ميرفت عوف

7

ميرفت عوف

7

20,657

ازدهرت الأسبوع المنصرم احتفالات السامريين في مدينة نابلس، فقد انتهت للتو الأيام السبعة لعيد العُرش، حيث بدأ أبناء الطائفة السامرية الحج فجر الأربعاء الماضي لقمة جبل جرزيم المقدس بنابلس، ذلك الجبل الذي يحجون إليه ثلاث مرات سنويًا، هي عيد الفسح والحصاد، والعُرْش.

واستمرت احتفالاتهم بعد أن زينوا بيوتهم بأغصان شجر الغار وثمار الحقل ونبتة إبراهيم، فـ«العُرش» هي الأيام السبع التي يفعل فيها السامريون الكثير من الطقوس لإظهار فرحتهم كبني إسرائيل بخروجهم من عبودية الفراعنة بمصر، ولاعتقادهم أن الله قد بعث غمام تظلل شعب بني إسرائيل من الحر خلال سيرهم في صحراء سيناء، ومن ثم يبنون هذا العُرش المزين بالفاكهة وينشدون كلمات السلام للشعوب عامة.

أصغر طائفة دينية تمتلك التوراة الأقدم

تتمركز الطائفة الطائفة السامرية، أو «سمرة نابلس» كما يسمون  منذ آلاف السنين في قمة جبل جرزيم في مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، وبعضهم في منطقة «حولون» في داخل إسرائيل، وتنتسب هذه الجماعة إلى بني إسرائيل من حيث العرق لكن ديانتها تتناقض بشكل كبير مع اليهودية.

منزل أحد السامريين (صحفية القدس)

هذه الطائفة هي أصغر طائفة دينية في العالم، تعتبر نفسها من بني إسرائيل، لكنهم ليسوا من اليهود، ويؤكدون أنهم
يتملكون التوراة الأقدم المكتوبة على جلد غزال غير المحرفة، ولا يزيد تعداد أفراد هذه الطائفة عن 800 شخص، ويؤمن السامريون بأركان للدين، وهي الإيمان بالله وحده وبموسى نبيًا، وبالتوراة «خمسة أسفار» وبجبل جرزيم مكانًا مقدسًا زاره الأنبياء وقدموا فيه الأضاحي والقرابين مثل إبراهيم عليه السلام، والإيمان بيوم البعث (يوم الدين) إضافة للوصايا العشر، وتنقسم الطائفة السامرية إلى فئتين هما الكهنة، وعامة الشعب، ويعد ترتيب الصلوات والأعياد والقوانين الدينية والعبادة والكنيسة والزواج، من اختصاص الكاهن الأكبر عندهم، الذي يكون الأكبر سنًا بين الطائفة والمجلس الكهنوتي الذي يضم 12 كاهنًا.

كاهن سامري (أ ف ب)

يوضح الباحث في شؤون السامريين، جميل ضبابات أنه: «بقي السامريون في الشمال (نابلس ومحيطها)، علمًا أنهم كانوا موجودين في الساحل وبيسان وعسقلان، ومجموعة كبيرة منهم تمركزت في غزة ودمشق حتى القرن السادس عشر، لكن الجزء المتبقي منهم في دمشق انتقل إلى نابلس»، ويضيف: «في العقد الأول من القرن العشرين، بدأت طلائع السامريين تنتقل إلى منطقة حولون، القريبة من تل أبيب لأسباب اقتصادية، وازداد عددهم بعد اجتياح القوات الإسرائيلية للضفة الغربية عام 1967. بالتالي يعيش أكثر من نصف السامريين في حولون، والبقية قرب جبل جرزيم».
ويحتفل السامريون بأعياد التوراة السبعة، وهي: الفسح (الفصح)، والفطير، والحصاد، ورأس السنة العبرية، والغفران، والعُرْش، والعيد الثامن أو فرحة التوراة، ويحظى يوم السبت بقدسية عند السامريين، وينقطعون فيه عن العالم أجمع، فلا يغادرون بيوتهم، يرتدون فيه لباسًا أبيض خاصًا، ويذهب الرجال فيه إلى الصلاة بالكنيس، وهي صلاة بوضوء ولها حركات ركوع وسجود تشابه صلاة المسلمين، ويأكلون اللحوم.

لا زواج من خارج الطائفة والحائض «نجس»

لا يتزوج السامريون من خارج أبناء طائفتهم، فحسب الكاهن «حسني واصف» فإن: «تقاليد الزواج لدى أبناء الطائفة، تتطلب أن يحضر السامري كتابًا للكاهن الأكبر يوضح فيه عمله، وعلمه، ومعاملته مع الناس، ويتضمن الدعاء له بالرحمة، فيما لا يستطيع السامري الطلاق، إلا بكتاب من الكاهن الأكبر يجيز له ذلك، أيضًا».

خلال الصلوات السامرية (موقع الرصيف)

لكن بسبب قلة عدد هذه الطائفة، حدث نقص في عدد الإناث مقارنة بأعداد الذكور، الأمر الذي دفع الكهنة للخروج بشروط مسبقة للزواج من خارج الطائفة، منها أن تؤمن المراد الزواج بها بالتوراة السامرية، وتعمل بتعاليمها، و بالعادات والتقاليد السامرية، وبذلك تصبح العروس سامرية، لكن يبقى ممنوع على الفتاة السامرية الزواج من خارج الطائفة.

