على مدار العامين الماضيين، كان التلفزيون السعودي إحدى علامات حقبة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بعدما تحرر المحتوى المعروض فيه من المرور على «المراقب الديني»: القسم التابع لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي حدد عددًا من الضوابط لإذاعة البرامج والمسلسلات.

وأخذت القنوات التلفزيونية السعودية خطواتٍ كبرى نحو تغيير واسع، في نوعية إنتاجها الدرامي، فضلًا عن التوسع في التعاقد على مسلسلات تلفزيونية كانت محرمة على المواطن السعودي، كونها مخالفة للأسس الشرعية، ليودع التلفزيون السعودي المسلسلات «المحافظة» التي اعتاد ممثلوها الظهور بأزياء تراثية، ليتحدثوا فيها بلهجة خليجية ثقيلة، وتنتهج قوالب درامية ثابتة في كل المسلسلات.

اقرأ أيضًا: كيف يسيطر أمراء العائلة الحاكمة على الإعلام في السعودية؟

التلفزيون السعودي: ستشاهد مسلسل «الزعيم» حصريًّا.. وحفلات غنائية

شهدت المملكة العربية السعودية بوجه عام، خلال ولاية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، العديد من التغييرات الكبرى في نمط الحياة، خصوصًا تلك المتعلقة بالشأن الاجتماعي والثقافي عبر تشريع عدد من القوانين، وتعيين مجموعة من الأشخاص يتوافقون مع هذه التوجهات.

التلفزيون الرسمي للمملكة، كان أحد هذه التغيرات، التي جسّدت التحولات الكبرى التي تعيشها السعودية، إذ لم يكن تحرير المحتوى هو التغيير الوحيد الذي طرأ عليه؛ بل شرعت المملكة في إنتاج سعودي مُختلف، في قطاع الدراما والبرامج التلفزيونية.

فعلى رأس هذه التغيرات الجذرية التي حدثت، إذاعة المحطة الثقافية السعودية التي تديرها الدولة، تسجيل حفل غنائي للمطربة المصرية الراحلة أم كلثوم، بعدما كانت هذه الحفلات الموسيقية من المحظورات على تلفزيون المملكة.

هذه الحفلة التي أذاعها التلفزيون السعودي الرسمي، بحسب جريدة «عكاظ» السعودية، لن تكون الوحيدة، إذ توقعت الجريدة عرض عدد من الحفلات الغنائية لمطربات غير أم كلثوم، مثل: فيروز، وسميرة توفيق خلال الفترة القادمة.

حفلة أم كلثوم على التلفزيون السعودي

 

كما عرضت قناة «السعودية» في برنامج «صباح السعودية»، أغنية للفنانة الخليجية أحلام بعنوان «فلّ البيارق»، لتكون أول فنانة عربية تذاع لها أغانٍ عبر القناة. وشكرت الفنانة الإماراتية عبر حسابها الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي تويتر القناة السعودية على إذاعة الأغنية، وتباهت بكونها الأولى.

التغيير الكبير الطارئ على القوالب السائدة داخل التلفزيون السعودي، لم يقف عند هذا الحد؛ فقد تعاقد التلفزيون السعودي على عرض مسلسل «عوالم خفية» للفنان المصري عادل إمام، حصريًّا، في رمضان المُقبل، بجانب مسلسل آخر للفنان المصري عمرو يوسف.

الأمر الذي يبدو جللًا، خاصةً إذا قارننا هذه الأعمال وأبطالها مثل الفنان المصري عادل إمام -المشهور بأعماله التي تحتوي على مشاهد جريئة أو بعض الإيحاءات- مع ما كان يُعرض على تلفزيون المملكة في السابق من أعمال درامية مثل: «هوامير الصحراء»، و«الصراع»، والتي اتسمت نصوصها الدرامية بالتقليدية الشديدة، والتزمت في الحوار الدائر بين أبطالها بعبارات محافظة دينيًّا وأخلاقيًّا، تخوفًا من رد فعل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تمتعت -في السابق- بسطوة واسعة على كافة الأعمال الفنية.

