خلال عملية مسح أجرتها مُنظّمة «كيك إيت أوت» البريطانية المُختصة في مُكافحة التمييز العنصري بالتعاون مع تطبيق «فورزا فوتبول» شمل 38 دولة، قال أكثر من نصف المُشاركين البالغ عددهم 27 ألفًا، إنهم يستمعون بصفة دائمة خلال حضورهم مُباريات كُرة القدم في بلدانهم إلى شعارات وإساءات عُنصرية.

وأكّدت عملية المسح أن أكثر من ثلثي العينة المُستجوبة لا تعرف كيف تُبلغ عن هذه التجاوزات التي لم تعُد تخلو منها مبارايات كُرة القدم، رغم كل المجهودات التي تبذلها «الفيفا» والاتحادات المحلية لمُحاصرتها والحد من انتشارها والتطبيع معها كأمر واقع.

هذا في الوقت الذي تتزايد فيه المطالب، بتشديد العقوبات على الأندية والاتحادات التي تقوم جماهيرها بترديد شعارات عنصرية؛ سواء بدسها في مُحتوى أهازيجها التي تُردّدها في الملاعب، أو من خلال اللافتات التي يرفعونها على المدرجات، وحتى عبر تغريدات صفحاتها ومجموعات الجماهير على شبكات التواصل الاجتماعي، وتتوارث أجيال الجماهير هذا السلوك بقدر توارثها الانتماء لفرقها.

ولم تكن تونس، رغم صغر مساحتها وطابعها المنفتح بحكم موقعها الجغرافي وتعاقب الحضارات المُختلفة عليها وانسجام شعبها، لتشذ عما ابتلي به غيرها من الدول والأمم، يكفي أن تدرس بإمعان كلمات الأهازيج التي ترفعها جماهير كرة القدم ضد بعضها البعض لتكتشف أن الجهويات (والمقصود بها هنا العنصرية بين الجهات والمُحافظات)، هي إحدى السمات البارزة للرياضة التونسية عمومًا، وكرة القدم بالأخص.

رياضة

منذ شهر
«هدفي ليس صحيحًا سيدي الحكم».. 7 مواقف أخلاقية أظهرت الوجه الجميل لكرة القدم
2238
أحمد محمد

العنف اللفظي والشعارات العنصرية بين جماهير الفرق التونسية

لا يقتصر سلوك الجماهير الرياضية في توجهه على الفرق الأجنبية، بل إن الأمر أشدّ متى كان الرهان محليًا بين السواحلية (أحباء النجم الساحلي) والمكشخين (جماهير الترجي التونسي) والصفاقسية (جماهير النادي  الصفاقسي) وأحباء النادي الأفريقي، وغيرها من جماهير أندية الرابطة المحترفة لكرة القدم، والتي بينها علاقة مشاكسات تاريخية تتجدّد كل عام.

Embed from Getty Images

عنف خلال لقاء جمع النادي الساحلي بالترجي الرياضي التونسي

وأحيانًا كثيرة تتحوّل المشاكسات التي تحمل في طياتها نعرات جهوية إلى عنف لفظي ومادي، سواء في المدرجات، أو على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحوّل الشتم والسخرية بين الفرق إلى شتم يعم جهات بأكملها، يعم حتى أولئك الذين قد لا يفرقون بين التماس والركنية وحكم الخط والحكم الرئيس.

لا نرحب بفضلة (بقايا) الاستعمار…في بلاد الأحرار

بمثل هذا الشعار استقبلت جماهير اتحاد تطاوين (أقصى الجنوب) فريق مدينة بنزرت أقصى الشمال. شعار كتب على لافتة كبيرة رفعتها الجماهير بهدف الإساءة للضيوف على اعتبار أن مدينة بنزرت كانت آخر نقطة غادرها الاستعمار الفرنسي، يوم 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1963، أي بعد سبع سنوات من استقلال تونس.

اللافتة التي تحمل شعارًا عنصريًا خلال لقاء النادي البنزرتي واتحاد تطاوين

لم يكن الاستعمار الفرنسي ليعتقد أن تمسكه بمدينة بنزرت بعد إعلان الاستقلال لأهميتها العسكرية والاستراتيجية، خاصة مع تواصل استعمارها للجزائر، سيكون منبعًا لشعار عنصري تتباهى به جماهير هذا الفريق بأنها تتبع جنس الأحرار، فيما ترمي غيرها بأنها من أذناب الاستعمار، وكل هذا بسبب مباراة كرة قدم.

هذه الحادثة بين جماهير الفريقين ليست الأولى بين مختلف الجماهير التونسية، ولم يقع التطرق إليها بهدف الحصر، وإنما على سبيل المثال لا غير. ورغم حالة الاستهجان الكبيرة التي رافقتها والتي دفعت اتحاد كرة القدم التونسي لمعاقبة النادي بموسم كامل بدون حضور جمهور (تقلصت لاحقًا إلى ثلاث مباريات)، واعتذار إدارة النادي اعتذارًا رسميًا للفريق الضيف، وحل هيئة الأحباء، ظل العنف اللفظي والشعارات العنصرية ملحًا لا تخل منه أية مباراة رياضية.

