بين نشوب حركة التظاهرات في السودان المطالبة بتنحي الرئيس السوداني عُمر البشير في مُدن السودان المُختلفة وخطابه الأخير الذي ألقاه أمس بالقصر الجمهوري؛ مرت السلطة بعدة مراحل في تجاوبها مع هذه الاحتجاجات التي عمت مُعظم مُدن السودان، المراحل نفسها التي تشابهت خلال ثورتي مصر وتونس  مع رئيسي البلدين آنذاك زين العابدين بن علي ومحمد حسني مُبارك.

يحاول هذا التقرير التعرف على أبرز المحطات المُشتركة بين الرؤساء الثلاثة في تعاملهم مع أزمة الاحتجاجات، وكيف أعاد البشير الجُمل نفسها وكرر التُهم والمطالب التي سبقه إليها بن علي ومبارك.

صلاح قوش.. «ظل البشير» الذي لا يثق فيه ويراهن عليه لقمع الاحتجاجات

«العسكر».. الخيار الأمثل عند البشير ومبارك

اشترك الرئيس السوداني مع نظيره الرئيس المخلوع محمد حسني مُبارك في اللجوء للعسكريين باعتبارهم مُسكنات لتهدئة غضب عموم الشعب؛ فكان خيار مبارك قبل التنحي اللواء عُمر سليمان، ذا الخلفية العسكرية، ورئيس جهاز المخابرات العامة المصرية آنذاك، ليكون نائبه؛ اعتقادًا من مبارك أن سليمان خيار آمن ضد غضب الشعب؛ قبل أن تتطور مجريات الأحداث، وينتهي الأمر بعزله مُجددًا بعد تنحي مُبارك عن الحُكم.

لم يقف خيار مُبارك عند الاستعانة بسُليمان فقط باعتباره ورقة نجاة له، بل عمد في البيانات الصادرة عنه إلى تمجيد أدوار القوات المُسلحة ورفع شأنها وإبراز أدوارها باعتبارها عنصرًا أساسيًا في نظامه.

خطاب عُمر البشير، أمس، للشعب السوداني

وتكرر ذلك قبل قليل، حين أعلن الرئيس السوداني عن تعيين وزير دفاعه عوض بن عوف، نائبًا أول له مع احتفاظه بمنصبه وزيرًا للدفاع، وفعل ذلك أيضًا يوم أمس؛ عندما استعان بالعسكريين حكامًا لولايات السودان، عقب إعفائه جميع الحُكام الحاليين، في إشارة إلى إدراكه حتمية التغيير، وصيرورة التبديل حتى وإن جاءت في اللحظات الأخيرة.

و بالصيغة نفسها التي سبق وأن استخدمها مبارك، تحدث البشير عن دور أساسي للقوات المُسلحة باعتبارها ضامنًا رئيسيا للاستقرار قائلًا: «وأؤكد للجميع على دور القوات المسلحة حامية وضامنة للاستقرار في العملية الحوارية بين أطراف العملية السياسية والقوى الاجتماعية».

الأمر نفسه سبق وأن تكرر مع البشير قبل ذلك؛ حين اضطر في 11 فبراير (شباط) الجاري لإقالة مدير جهاز المخابرات والأمن الوطني محمد عطا، وتعيين المدير السابق للجهاز صلاح قوش، لأسباب لها علاقة بقدرته في مرات سابقة على تكبيد المعارضة هزيمة أفقدتها توازنها، وهو ما قد يُفسر أسباب استعانة البشير بولاة عسكريين.

الشيء الذي خالف فيه البشير مُبارك هو استخدام خطاباته الموجهة للمتظاهرين وسط حشود مؤيدين له؛ إذ اعتمد مبارك على خطابات مُتلفزة مكتوبة، دون حضور لأحد في المكان المُخصص لإلقاء هذه الخطبة، وكذلك فعل بن علي.