وأخذت محاولات هذا التغيير الكبير، منحى جديدًا عبر استقطاب عدد من النقاد والروائيين والصحافيين السعوديين من الجنسين لتطوير المحتوى الدرامي؛ في خطوة لدعم المنتجين السعوديين ورفع مستوى الدراما السعودية، كي تنافس بجودتها الأعمال المقدمة في الفضائيات الأخرى، بحسب االموقع الرسمي لهيئة الإذاعة والتلفزيون.

أما حالة الحظر المفروضة على ظهور الفنانات في لقاءات مع التلفزيون السعودي على مدار 47 عامًا، فقد كُسرت بإجراء مقابلة مع الفنانة اليمنية بلقيس، على الهواء.

اقرأ أيضًا: قبل أن تصبح طي النسيان.. ذكريات المجتمع السعودي في زمن الصحوة

هذه التغييرات، أخذت أيضًا شكلًا إداريًّا وهيكليًّا داخل هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية، من خلال إنشاء شركة للإنتاج الإعلامي مملوكة للهيئة، تتولى تمويل مشاريع إنتاجية سعودية، وتستثمر في أصول هيئة الإذاعة والتلفزيون في مختلف مناطق المملكة، بميزانية تزيد على مليار ريال سعودي، وأعلن مجلس إدارة الهيئة تأسيس أكاديمية إعلامية متخصصة لتدريب العاملين داخل التلفزيون السعودي.

 

داوود الشريان.. رجل «ولي العهد» ومُهندس تغيير المحتوى التلفزيوني

على مدار أكثر من 12 عامًا، تنقل خلالها بين استوديوهات مجموعة قنوات MBC، وقدم برامج حوارية ذاع صيتها من المحيط إلى الخليج، كان داود الشريان رقمًا استثنائيًّا داخل معادلة الإعلام الخليجي؛ فهو السعودي الذي كسر القوالب السائدة في البرامج الحوارية، وقدم حلقات في الشأن السعودي، ناقش فيها القضايا السياسية عبر برنامجه الشهير «الثامنة»، تحت مرأى العائلة المالكة ومسمعها وقبولها بهذه المساحة الواسعة في مناقشة قضاياه دون قيود.

مقابلة تلفزيونية لولي العهد السعودي مع داوود الشريان

إحدى هذه القضايا «الساخنة» كانت في أبريل (نيسان) الماضي، بعدما تطرق الشريان، لفساد شركة سعودي أوجيه المملوكة لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وناقش «نهبها» المليارات من السعودية، وعدم سداد مستحقات الموظفين السعوديين؛ بل وصل به الأمر إلى توجيه اللوم المباشر إلى وزارة العمل السعودية من جراء عدم اتخاذها «إجراءات عملية وسريعة لمصلحة الموظفين والعمال».

اقرأ أيضًا: مطرودة من رحمة ابن سلمان.. مؤسسات سعودية تدخل مرحلة «التفنيش»

وبالتوازي مع سلطات الأمير الشاب الواسعة، وخططه المتشعبة في التغيير داخل جدران المملكة اجتماعيًّا ودينيًّا، كان الشريان هو الرجل المناسب للمهمة التي رسمها الشاب الثلاثيني، ولي العهد، لإنجاز خطة تطوير المحتوى التلفزيوني على القناة السعودية الرسمية، ببرامج تتشابه مع ما كان يقدمه الشريان، ومحتوى فني واجتماعي على خلاف الكليشيهات التلفزيونية المحافظة، التي «حافظت على أخلاق وقيم المجتمع السعودي»، بتعبير المسؤولين آنذاك.

بعد أكثر من 900 ساعة تلفزيونية و938 حلقة نارية حفلت بنبض الشارع وشؤون الناس، يودّع الشريان جمهوره ضمن حلقة ختامية مميزة قبيل انتقاله إلى «مهمة إعلامية جديدة».