في تحليله لهذه الظاهرة، يقول الباحث التونسي في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، الأمين البوعزيزي: إن «ظاهرة العنصرية، ومع الإقرار بوجودها، إلا أنها تظل غير متفشية بالأشكال المتعارف عنها في البلدان التي شهدت انقسامات أو حروب على أسس طائفية أو عرقية أو دينية، والتي قد تؤدي إلى مذابح أو إقصاء أو كراهيات منفلتة، وفق تعبيره».

ويضيف الباحث التونسي، في تصريح أدلى به لقناة «دويتشه فيله» الألمانية، أن «أجواء المباريات الرياضية كثيرًا ما تؤجج وتفجر طاقة هوية، تعبر عن حب جارف للوطن أو الجمعية الرياضية التي لا تُستثار إلا أثناء عدوان حقيقي أو وهمي».

ويرى البوعزيزي أن أجواء المباريات الرياضية شبيهة بـ«المعركة الحقيقية» التي يتوقف فيها العقل ليفسح المجال للغرائز؛ حيث تستحضر اللغة ترسبات ثقافية واجتماعية تشكلت على مر السنين بين المناطق والجهات، تعكس صورة الآخر وتحوله إلى «عدو مستباح»، أي أن عنصرية ملاعب كرة القدم هي انعكاس لعنصرية كامنة أعمق بين المناطق والجهات تحوّلت شيئًا فشيئًا إلى مُكوّن ثقافي يجد في المدرجات فرصة للتعبير عن ذاته.

سياسة

منذ سنتين
جيروم بواتينج: عندما تصدت كرة القدم لـ«عنصرية» اليمين الألماني
1208
أحمد محمد

هويات ما قبل الدولة

صحيح أن تونس معصومة نسبيًا عن الانقسام الجغرافي، وهي أيضًا بمنأى عن الهويات الإثنية المفترسة، ولكنها في المقابل عرضة لمقولات الجهويات المقيتة والمناطقية التعيسة، وهي مقولات سرعان ما تظهر بفشل الدولة تارة، وبانحسار أدوار الحكم المركزي نحو الفيدرالية الناعمة تارة أخرى

هكذا علّق الكاتب التونسي أمين بن مسعود على حادثتي إصدار المجلس البلديّ في محافظة المنستير ببيان يدافع فيه عن مدرب المنتخب التونسي المعزول فوزي البنزرتي، ويندد بطريقة عزله من الجامعة التونسية لكرة القدم، وإصدار فريق الترجي الرياضي بجرجيس – منطقة في الجنوب الشرقي لتونس – بيان سياسي يرفض فيه التتبعات القضائية ضمن مسار العدالة الانتقالية ضد وزير الداخلية الأسبق أحمد فريعة، بيانان كان نقطة الالتقاء بينهما التعصب الجهوي، لاغير.

وإذا ما عدنا إلى ما قبل عهد الدولة الحديثة في تونس، نجد أن للجهويات جذورًا تعود إلى أواسط الفترة الحفصية، حيث تميزت أغلب القبائل (والتي يُطلق عليها في تونس العروش) بميلها إلى الاستقرار الجغرافي، وهو ما تعزز لاحقًا مع المراديين والحسينيين، وأصبح التوطن هو السمة الغالبة على المجال الداخلي في تونس، نقيضًا للبداوة الراحلة.

ساهمت ظاهرة التوطن في تطوير ارتباط المجموعات القبلية بالأرض وبالمركز السياسي الماسك للسلطة، ورغم الإقرار بوجود أزمنة ارتحال موسمية، إلا أن وطن القبيلة أو مُستقر «العرش» حافظ على مركزيته بحكم رمزيته الاجتماعية، فهو أرض لمقابر الأجداد وزوايا الأولياء الصالحين وما إلى ذلك من مكونات الهوية القبلية في تلك الفترة.

خارطة القبائل التونسية منتصف القرن التاسع عشر

لم يخلُ زمن هويات ما قبل الدولة الحديثة من العنف بين القبائل؛ إذ تُسجّل دفاتر التاريخ عمليات مُتعدّدة للإغارة بين «العروش» وقطع الطريق فيما بينها، تجدُر الإشارة إلى أن هذا المنحى العلائقي بين المُكونات الاجتماعية التونسية كان مقبولا عُرفيًا، بل نُظمت فيه الأشعار تغنّيا بقوة القبيلة وفتوتها.

