يزخر التاريخ الأمريكي بجرائم عنصرية ارتكبها البيض في حق السود، وأحيانًا بدعم مباشر وغير مباشر من الحكومة الأمريكية، وتنوعت هذه الجرائم بين فصل عنصري في الأماكن العامة والخاصة، وأماكن الخدمات، والمواصلات العامة، ووصل الأمر إلى ما هو أكثر من ذلك، حين امتدت أيادي البيض إلى السود لقتلهم تحت مسميات مختلفة، ومن أبرز تلك الجرائم، مذبحة روزوود العنصرية.

فلوريدا.. ولاية لم يكن بها «رجل رشيد»

كانت ولاية فلوريدا الأمريكية من أكثر الولايات اضطهادًا وعنصرية للسود في أمريكا، وكشفت دراسة حديثة نسبيًا عن حالات القتل في الجنوب الأمريكي، أن السود كانوا أكثر عرضة للإعدام في ولاية فلوريدا من أي ولاية أخرى، وجدت الدراسة التي استمرت خمس سنوات، وأجراها باحثون في جامعة جورجيا، عمليات قتل غير مسبوقة مع ممارسات وحشية، ارتكبت في الجنوب في الفترة من 1882 وحتى 1930.

Embed from Getty Images

أكدت الدراسة السابقة أنه خلال نصف القرن، كان هناك ما يقرب من 2500 عملية قتل موثقة ارتكبها البيض في حق السود في 10 ولايات جنوبية أمريكية، واحتلت ولاية فلوريدا الترتيب الخامس من حيث عدد القتلى، لكن تُعد هي الأولى في أمريكا بالنسب المئوية؛ نظرًا لوجود عدد أقل من السود بداخلها، فمقابل كل ألف و250 شخص من السود في فلوريدا بين عامي 1882 و 1930، أعدم شخص واحد، وهذا المعدل أعلى سبع مرات من ولاية كارولينا الشمالية وما يقرب من ضعف المعدل في ولاية جورجيا.

عمليات القتل -رغم العشوائية- إلا أنها كانت أداة لفرض التبعية، والعزل العنصري، والعديد من الضحايا قتلوا بسبب تجاوزات طفيفة ضد الأعراف العنصرية، أو لمجرد مطالبتهم بحقوقهم الإنسانية الأساسية، أو حتى لرفضهم الخضوع لمعاملة عنصرية، وكانت عمليات القتل يتخللها التعذيب وأعمال عنف وتطرف ويشارك فيها المجتمع الأبيض بأكمله، وفي بعض الأحيان، لم يكن كافيًا إعدام الشخص المستهدف، بل كان من الضروري ترويع المجتمع الأسود بأكمله.

كانت مجتمع روزوود يعيش به البيض والسود، وكانت البلدة تعتمد علي صناعة الأخشاب، ومع قطع أغلب أشجار الأرز في نهاية القرن التاسع عشر، أغلقت المصانع التي اعتمدت على الأخشاب، وبالتالي انتقل العديد من السكان البيض إلى بلدة سومنر المجاورة، ومع مطلع القرن العشرين، كان السكان في روزوود أصبحوا من السود في الغالب، وبلدة سومنر من البيض، ولم يكن هناك مشاحنات بين البلدتين.

كما كان شائعًا في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات الأمريكية الجنوبية، فرضت ولاية فلوريدا الفصل العنصري القانوني بموجب قوانين جيم كرو التي تتطلب مرافق ووسائل نقل عامة تفصل البيض عن السود، وبحلول عام 1920، كان سكان روزوود مكتفين ذاتيًا في الغالب، لديهم كنيسة ومدرسة وطاحونة ومتجر وهناك عائلات من السود يمكنهم عزف الموسيقى، وكانت الأجواء هادئة وسعيدة.

قبل أسابيع فقط من مذبحة روزوود، وقعت أعمال شغب في مدينة بيري بولاية فلوريدا، أحرق البيض تشارلز رايت، وهو شاب أسود، وهاجموا مجتمع السود في بيري، بعد مقتل مدرس أبيض، وفي اليوم التالي لإعدام رايت، أطلق البيض النار على رجلين أسودين آخرين بعد شنقهم؛ ثم أحرق البيض مراكز خدمات السود في المدينة بما في ذلك مدرسة، ودار مناسبات، وكنيسة، والعديد من منازل السود.