كانت هذه العبارات الختامية التي ودع بها «الشريان» جمهوره في قناة «إم بي سي»، التي جرى اعتقال مؤسسها وليد الإبراهيم ضمن حملة اعتقالات ولي العهد السعودي الأخيرة؛ لينتقل إلى منصبه الجديد، رئيسًا لـ«هيئة الإذاعة والتلفزيون» السعودية (sbc) التي تضم أكثر من 20 مؤسسة إعلامية تلفزيونية وإذاعية أهمها التلفزيون السعودي.

حديث سابق لداوود الشريان عن أزمة شركة رئيس وزراء لبنان

وعن سبب اختياره من جانب ولي العهد السعودي لإجراء مقابلة حصرية معه على التلفزيون السعودي، قال الشريان إن اختياره جاء لأنه: «سعودي، لا بسبب انتمائه إلى قناة معينة»، بالإضافة إلى ثقة الأمير الشاب في الإعلامي السعودي. أما دور الشريان، المُعد سلفًا ضمن خطط ابن سلمان المستقبلية، بأن يكون مستشارًا إعلاميًّا، يهندس تلفزيون المملكة وفقًا لخطة التغيير الاجتماعية، ويستعان به في ضبط مقابلات الأمير الشاب مع الإعلام العربي والأجنبي.

وتُظهر السيرة الذاتية للشريان، نفوذه الواسع داخل الإعلام السعودي سواء التلفزيوني أو الصحافي؛ فهو خريج قسم الإعلام بجامعة الملك سعود، الذي بدأ حياته الصحافية عام 1976، وعمل في عدد من المطبوعات السعودية محررًا وكاتبًا ومديرًا للتحرير، قبل أن ينتقل إلى العمل التلفزيوني بين قناة دبي وقناة العربية السعودية، واستقر به المقام رئيسًا لمجموعة «إم بي سي»، ومقدم البرنامج الشهير «الثامنة».

وفي الشهور المقبلة، يتجه الشريان إلى خلق محتوى سياسي جديد، وآخر فني، بالإضافة إلى إنتاج برامج اجتماعية، على شاشة التلفزيون السعودي، يروج فيها لثقافة الأمير الشاب، فضلًا عن مساعيه إلى إنهاء احتكار الشركات اللبنانية الإعلانات وإنتاج البرامج التي يرى أنها «استغلت المملكة أكثر من المحتمل».

ويعزز الاتجاه إلى تخفيض حجم التعاون مع الشركات اللبنانية، في مجال الإنتاج التلفزيوني والإعلانات، حالة الشقاق السياسي بين المملكة ولبنان على خلفية إجراءات توقيف رئيس وزرائها، وأيضًا تورط بيار الشويري، المدير الحالي لشركة «شويري جروب»، وهي شركة لبنانية أدارت ملف الإعلانات التجارية في الشبكة سنوات، مع وليد الإبراهيم، صاحب شبكة «إم بي سي»، في قضايا فساد مالي تتعلق بالمملكة، والتي على خلفيتها جرى اعتقال الإبراهيم.

وتميل رؤية الشريان، من واقع مقالات رأي متنوعة، إلى ليبرالية أفكاره، والخروج عن الخط الرسمي للمملكة دينيًّا في بعض الأطروحات الاجتماعية.

 

هل ينهض التلفزيون السعودي على أنقاض إم بي سي وروتانا؟

في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وقع زلزال سياسي واقتصادي داخل جدران المملكة -لا تزال تبعاته قائمة إلى الآن- باعتقال عدد من الأمراء والوزراء السابقين، وكان من بين هذه الأسماء ثلاثة سعوديين من أهم مالكي الإمبراطوريات الإعلامية: الأمير الوليد بن طلال مالك قنوات روتانا، ووليد الإبراهيم صاحب شبكة «إم بي سي»، وصالح كامل مالك محطات «إيه آر تي».

Embed from Getty Images
«لوجو» قناة mbc 2 في أحد مهرجانات الإعلام

وتباينت التكهنات بشأن مستقبل هذه القنوات التلفزيونية، وخرائطها البرامجية المستقبلية، وما إذا كانت هذه القنوات ستندمج مع التلفزيون السعودي في سياق خطط التطوير القائمة في المحتوى والهيكل الإداري، خصوصًا بعد استدعاء داوود الشريان من محطة إم بي سي، لإدارة هذه الخطة الكبرى.

لكن إلى الآن لا يوجد قرار رسمي من السعودية يُحدد أنماط ملكية هذه القنوات، أو أشكال التغيير المحتملة بحق هذه المجموعات الإعلامية الضخمة، بالرغم مما تُشير إليه المعلومات المسربة من مديري هذه المجموعات إلى أن هذه القنوات تتجه نحو الدمج مع التلفزيون السعودي، خصوصًا بعد تداول الإعلام الخليجي معلومات عن دمج قنوات إم بي سي ضمن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر»، التي تتخذ من العاصمة السعودية مقرًا رئيسيًّا لها، ويستحوذ ولي العهد السعودي على أكثرية أسهمها.

وتشمل مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، عددًا كبيرًا من المطبوعات التي تصدر باللغتين العربية والإنجليزية، منها مجلة «سيدتي» وجريدة «الشرق الأوسط»، التي باع الوليد بن طلال حصته فيها قبل شهور (38%) لصالح ولي العهد.

وبحسب مصادر صرحت لجريدة «الأخبار اللبنانية»، فإن الشراكة الجديدة سوف ينجم عنها دمج «العربية» وإم بي سي ومطبوعات «الشركة السعودية للأبحاث والنشر»، ويُهمس حاليًا باسم عزام الدخيل ليكون رئيسًا تنفيذيًّا لها.

وشغل الدخيل في السابق منصب وزير التعليم السابق في المملكة، ويتولى حاليًا منصب الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للشركة السعودية للأبحاث والنشر. ويدعم هذه التسريبات انتقال داوود الشريان من محطة إم بي سي، فضلًا عن التوسعات والتغييرات الهيكلية داخل التلفزيون الوطني السعودي، وإذاعة لقاءات ولي العهد عليها بشكل حصري، والتعاقد على مسلسلات تلفزيونية كانت تستحوذ عليها مجموعة إم بي سي حصريًّا حين كان يرأسها الشريان.

وتُشير المعلومات أيضًا إلى سعي التلفزيون السعودي إلى استنساخ برامج تلفزيونية ترفيهية اعتادت شبكة إم بي سي على إنتاجها، باعتبارها أول شبكة قنوات فضائية ترفيهية غير مشفرة، إذ كانت أول من دخلت عالم البرامج الأجنبية المعربة، مثل: «أرب أيدول»، و«أرب جوت تالنت» و«ذا فويس». وجدير بالذكر أن حملة الاعتقالات التي طالت ثلاثة من حيتان السوق الإعلامية في الشرق الأوسط، تزامنت مع توسع موازٍ للمجموعة السعودية للأبحاث والتسويق، التي تُمثل الجناح الإعلامي لولي العهد في حُكمه الجديد.

اقرأ أيضًا: حفلات ومهرجانات في السعودية! كيف انتصرت هيئة الترفيه على «كبار العلماء»

وأطلقت المجموعة السعودية التي تتبع ولي العهد بصورة مباشرة، عددًا من المشاريع الإعلامية الجديدة كان آخرها الاستحواذ على حصة مسيطرة من شركة أرقام الاستثمارية والتجارية، التي تقوم على نشر المعلومات الاقتصادية والمالية على الإنترنت، فضلًا عن توقيعها اتفاقية مع شركة «بلومبرج إل بي» لإطلاق Bloomberg العربية.

ويبدو لنا مما سبق أن تلفزيون المملكة سيصبح في سياق خطة التغيير الكبرى، محطة تنتج محتوى مشابهًا لما كانت تنتجه قنوات إم بي سي، وتبدأ في إذاعة أفلام عربية قديمة وحديثة، من مكتبة قنوات روتانا، التي حصلت على حقوق شرائها؛ بل وربما تتبنى أيضًا شعار القناة التي عرفها عنها جمهورها من المحيط إلى الخليج: «مش هتقدر تغمض عينيك».

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!