ويبين رئيس جمعية الأسطورة السامرية الكاهن «يعقوب عبدالله» أنه: «عمليًا مقابل كل ثلاثة شبان ذكور هناك فتاتان في الطائفة، لذلك من يرغب بتزويج ابنه بفتاة سامرية غالبًا يشترط والد الفتاة على والد العريس تزويج ابنته لابنه كـ(زواج البدل) ليضمن والد العروس زواج ابنه، لكن الأمر لا يتم إلا بموافقة الطرفين، ونقص الفتيات رفع معدل سن الزواج للشاب السامري بتقديري لأكثر من 28 سنة لأبناء الطائفة في نابلس، و26 سنة تقريبًا في حولون، وذلك يعود لعوامل اقتصادية».

المكان المخصص لذبح القرابين التي يذبحوها في أعيادهم (الجزيرة)

ويعتقد السامريين أن الحائض تنعدم لديها الطهارة، لذلك عليها أن تنفصل عن المحيط، فتستخدم حاجيات لا يستخدمها الآخرون، وعليها ألا تلمس أي شيء طاهر في البيت، لا أولادها ولا الطعام، ويُقوم على خدمتها الزوج أو الأبناء أو الأقارب، وكذلك في حالة النفاس، فإذا كان المولود أنثى تستمر فترة النفاس والراحة 80 يومًا، بينما نصف المدة إذا كان المولود ذكرًا.

خلاف كبير بين السامريين واليهود

يؤمن السامريون أنهم هم السلالة الحقيقية لبني إسرائيل وليس اليهود، ويقولون أنه بعد تيه بني إسرائيل أربعين عامًا في صحراء سيناء هم من أتوا إلى المكان المقدس لليهود وهو جبل جزريم، ذاك الجبل الأقرب إلى السماء حسب معتقدهم، و المكان الذي بني عليه النبي سليمان الهيكل.

أحد الكهنة مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (وفا)

ويستشهدون على ذلك بالتوراة التي يمتلكونها، وتعود لـ3640 عامًا، وهم يعتقدون أن التوراة التي يملكها اليهود اليوم بُدلت وحرّفت، وأنهم هم بقايا شعب بني إسرائيل، لكنهم يرفضون أن يطلق عليهم اليهود، وهم يؤمنون بخمسة أسفار من التوراة (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية)، والتي لا تتطابق مع الأسفار الخمسة التي يؤمن بها اليهود حاليًا.

تتكلم هذه الطائفة اللغة السامرية المختلفة كليًا عن الحرف اليهودي، وتتألف من 22 حرفًا، تقرأ من اليمين إلى اليسار، يقول الكاهن «حسني واصف»: «الخلاف الحقيقي يعود لبناء سليمان عليه السلام لهيكله بالقدس مخالفة لتعاليم التوراة، فانقسمت الدولة العبرية لقسمين في زمن نجليه رحبعام ويربعام فأضحت مملكة جنوبية وعاصمتها القدس، وشمالية عاصمتها مدينة سبسطية ثم تحولت لنابلس»، مضيفًا لموقع «الجزيرة نت»: «لدى السامريين أكثر من 120 دليلًا تثبت قدسية جبل جرزيم، حيث ذكر في التوراة 13 مرة، ولم تذكر القدس مرة واحدة ويشتهرون بالحساب الفلكي دون غيرهم، وبذلك لا توافق أعيادهم أعياد اليهود».

من جانبه، يؤكد الكاهن «عزيز يعقوب» أحد خبراء الطائفة السامرية أنه: «نحن السامريون المحافظون على الديانة الإسرائيلية، لا نعطي للقدس أهميةً دينيةٍ، فهي لم تكن قبلةً لصلواتنا وبقية عباداتنا، فالمسألة لا تعدو كونها مسألة سياسية»، مضيفًا  في حساب الحق المتعلق بتحديد المواقيت: «في عقيدتنا نؤمن أن هذا الجبل هو القبلة والمختار والواجب الاتجاه إليه في العبادة من كافة الأماكن، ولا كمال، وهنا أشدد على هذا المقطع، لا كمال لإيمان أي إسرائيلي، أو عبري إلا به».

إسرائيل تغلق بالأسيجة جبل جرزيم (الجزيرة)

ومن الجانب الآخر، يشير اليهود إلى أن الخلاف مع السامريين ظهر بعد العودة من السبى البابلي، وهم يعتقدون أن السامريين حرفوا الدين، ولذلك يحتقرونهم، ويعتبرون طعامهم نجس، ووصل الأمر بعد قطع العلاقات فيما بينهم لحد منع نطق اسم السامري على لسان اليهودي لئلا تتنجس شفاههم.

يذكر أن السامريين في داخل إسرائيل حاصلون على الهوية الإسرائيلية كغيرهم من فلسطينيي الداخل، وهم كغيرهم ينال منهم الاحتلال، إذ أغلق في عام 2000 منطقة جبل جرزيم بحاجز دائم، ليحول دون تواصلهم مع أهلهم في نابلس، كما أغلقت سلطة السياحة الإسرائيلية منطقة «قلعة العالم» في جبل جرزيم حيث يؤدون شعائرهم الدينية، بحيث لا يدخل السامري إلى تلك المنطقة إلا بموافقة إسرائيلية.