يُعلِنُ أحدهم عبر مكبر الصوت بعباراتٍ واثقة عن إلغاء احتفالات العيد؛ ستكتفي هذه القرية الصغيرة في الجنوب السوريّ بتبادل المعايدات على الهاتف بسبب وباء كورونا.

يعيدُ ذات العبارات ثلاث مرات، يهزّ كبارُ السن رؤوسهم طالبين من الله أن يبعد الأوبئة الغريبة عن بلدهم، ويتساءل الأطفال هل هم مشمولون أيضًا بهذا القرار وعليه لن يمارسوا طقوس العيد؟ فيأتي الجواب «نعم».

لكلّ عيدٍ في سوريا شكلُه الخاص وصفاته التي تميزه عن العيد الذي سبقه، فاستقت الأعياد أسماءها الكبيرة من الأحداث العامة، ففي مرّة كان العيد مزامنًا لتفجير سيارة، وهنالك عيدٌ حصلت فيه مجزرة، وعيدٌ هجم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فيه على إحدى المدن، أمّا هذا العام فهو عيدٌ انهارت فيه الليرة السورية انهيارًا دراميًا وحلّ وباء كورونا.

وجدت العديد من العائلات فيروس كورونا حجّة مقنعةً لتجنب متطلّبات العيد في ظل الارتفاع الجنونيّ للأسعار مقابل انهيار الليرة السورية. للحقيقة هذه هي المرة الأولى التي يرتبط فيها العيد بحدثٍ يعرقله أو يغير ملامحه بالكامل وهذا ما لم يعتده السوريون.

طقوس العيد و«البركة» التي ضاعت

تعتبر سوريا الآن – بلا شكّ – واحدةٌ من أكثر البلاد المنكوبة في العالم؛ تبدو الوجوه فيها أكثر قهرًا، وفي حين كانت الحرب ترمي بظلالها على بعض المناطق وعلى المهجَّرين والمختطفين، فكورونا والوضع الاقتصاديّ يحضران على مائدة كلّ سوريّ اليوم.

لكن، تبقى الأُلفة هي ما يبحث عنه السوريون، ولذلك حاولوا طوال السنوات الماضية إيجادها بكلّ الطرق الممكنة، كمَن يبحث عن جثة تحت الأنقاض وبالمسرّات الصغيرة يستذكرون الحياة الآمنة، فواظبوا على صنع الحلوى المنزلية، وكأنّ هذا الطقس هو آخر ما يربطهم بالعيد، حتى لو كان «المعمول» متواضعًا إلّا أنه ما زال يذكّرهم بطعم الفرح.

ستكتفي ربات المنازل بعجنه بالسمنة النباتية الرخيصة فالسمنة الحيوانية مرتفعة السعر، وسيقللون حشوة التمر داخل الحبات، أمّا السكر فالقليل كالكثير.

رغم ذلك، ستشمّ رائحة المعمول والحلوى تفوح من بعض المنازل هنا وهناك. يُحشى المعمول عادة بالفستق والجوز والتمر، ولكن اكتفت أغلب ربات المنازل بحشوةِ التمر لأنّها الأرخص سعرًا، فأصبح المعمول اليوم – مع تدهور الليرة السورية – حلم العيد الذي ربما لا يتحقق.

وصلت أسعار بعض الحلوى إلى 30 ألف ليرة للكيلو الواحد (أي حوالي 13 دولارًا )، ومنها «المبرومة»، إحدى الحلويات المشهورة في سوريا، أمّا الحلويات الأرخص، كالبرازق والغريِّبة، فتبدأ من 2500 ليرة حتى 8 آلاف لليرة (أي من 1 إلى 4 دولارًا)، وكلها أسعارٌ لا تلائم الموظف الذي لا يتجاوز متوسط راتبه 40 ألف ليرة أي أقل من 20 دولارًا.

تتضمَّن مصاريف هذه العشرين دولارًا ثيابًا جديدة للأطفال وحلوى وقهوة مرّة، التي تشتهر بها العديد من المناطق السوريّة، لكن بات الناس يستغنون عنها بقولهم أنّ الشرب من ذات الفنجان قد يسبِّب العدوى. تبدو هذه الحجّة أقوى من ارتفاع الأسعار الجنوني، هكذا بات العيد رفاهيةً يصعب تحقيقها أيضًا.