هكذا حاول «الرجل الأبيض» استخدام العلم لتحقير الأعراق الأخرى واضطهادها

ليالي روزوود الحزينة

في يوم رأس السنة عام 1923 في بلدة سومنر البيضاء في ولاية فلوريدا الأمريكية، خرجت امرأة تدعى فاني تايلور، وهي ربة منزل بيضاء تبلغ من العمر 22 عامًا، من منزلها وصرخت وقالت إن رجلاً أسود مجهولًا دخل منزلها واعتدى عليها، وحاول سرقتها، بينما كان زوجها في العمل، هرع الجيران إليها ووجدوا المرأة مصابة بكدمات واضحة، واعتقد المجتمع الأبيض أنه كان هناك اعتداء جنسي عليها، على الرغم من أن المرأة لم تقل ذلك.

Embed from Getty Images

الضابط روبرت إلياس ووكر

كانت سومنر تقع على بعد بضعة أميال فقط من بلدة روزوود السوداء، ورغم أن جيران تايلور كانوا يقولون عنها أنها غريبة ومنعزلة، إلا أن هذا لم يمنع الرجال البيض من سكان سومنر، من الاجتماع معًا للبحث عن الجاني، وتزامن ذلك مع انتشار خبر مفاده أن قاتلاً أسود يدعى جيسي هانتر هرب من الشرطة، وبالتالي أصبح جيسي هنتر محور البحث، أرسل الضابط روبرت إلياس ووكر؛ كلاب الصيد لتتبع درب الهارب من وراء منزل فاني تايلور في سومنر، ثم قرر البيض الزحف إلى روزوود.

يقول بعض السود في روزوود؛ والذين عملوا في سومنر إن المعتدي كان في الحقيقة حبيب تايلور وأن قصتها كانت بمثابة غطاء لتفادي غضب زوجها، وأنها أكدت ذلك للسيدة سارة كاريير، وهي امرأة سوداء من روزوود وكانت تساعدها في أعمال الغسيل في بيتها، وكانت في صباح يوم الحادثة في منزلها، وشاهدت رجلًا أبيض يزورها قبل أن تغادر بفترة وجيزة، لذا اعتقد المجتمع الأسود أن السيدة تايلور كانت على علاقة عاطفية مع هذا الرجل الأبيض مجهول الهوية، وأنهما تشاجرا، مما أسفر عن إصابات السيدة تايلور بالكدمات.

الكلب الخاص بالضابط روبروت إلياس ووكر؛ اقتفى أثر الهارب من الشرطة، والذي ربط البيض بينه وبين حادثة تايلور، شم الكلب بعض الأحذية، ثم ركض وتوقف عند صف من الشاحنات، سئل رجل أسود منزله قريب من موقف الشاحنات هل هناك أحد في منزله، فأجاب الرجل الأسود بالنفي، لم يقتنع البيض بالإجابة، ربطوا الرجل، وسحلوه خلفهم، ولم يكتف البيض بذلك، بل تعقبوا صاحب العربة، وقطعوا أذنيه ويده وشنقوه في شجرة وأطلقوا النار على وجهه.

واستمر البحث عن المعتدي، ووصلت أنباء إلى سومنر بأن الرجل الذي يريدونه محميًا من قِبل سيلفستر كاريير في بلدة روزوود، وذهبت مجموعة من الرجال البيض إلى منزل كاريير، سارع كاريير بنقل الأطفال إلى غرفة نوم في الطابق العلوي مع النساء، بينما اقتربت مجموعة من الرجال البيض من المنزل ودعوا كاريير إلى الخروج، وأطلقوا النار على كلبه المربوط أمام المنزل وقتلوه، ثم ركلوا الباب، لكن كان كاريير يحمل سلاحه للدفاع عن عائلته فأطلق النار على المقتحم الأول والثاني، ومات الاثنان؛ وتبادل الطرفان إطلاق النار وبدأت المذبحة.