30 عامًا في الحكم.. لماذا تفشل المعارضة السودانية دومًا في هزيمة البشير؟

من «مُخربين» إلى أصحاب أحلام وطموحات مشروعة

في نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومع بداية التظاهرات داخل مُدن السودان الرافضة لاستمرار الرئيس السوداني خرج البشير أمام جمع من العسكريين في حفل تخريج لهم مستندًا لعصاه الشهيرة بخطاب ينكر فيه أي تواجد حقيقي للشعب داخل الميادين، مُتهمًا المتظاهرين في بلاده بتلقي تمويلات من الخارج، وتعليمات من بعض السفارات الخارجية، واصفًا التظاهرات بتآمر «ليس بجديد»، معتبرًا أن بلاده تعرضت لمثل ما تعرضت له سوريا، واليمن، والعراق، وليبيا، واليمن، ومصر، وتونس.

مُكررًا الخطاب ذاته بمُفردات جديدة، ومُستفيدًا من الآلاف المؤيدين من العاملين والمعاشيين، الذين تجمعوا أمامه في قرية السديرة الغربية، في الثالث من يناير (كانون الثاني) الماضي، أخذ البشير يتوعد المُتظاهرين، قائلًا: «سوف نخرب حياتهم ونقطع أيديهم»، وهدد من وصفهم بالمتمردين والخونة أنه سيقوم «بجزهم»، وأن هذا هو الرد على كل عميل ومندس.

خطاب زين العابدين بن على للشعب التونسي 

 المفردات نفسها سبق وأن كررها مُبارك وبن على؛ فالأول أشار في خطابه المُتلفز الأول تجاوبًا مع الاحتجاجات أنه «يرفض التيارات التي تتاجر بخطاب التظاهر، وتعتلي الموجة»، مؤكدًا كذلك «تمسكه بعدم الانجراف بالبلاد لمسار يهدد السلامة العام، وتداعياتها على حاضر ومستقبل الوطن»، ومشددًا على أن «اقتناعه ثابت بمواصلة الإصلاح السياسي والاقتصادي من أجل مجتمع حر وديمقراطي»، أما الثاني فقد تحدث في خطاب مُتلفز، رافضًا الاعتراف بالتظاهرات في بلاده، واصفًا المُتظاهرين: «بالمخربين الذين يعملون لصالح جهات أجنبية».

وأمام استمرار هذه الخطابات الرافضة للاعتراف بمطالب المُتظاهرين، والتي تصفهم «بالممولين»، توسعت رقعة الاحتجاجات من جانب المتظاهرين في البلدين، متمسكين بمطالبهم؛ حتى نجحوا في دفع رؤسائهم لأخذ خطوات للوراء.

ما حدث مع بن علي ومُبارك هو نفسه ما حدث مع البشير؛ فعلى إثر تصاعد التظاهرات في مصر عقب بيان مُبارك بأعداد كبيرة، خرج مُبارك من جديد بخطاب أكثر تنازلًا عن الأول يتعهد فيه بعدم الترشح لولاية جديدة، وتشكيل حكومة جديدة، بل وتعيين نائبًا له؛ مخاطبًا الشباب في ميدان التحرير: « أعتز بكم وبجيل مصري جديد يدعو إلى التغيير إلى الأفضل. أقول لكم قبل كُل شيء: الدماء لن تضيع هدرًا، ولن أتهاون في محاكمة المتسببين. وأقول لعائلات هؤلاء الشهداء: تألمت وأوجع قلبي كما أوجع قلوبكم. استجابتي لمطالبكم التزام لا رجعة فيه. عازم على الوفاء بما تعهدت به». وهو ما سبقه فيه بن علي حين ذكر في خطابه المُتلفز الأخير أنه لن يرشح نفسه لفترة رئاسية أخرى في انتخابات عام 2014، «أنا فهمتكم، تألمنا بسقوط ضحايا، ونرفض المزيد من العنف من جانب مجموعات سطو، وهذا حرام وعيب وليس تظاهر».

وبعد رفضه للاحتجاجات، والتعامل مع المتظاهرين باعتبارهم «خونة» كحال أقرانه السابقين؛ عاد البشير من جديد أيضًا كحال بن علي ومُبارك ليقدم تنازلات أمام تصاعد التظاهرات، متعهدًا في خطاب أكثر تجاوبًا مع مطالب المتظاهرين؛ إذ دعا البرلمان إلى عدم إجازة تعديلات دستورية كانت مقررة، ما يعني عدم تمكنه من الترشح للرئاسة مرة أخرى، وإقالة جميع ولاة المدن السودانية، ورئيس الحكومة الذي لم يبق في منصبه سوى شهور معدودة، قائلًا: «سأفتح الباب أمام الشباب لتقديم رؤيتهم الجديدة والمتنوعة، ويكون ذلك بالتدافع الحسن والحوار البناء مع الأجيال الجديدة. هي احتجاجات خرجت بمطالب مشروعة، ومطالب موضوعية كفل الدستور والقانون لها، درسنا أسباب التظاهرات، لن نيأس من دعوة الرافضين للحوار تحت سقف الوطن ومائدته الكُبرى. يظل انحيازنا للشباب انحيازا صادقًا وأمينًا؛ لأنهم يمثلون كل الحاضر والمستقبل، ونتفهم مطالبهم المشروعة».

حال مصر بعد 6 سنوات من رحيل مبارك

«كسب تعاطف الشعب» .. 3 محاولات بدأها بن علي واختتمها البشير

في خطاب الموجه لجموع الشعب، قال مبارك: «لم أكن يومًا طالب سلطة أو جاه، ويعلم الجميع ما قدمت للوطن حربًا أو سلامًا.. إن حسني مُبارك الذي يتحدث إليكم اليوم يعتز بما قضاه من سنين طويلة في خدمة مصر وشعبها، إن هذا الوطن هو وطني كما هو وطن كل مصري ومصرية، فيه عشت وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه. وعلى أرضه أموت، وسيحكم التاريخ بما لنا وبما علينا. إن الوطن باق والأشخاص زائلون».

خطاب مُبارك لكسب تعاطف الشعب

فيما سبق وقال بن علي: «قضيت 50 عامًا في مختلف المواقع، من الجيش الوطني للمسئوليات المختلفة. 23 على رأس الدولة. وكل يوم من حياتي كان وما زال في خدمة البلاد، وعملت تضحيات نرفض نعددها، لم أقبل يومًا بإسالة دم تونسي واحد. تألمنا لسقوط ضحايا. ونرفض أن يسقط المزيد».

أما البشير فقد استخدم الكلمات نفسها وقال: «والدي كان عاملًا فقيرًا دخله محدود، كنت أشتغل في الإجازة من أجل توفير مصاريف المدرسة وملابس السنة الكاملة». وأضاف أنه كان يعمل «طُلبه»، أي عامل بناء، مع أحد المقاولين، وسقط من على سقالة فانكسرت إحدى أسنانه. وجاء ذلك وسط حديث عن ضرورة توفير السلامة المهنية للعاملين. ثم أضاف أنه «تمضمض» بالمياه حتى توقف النزيف، ثم واصل عمله.

خطاب (الروووووب)البشير يستلطف العمال والمهنيين انا ابن عامل فقيربعت اللبن واشتغلت طُلْبهكان اشتغلت سلاق برضو #تسقط_بس

Geplaatst door ‎ودساب‎ op Donderdag 3 januari 2019

خطاب لعُمر البشير يتحدث عن ظروفه الصعبة

ثم أكمل أنه حينما أصبح ضابطًا بالجيش السوداني، طالبه البعض بتركيب «سَنّ»، لكنه رفض حتى يتذكر ما كان عليه في السابق. وتابع: «ما في واحد يحكي لنا عن الفقر والمعاناة. إحنا عشناها حقيقة»، ومضيفًا أنه سيعمل لتحسين ظروف العاملين السودانيين.

ترسم الخطابات الثلاثة السابقة، التي تتباين توقيتاتها الزمنية، وتتشابه سياقاتها السياسية، أن استخدام العاطفة لدى الحُكام العرب، واستدعاء وقائع عاطفية هي شرط أساسي في «كتيب الإرشادات» الخاص برؤساء الدول العربية للتحايل والالتفاف على مطالب المتظاهرين في ثورتي تونس ومصر؛ قبل أن يُكرره البشير، بإعادة الحديث عن خلفيته الاجتماعية، وتضحياته، باعتبارها وسائل تمنح خطابه شرعية؛ غير أن ثبوت فشل هذه الخطابات في بقاء بن علي ومُبارك يرجح احتمالية فشله في السودان، في ظل عودة التظاهرات من جديد في المدن السودانية.

ولعل الإشارة الأهم في ذلك هو تحدي «تجمع المهنيين السودانيين»، وهو الجهة الرئيسة لتنظيم الاحتجاجات، لما أعلنه البشير خلال كلمته التلفزيونية التي أعلن فيها حالة الطوارئ، مشددين على «مواصلة المظاهرات حتى تتحقق مطالبهم، وعلى رأسها تنحي النظام ورئيسه وتفكيك مؤسساته القمعية وتسليم السلطة لحكومة قومية انتقالية».

شباب السودان يصمدون في مواجهة القمع والقتل.. وهذه قائمة بأبرز بدلاء البشير

الشباب.. المُتغير الجديد في العملية السياسية

«الشباب» هو المُشترك الأخير الذي كرره البشير في خطابه أمس، بالمضمون نفسه الذي تناوله بن علي ومُبارك، حين توجهوا بنداءات مختلفة للشباب بضرورة المُشاركة في الحوار مع السلطة، وإطلاق نداءات للأحزاب السياسية بضرورة إشراكهم في العمل السياسي بشكل أكثر فاعلية.

Embed from Getty Images

عمر البشير يتوجه في خطاب للشعب السوداني

وأمس؛ خاطب البشير الشباب، قائلًا: «أدعو جميع من ذكرت سابقًا من تيارات سياسية وقوى مجتمعية وجماعات مُسلحة لاستيعاب المُتغير الجديد في المشهد السياسي والاجتماعي وهم الشباب؛ وذلك من خلال أطروحاتهم وتنظيماتهم وآليات جديدة يُتفق إليها معهم، وإشراكهم في البناء الوطني؛ أغلبهم ليسوا جزءًا من التنظيمات والقوى السياسية الموجودة على الساحة الآن».

ويمكن القول بأن إدراج الشباب في هذه الدعوة لم يكن أمرًا جديدًا؛ فالحديث عن هذا القطاع بهذه المثالية الزائدة لا يحضر إلا حين تثور ضد أنظمة حُكمها، وترفع راية العصيان، وتتحول لقوة قادرة على فرض مطالبها كما حدث في الثورة المصرية، حين كرر مبارك دعوته للشباب لحوارات مستمرة مع نائب الرئيس آنذاك عُمر سليمان من أجل بحث مطالبهم، وهو ما استجاب له البعض منهم؛ في حين غضب القطاع الأكبر من تجاوب من ذهب للحوار معهم، ورفضوا نتائج هذا الحوار.

الحال نفسه تكرر مع زين العابدين بن علي حين كرر في خطابه التجاوب مع المطالب الشبابية مثل الحرص على «عدم إغلاق مواقع التواصل الاجتماعية، والحرية الكاملة للإعلام، وتفعيل التعددية، ومواد دستورية تكفل مطالب الشباب»، وكرر أن الشباب هم عنصر رئيس، بل داعبهم قائلًا: «سألغي شرط الترشح للشباب».

المصادر

تحميل المزيد