Embed from Getty Images

وربما أكثرُ ما يسوء السوريين اليوم، هو أن روح عيد الأضحى تتلاشى، بسبب عدم القدرة على شراء الأضاحي وتوزيعها، والأمر ليس وليد هذا العيد وحسب، لكن يبدو أن ثقل الأزمة الاقتصادية بات أوضح، وما عاد السوريون يخجلون حين يقولون: «ليس لدي المقدرة على شراء حاجيات العيد» بعد أن أصبح 83% من  السوريين تحت خط الفقر، حسب تقارير الأمم المتحدة.

متوسط سعر الخروف حوالي 300 ألف ليرة سورية، أي ما يساوي راتب موظف لستة أشهر! وسعر كيلو اللحمة يصل إلى 15 ألف ليرة سورية أي حوالي 7 دولارات، وبات أمرًا تعجيزيًّا بالنسبة للناس الحصول على كيلو لحمة شهي، لكن الحال واحد، وهذا ما يخفف وطأة الألم والعوز، ما عادت الوجوه تضحك حين تفتح الباب وتتلقف كيلو من اللحمة جاءها فجأة، مبتسمة لمجرد تحسُّس حرارة الكيس بين يديها.

بات المحظوظون أقل، يعلم الجميع ألّا حلّ قريب لذلك، فيصمتون ويرددون دعواتٍ بائسة بأن يكون هذا العيد بدايةً جديدة للسوريين، المواشي تهرّب للخارج وأسعار الأعلاف ازدادت أضعافًا وكلها أسباب مباشرة لارتفاع أسعار اللحوم، هكذا يتحول الألم لسلسلةٍ مترابطة؛ ابتداءً من طعام المواشي وصولًا إلى كيس اللحمة الذي قد يدق باب فقيرٍ فجأة، والذي قد لا يدق مئات الأبواب الأخرى.

يريد السوريون التعامل مع العيد على أنه حقيقة، ومع الحرب وكورونا والوضع الاقتصاديّ على أنهما ظرف طارئ عابر، لكنّ هذا ما لا يستطيعون فعله، فسنواتٌ عشر لم تنتهِ، والعيد يمرُّ سريعًا وثقيلًا في كلّ مرةٍ بسؤال: «كيف ما زلنا قادرين على التحمل عامًا آخر؟».

وهكذا، تغيب العمليات العسكرية والمعارك عن معظم المناطق السورية، لكنّ العيد يغيب أيضًا.

ككلّ مرة يخذل الحاضر السوريين، يعودون إلى الماضي مستذكرين العيد بقولهم: «كان العيد في الماضي أجمل وفيه بركة»، والبركة تعني تحديدًا: القدرة على شراء الحلوى وملابس العيد وحشو المعمول بالفستق الحلبيّ والجوز، وأن تُملأ جيوب الصغار بالعيدية. البركة في هذا السياق تعني ألّا يموت كلّ أولئك السوريون هباءً.

الأسواق الشعبية.. ملاذُ السوريين الآمن

في الأسواق الشعبية، يجد السوريون ضالّتهم بأرخص الأسعار وبأقل جودة كذلك.

أحذية الأطفال تلك التي لها شكلٌ واحد مع اختلاف الألوان، ألوانٌ باهتة وزركشةٌ رخيصة لكنها تغدو دافئةً في أقدام الصغار، الحلوى مكشوفة للذباب والرِّيح والغبار، لكن ما المهمُّ والعائلة ستتلذذ مساءً بطعم القطر (الشربات) الرخيص؟ الشالات ترفرف فوق رؤوس «المانيكان» بوجوههن الباردة، التنانير والقمصان والفساتين التي يلعب بها الهواء ويتركها باهتة ومليئة بالغبار، الحلوى المغلفة التي أكلتها الشمس وجعلت طعمها غريبًا؛ إنّها الأسواق الشعبية حيث كلّ شيء مكشوفٌ للريح والشمس، حتى الثياب الداخلية وألعاب الأطفال والأحلام.

لكن حتى هذه الأسواق باتت حلمًا للكثير من مرتاديها، فخيارات السوريّين تتلاشى شيئًا فشيئًا، وعلى الجهة الأخرى وفي أحد الأحياء الفاخرة يتجوَّل طفل حاملًا علبة كرتونية يضع فيها عددًا من المفرقعات النارية.

تبقى المفرقعات النارية هي السمة الأساسية للعيد في سوريا، الحرارة تكاد تصل 50 درجة وقد يتحول هذا الطفل مع بضاعته إلى حفلةٍ من المفرقعات النارية. المفارقة أن هذا الطفل لا يختار الأسواق الشعبية ليبيع بضاعته فهو يعلم أن مرتاديها ليسوا قادرين على شراء سعادةٍ تشتعل وتنطفئ في ثوانٍ.

تبقى الأحياء الفاخرة سوقًا قويًا لبيع المفرقعات التي ما زالت تذكرنا بأصوات الرصاص، ما زالت الحرب قريبة في أيدي الأطفال.

Embed from Getty Images

«كلاشنكوف بلاستيكية» وجيوب فارغة

بثيابه الجديدة وشعره المصفف بالقليل من دهان الشَّعر، و«كلاشنكوف» بلاستيكة يهزّها للأمام والخلف ثم يحملها ويصوِّب نحوي ويبتسم بخبث، أقول للطفل ذي العشر سنوات «كلّ عام وأنت بخير»، أمضى ويمضي وهو يتمتمُ كلماتٍ عن التصويب وضرب الرصاص؛ هكذا يأبى العيد في سوريا أن يمر دون تذكيرنا بالعنف والقسوة والخسارة.

ارتبط العيد منذ الأزل بالحلوى الشهيّة واللقاءات العائلية والعيديات التي يحصل عليها الصغار من الجيران والأقرباء، لكن حتى العيدية تأثرت بالوضع الاقتصادي بالطبع كما كل شيءٍ في سوريا. فجيوب الأطفال فارغة إلّا من بعض الحلوى الرخيصة.

يضربُ الطفل بقدميه على الأرض مطالبًا بلعبةٍ بلاستيكيةٍ خضراء، تسأل الأم عن سعرها وتعيدها إلى مكانها وتجر الصغير الباكي. الأزمة المالية الخانقة تجعل كلّ البضائع غالية الثمن، حتى لعبةٌ بلاستيكيةٌ رديئة الصنع، الأطفال ينتظرون العيد والعيدية مهما كانت صغيرة، لكن اليوم سأتخيل الكثير من الجيوب الفارغة كما علب الحلوى كما أحلام السوريين.

على مدخل مخيم جرمانا في العاصمة دمشق، وفي منطقةٍ عشوائية توجد بعض ألعاب الملاهي الصغيرة، ربما جيء بها من قريةٍ دمِّرت على أطراف المدينة. ألعابٌ مرمية بشكل عشوائي، فـ«الدويّخة» ليست معلّقة في السماء، و«السفينة» مرمية على جانبها و الأراجيح مقطوعة. قبل يوم العيد، تبدأ هذه الألعاب المشوّهة بأخذ أماكنها، ويبدو المكان منظَّمًا بشكلٍ ما حتى ولو كانت أرضيته ترابية.

في صباح يوم العيد يتولى رجلٌ هزيل تحريك الدويخة والأطفال داخلها، وآخر يتولَّى أمر السفينة، فكلما جاءت صوبه دفعها مرة أخرى إلى السماء، هكذا تُصنع السعادات الصباحية للعيد في سوريا وهكذا ترى الأحذية الجديدة الرخيصة تتلوّث بالتراب، تاركة خلفها سحابةً من الغبار وهي تركض صوب ألوان الألعاب المتقشِّرة.

ماذا يدعوه السوريون هذه الأيام؟ عيدًا، أم حصارًا اقتصاديًا، أم مجاعة؟ لا فرق في الأسماء، فللأيام هنا أسماءٌ كثيرة، تتوافق وذاكرة الناس عن المكان، مرددين بانكسارٍ مكرّر وربما لا معنى له: «بأي حال عُدت يا عيدُ!».

عرض التعليقات
تحميل المزيد