مع اشتعال الأزمة، واندلاع المذبحة، انضم سكان بيض آخرون إلى سكان سومنر للقضاء على روزوود؛ واستمرت عمليات القتل في روزوود، وصب الرجال البيض الكيروسين على جميع المنازل وأضرموا النيران فيها، وفر النساء السود والأطفال إلى الغابات والمستنقعات المجاورة، وظل بعضهم لعدة أيام في الظلام في انتظار وقف إطلاق النار.

مكبلين بالسلاسل محرومون من الانتحار.. رحلة العبيد الأفارقة فوق سفن التجار

ما تبقى من آثار المذبحة

كان الحاكم كاري هاردي على أهبة الاستعداد، لإصدار أوامر إلى قوات الحرس الوطني للتدخل؛ لكن الضابط ووكر قال أنه لا يخشى مزيدًا من الفوضى، وحثه على عدم التدخل، اطمأن الحاكم لكلام ووكر، والذي أصر على أنه قادر على التعامل مع الموقف؛ وتظهر السجلات أن هاردي أخذ كلمة الضابط ووكر ووثق فيها، ثم ذهب في رحلة صيد.

بحلول السادس من يناير (كانون الثاني) عام 1923، ومع تقاعس المسئولين كانت بلدة روزوود خاوية تمامًا، من السكان، والمنازل إما مدمرة أو محترقة، وكذلك الكنائس والمدارس؛ الجميع هرب من الغوغاء البيض، الذين أبادوا البلدة، أما السود فالقليل منهم حمته أسر بيضاء؛ أما الأغلبية فظلوا في الغابات حتى وصل قطار الإنقاذ الذي أرسله القادة المحليون لحمايتهم.

بعد أن انتهى الأمر، ذكر المسؤولون أن ثمانية أشخاص قتلوا: اثنان من البيض، وستة من السود، بينما قال أحد الناجين أن عدد القتلى من السود وصل إلى 27 قتيلًا، وأن 10 منهم، تراكموا في مقبرة جماعية في الغابة، ولم توجه التهم إلى أحد ولم يعاقب أحد، وتكتم على القضية عقودًا طويلة وكأن شيئًا لم يكن.

الصدفة قادت مراسلًا صحفيًا لمعرفة ما حدث في روزوود، وكتب عن المذبحة لأول مرة عام 1982، أي بعد مرور ما يقرب من ستة عقود، وخرج الناجون الذين كانوا أطفالًا وحضروا المذبحة عن صمتهم، وحكوا ما حدث لهم ولعائلاتهم، وسعوا إلى المطالبة بحقوقهم، وطالبوا الدولة بالتعويضات لأنها لم تحمهم، ولم تحم عائلاتهم، وممتلكاتهم.

كشف الناجون العديد من الانتهاكات التي لا يعرفها أحد، يذكر أحدهم أن البيض اختطفوا خالته، وقيدوها من رقبتها، واقتادوها إلى سومنر، وهناك اغتصبت لأنها لم تقل الحقيقة لهم؛ كما زعموا، بينما روى ناج آخر عن مقتل رجل، أسره عدة رجال واستجوبوه، ثم طلبوا منه أولاً أن يحفر قبره، لكنه لم يستطع ذلك لأنه أصيب بضربتين على رأسه أصابته أحدهما بالشلل، وانتهي الأمر بقتله وترك جثته ملقاة على قبور أفراد عائلته.

دفعت الحكومة الأمريكية إلى الناجين، تعويضات مالية قاربت 2.1 مليون دولار، والأهم من ذلك بالنسبة لهم اعتراف ولاية فلوريدا بمذبحة روزوود، ووضع نصب تذكاري يحمل بشكل مختصر تفاصيل المذبحة، حتى لا ينساها السكان المحليون، وتخليدًا لذكرى ضحايا المذبحة.

أحدهم فضل الملكية وآخر كان زير نساء.. غرائب وعجائب الآباء المؤسسين لأمريكا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد