم تدعو لذلك، إذ يجب محاكمة مجرمي الحرب الذين صنعوا هذه الكارثة، وقد يجد البعض أن هذا الأمر صعب أن يتحقق نظرًا للتوازنات الدولية، لكن دورنا أن نواصل النضال من أجل تحقيق العدالة ومعاقبة المجرمين».

في حين أكد الدميني أن «السجل الكبير والمؤلم لجرائم الإمارات في اليمن لن يمضي دون عقاب أو مساءلة، وهناك تحركات فعلية لملاحقة الإمارات ومسؤوليها جراء الجرائم التي ارتكبوها في اليمن، من قبل ذوي الضحايا، وقد قدمت دعوة من هذا القبيل في بريطانيا، وستلحقها دعوات كثيرة عندما تهدأ الحرب الملتهبة الجارية، فما ارتكبته الإمارات لن ينساه اليمنيون بسهولة، وهي جرائم طالت الجميع، من أحزاب وأفراد وجماعات، وستظل تداعياتها لعدة عقود تؤثر في اليمنيين وتطارد الإمارات ومسؤوليها».

وأضاف «صحيح أن الإمارات سعت للنأي بنفسها وجعل الصراع يبدو بين أطراف يمنية، وأوكلت لميليشياتها تنفيذ الكثير من أجندتها، لكن ذلك لا يعفيها أبدًا من المسؤولية، فالجميع يدرك أن تلك المليشيا والقائمين عليها من المدنيين والعسكريين هي من صنيعتها وتمويلها ورعايتها، ولاتزال حتى اليوم تقدم لهم المال والسلاح، ولا يمكن لأي تسوية سياسية أن تمحو وتغسل جرائم الإمارات، وإن حصل نوع من التواطؤ من قبل الحكومة اليمنية القائمة، فالأجيال اليمنية قادرة على الانتصار لبلدها وحقوقها واسترداد كرامتها المنتهكة من قبل الإمارات أو السعودية أو الاثنين معًا».

Embed from Getty Images

وفي ذات السياق فقد طالبت شركة «ستوك أند وايت» الدولية للمحاماة، بمنح ولاية قضائية دولية للولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا، لتوقيف مسؤولين إماراتيين متهمين بارتكاب جرائم حرب في اليمن، وأكدت المنظمة أنها تمتلك أدلة على الجرائم المرتكبة، بينها ممارسة التعذيب والقتل خارج نطاق القانون، وطالبت المنظمة باعتقال المسؤولين الإماراتيين المتهمين بارتكاب تلك الجرائم في اليمن.

كما فتحت فرنسا تحقيقًا قضائيًّا بحق ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، وكلفت قاضيًّا للتحقيق في قضية «تواطؤ في أعمال تعذيب» في حرب اليمن. هل نجحت الإمارات في التهرب من استحقاقات المحاسبة عن الانتهاكات التي نفذتها، وهل نجحت بتحميل السعودية كل الجرائم وزادت من ورطتها، وهل نجحت بصبغ الصراع في اليمن على أنه (يمني-يمني) ولا علاقة لها به؟

عربي

منذ سنة واحدة
«لا أحد يعرف عدوَّه!».. دليل «ساسة بوست» لفهم تعقيدات المشهد اليمني

ربما تكون قد نجحت في كل ذلك، ولكنها لن تنجح في جعل الشعب اليمني ينسى أوجاعه ومآسيه، وربما سيعمل قطاع من الجيل الحالي والقادم والذي يليه على محاسبة المسؤولين من جميع الأطراف عن كل قطرة دم سقطت بغير حق على تراب اليمن، إذا جاء يوم وتمكن فيه الشعب اليمني من ذلك.

المصادر

تحميل المزيد