وبالإضافة للإغارة الباحثة عن تدعيم النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، كان لتموقعات «العروش» السياسية في تونس الأثر الكبير في رسم ملامح العلاقات فيما بينها، حيث وظّفت السلطة المركزية في فترات مُختلفة البعض منها لصد تمرّد الأخرى وأغدقت عليها بالمنح والعطايا، فكان صعود مكانة العرش ونزوله رهينة تحالفاته السياسية: حين انتصر حسين بن علي على علي باشا سنة 1728 مثلًا، انضمت قبائل جلاص وأولاد عون لصف قبائل المخزن (السلطة المركزية). وحين هزم حسين بن علي على يد الباشا علي نجم عن هذا فقدان هاتين القبيلتين لمكانتهما المخزنية مقابل صعود قبائل ساندت علي باشا، مثل وسلات، وأولاد عيار.

الجهويات بديلًا عن القبليات

مع حلول لحظة الإعلان عن استقلال تونس، عمل الرئيس التونسي الأسبق، الحبيب بورقيبة، على التنبيه من مخاطر القبلية والعروشية على الدولة الوليدة، وكان بالمقابل يُنادي بالاستثمار في «الأمة التونسية»، رغم أنه ارتكز ورفاقه من رواد الحركة الوطنية على هذه القبائل في إدارة الصراع مع المستعمر الفرنسي في فترة الاستعمار.

حاول بورقيبة إذًا القضاء على هذه الظاهرة من خلال اتخاذ إجراءات مختلفة عبر تقوية سلطة الدولة وإخضاع تلك القبائل لها بطرق مختلفة من أهمها خلطها وتشتيتها جهويًا، من خلال تأسيس تقسيم إداري جديد للدولة التونسية هُندست فيه المُحافظات بشكل يُقلّل من وحدة «العروش».

صورة للحبيب بورقيبة رفقة الباي إثر إعلان الاستقلال

وبالرغم من المجهود الذي بذله الرئيس التونسي في التصدي لهذه الظاهرة، إلا أنها تواصل البروز بين الفينة والأخرى في ملاعب كُرة القدم وخارجها. وفي تحليله لهذا المشهد يقول الباحث التونسي محمد عبد العظيم، في تصريح للـ«جزيرة نت»: إن «الحقبة البورقيبية روجت لصورة المجتمع العصري والحديث، إلا أن الواقع مختلف عن هذه الحقيقة التي تقدم بشكل مسلم به، والحال أن دولة ما بعد الاستعمار قد قامت بمجانسة قسرية أو عنيفة للنسيج الاجتماعي بتكوين كيان كان بورقيبة يريد خلقه هو الأمة التونسية، التي كان يريدها مطابقة للنموذج الأوروبي الغربي الذي يرفض الاختلاف والتنوع داخل البلد الواحد».

وأشار عبد العظيم إلى أن السياسة البورقيبية التي حاولت القضاء على القبلية، عوضتها بالجهوية وخصت الساحل التونسي بحظوة مميزة؛ الأمر الذي خلق عداوات بين الجهات الداخلية وباقي الجهات التي أفردتها الدولة بالتنمية والاستثمار.

في ذات السياق؛ يقول الباحث الاجتماعي، المنصف وناس، في كتابه «شخصية التونسي»: يمكن إرجاع تنامي الحس الجهوي والبدائي إلى خمسة أسباب أولها تعويض الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة للوازع القبلي بالنعرات الجهوية. حيث عمل على تسييس الانتماء وربط قيمة المواطن ببعض الجهات والمدن. والكل يعلم أن قيمته كانت ترتفع في حقبة ما إذا أعلن انتماءه إلى سوسة (مسقط رأس بن علي) والمنستير (مسقط رأس بورقيبة) مثلًا.

أضف إلى ذلك فشل الدولة التونسية في إرساء نمط تحديثي ناجح مبني على المواطنة. وثالثها هو تراجع هيبة وسطوة الدولة وقوتها وانتشارها الجغرافي بعد الثورة. هذا الفراغ عوضه الانتماء الى العرش والعائلة والجهة. إنها المرجعيات البدائية الأولية؛ لأن الافراد بحاجة إلى الأمان والمساعدة المادية والمعنوية.

أما السبب الرابع فهو عدم امتلاك الدولة للشرعية الشعبية عبر انبثاقها من الانتخابات ما يوقعها في صعوبة مع مرور الزمن على غرار ما حصل مع بورقيبة عندما اعتمد على الشرعية التاريخية التي تآكلت في آخر الأمر، مثلما حدث في أكتوبر (تشرين الأول) 1978 بالجزائر. وتآكلت هذه الشرعية أيضًا مع بن علي فاندلعت الثورة. وأخيرًا هناك الصعوبات الاقتصادية التي تحاصر البلد بدورها تدفع الشباب إلى الاحتماء بالنعرات الجهوية والقبلية المنغلقة.

رياضة

منذ 5 شهور
كرة القدم أكثر من مجرّد «لعبة».. 4 مباريات تاريخيّة مشحونة بالرسائل السياسية
3946
عبد الله كمال

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!