في عام 1949، انتهى الكاتب المسرحي آرثر ميلر من كتابة مسرحيته «موت بائع متجول – Death of a Salesman»، وهي المسرحية التي لاقت استقبالًا حافلًا، وفازت لاحقًا بجائزة البوليتزر المرموقة عن فرع الدراما، ثم تحولت لأفلام كثيرة أبرزها فيلم يحمل نفس العنوان صدر عام 1985، من بطولة الممثل داستن هوفمان.

وتتناول المسرحية حياة رجل مبيعات بائس يدعى ويلي، وأسرته المكونة من زوجة وولدين يافعين. يقع ويلي فريسة اكتئاب متزامن مع أزمة منتصف العمر، ويشعر أنه لم يحقق شيئًا في حياته على الإطلاق، ويخشى أن ابنه الأكبر بيف لن يحقق أي إنجاز في حياته هو الآخر.

تتدهور حالته النفسية، والعقلية، وتسوء علاقته بابنيه، بخاصة مع اعترافه لهما بأنه كان على علاقة منذ سنوات بموظفة استقبال في فندق، فيشعر الولدان بالغضب من خيانة والدهما لأمهما، وتنهار صورته الأخلاقية أمامهما بصفته مثلًا أعلى طالما احتذيا به.

على جانب آخر، يدفع الجميع بيف ليبدأ مشواره كرجل أعمال بإنشاء مشروعه الخاص، فيما ينتحر ويلي بحادث سيارة متعمّد؛ كي تصرف شركة التأمين أموالًا لأسرته، لتساعد ابنه بيف على تحقيق مشروعه، لكن بيف في حقيقة الأمر لا يريد أن يصبح رجل أعمال!

المصدر: imdb.com

نسخة إيرانية من البائع المتجول

بنفس هذه الرؤية الواقعية السوداوية، يأخذنا المخرج الإيراني الحائز على جائزة الأوسكار، أصغر فرهادي، في فيلمه الأحدث «رجل المبيعات- The Salesman» في رحلة مع عائلة صغيرة مكونة من زوج يُسمى عماد (شهاب حسيني)، وزوجته رانا (ترانة عليدوستي)، اللذان يعيشان وسط زحام مدينة طهران المعاصرة، والتي تكاد تختنق من تكدس 16 مليون نسمة، يستيقظان يومًا على أعمال حفر وإنشاءات صاخبة تجري بجوار المبنى الذي يقطنان فيه، تهتز عمارتهما السكنية، وتبدأ في التصدع، ويسمعان صوت زجاج النوافذ وهو يتشقق.

يهرع الزوجان لمغادرة المبنى فورًا، تاركين كل شيء وراءهما، ونتعرف من بداية الفيلم على مدى شهامة الزوج عماد الذي يعود من أجل مساعدة سيدة مسنة على نقل ابنها المعاق لخارج المبنى الذي قد ينهار في أي لحظة، لكن لحسن الحظ لا ينهار المبنى، لكنه يصبح خطرًا وغير قابل للسكن فيه، ويجد الزوجان أنفسهما في الشارع دون سكن.

يعمل عماد مدرسًا للأدب في مدرسة ثانوية، ويتمتع بمحبة وصداقة طلابه، وليلًا يعمل ممثلًا مسرحيًّا في فرقة متواضعة، كذلك رانا تعمل ممثلةً في نفس الفرقة، وخلال ذلك الوقت كانا يجهزان مع زملائهما لإطلاق مسرحية مأخوذة عن نص آرثر ميلر، مقتل بائع جائل، ويخططان للمبيت في كواليس المسرح حتى يجدا مسكنًا جديدًا، إلا أن زميلهما الممثل باباك يخبرهما أنه يعرف شقة شاغرة يمكنهما الانتقال إليها فورًا، ويساعدهما أصدقائهما من باقي أعضاء الفرقة في حمل متعلقاتهما إلى الشقة الجديدة التي تقع في الطابق الأخير من عمارة سكنية مكدسة أيضًا، ويكتشفان أن هناك غرفة موصدة في تلك الشقة، ويخبرهما باباك أن المستأجرة السابقة خزنت أعراضها في تلك الحجرة، وأنه كان من المخطط أن تأتي قبل استلامهما الشقة لتنقل محتويات الغرفة، إلا أنه حدث ما عطّلها عن استئجار شقة جديدة، وقد تحتاج عدة أيام لتأتي من أجل نقل أشيائها.

يستفز ذلك الأمر عماد، ويفتح الحجرة وينقل أغراض السيدة إلى السطح، ويحمي الأغراض من المطر بمفارش بلاستيكية سميكة، إلا أن السيدة عندما تعلم بالأمر من باباك، تُعرب عن غضبها الشديد، مُهددة بأنها لم تسمح بأن يمر الأمر بسلام.

المصدر: marhaba.com

ضغوط الحياة الإيرانية

رغم لطف عماد، وطيبة رنا كأشخاص عاديين دمثي الخلق ينتمون للطبقة المتوسطة الإيرانية، إلا أنهما يبدوان دائمًا في حالة شرود، يبدوان في مكان آخر ولحظة أخرى غير المكان والزمان الحاليين، تخنقهما حياة الطبقة التي ينتميان إليها في طهران، التي تعني الزحام، والتكدس، وأزمة السكن، والوظائف ذات المستقبل المحدود، والمناخ الفني المقيد بتحكمات سلطة الثورة الإسلامية، والمجتمع المحكوم بشدة تحت قبضة الملالي، هذا إلى جانب عدم وجود أطفال لديهما حتى هذه اللحظة.

يحدث أمرٌ يُغيّر مسار القصة، حينما يرن جرس الباب يومًا ورانا وحيدة في المنزل، تظن أن عماد أسفل العمارة، فتفتح باب الشقة وتدخل الحمام لتستحم ريثما يصعد عماد. بعد ساعات يعود عماد للمنزل فيجد زوجته ممدة على أرض الحمام والدماء تسيل من رأسها، يهرع بها مع أصدقائه من الفرقة إلى المستشفى.

ورغم نجاة رانا من الحادث الذي لم يترك أضرارًا جسيمة على جسدها سوى بضعة جروح بجوار حاجبها وعينها، إلا أنه في المقابل ترك جروحًا غائرة في نفسها وروحها، أصبحت كثيرة البكاء، وتخاف البقاء وحدها في المنزل، ولا ترغب في دخول حمام المنزل، لدرجة أن زوجها يصطحبها لشقتهما القديمة من أجل أن تستحم.

يضع كل ذلك ضغوطًا أكثر على عماد، بالتزامن مع انطلاق المسرحية التي تؤكد رانا قدرتها على المشاركة فيها في دور زوجة ويلي، بينما يُؤدي عماد دور البائع ويلي نفسه، إلا أن رانا تنهار على المسرح في يوم الافتتاح، ويُلغى العرض، قبل أن تُستبدل رنا بممثلة أُخرى.

يكتشف عماد أن الشخص الذي هاجم رانا قد ترك هاتفه ومفاتيحه وأوراقٍ مالية داخل شقتهما، ولربما كان قد غادر هاربًا على عجل. يلاحظ عماد أن المفاتيح تحتوي على مفتاح لسيارة، يهبط نازلًا للطريق ويُجرّب المفتاح في جميع السيارات المصفوفة، ليعثر في النهاية على سيارة نقل صغيرة بصندوق استجابت للمفتاح.

البحث عن الانتقام

تدور باقي أحداث الفيلم حول رحلة عماد للبحث عن هذا الشخص، مستدلًا بمجموعة الأشياء التي وجدها. يرفض إبلاغ الشرطة، ويفضل الانتقام بطريقته الخاصة، فبالنسبة له فهذا الشخص قد أهان زوجته، وعرضها للخطر، وانتهك خصوصيتها وكرامتها، التي هي في نفس الوقت كرامته الشخصية.

ويركز المخرج أصغر فرهادي على التحولات النفسية التي تحيط بأشخاص عاديين في مواقف الشدة، والأزمة التي يمكن أن يتعرض لها أي شخص، وكيفية التأثير الذي قد يسببه عدم امتلاك المرء لفرصة تحقيق ذاته، في تصرفاته المختلفة.

لا مكان في أفلام فرهادي لعالم الفنتازيا، أو الأشخاص الخارقين، مثلما هو الحال في هوليوود، حيث الأفلام التي تصف عوالم مثالية، أو خيالية. وعلى غرار فيلمه الأشهر «A Separation» الذي فاز بجائزة الأوسكار عام 2011 كأفضل فيلم أجنبي، يغوص فرهادي في أعماق الإنسان الإيراني المعاصر المنتمي للطبقة الوسطى، والتي تمثل الشريحة الأكبر من سكان إيران البالغ عددهم 80 مليون نسمة.

المخرج الإيراني أصغر فرهادي (المصدر: Ioncinema.com)

يسيطر شعور الانتقام على عماد، ويبدأ في الشك في كل الأشخاص من حوله: باباك، والسيدة المستأجرة القديمة، وعامل المخبز. يهين بقسوة تلميذًا لديه بدر منه تصرف أخرق، ويستغل دوره على المسرح في سب وإهانة باباك بطريقة فهمها الأخير، لكن الجمهور اعتقد أنها جزء من المسرحية.

كان عماد في نفس مرحلة الضعف، والانكشاف، وعدم السيطرة على مشاعره ومقدراته التي مر بها رجل المبيعات ويلي تمامًا، كان يمكن أن يؤدي كل ذلك إلى كارثة له ولأسرته ولزوجته رانا، وعندما يعثر عماد على الشخص الذي أذى رانا في نهاية الفيلم، تتصاعد سيطرة رغبة الانتقام عليه، لدرجة أن رانا تهدده بأنها ستتركه لو لم يسيطر على نفسه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد