في خضم الصراع الخليجي المحتدم بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى، وفي عصر أصبحت الحروف فيه تفعل ما يفوق فعل القنابل، لجأت تلك الدول منذ سنوات إلى الاستحواذ على منابر الإعلام الأجنبي متمثلة بالصحف والمواقع الإلكترونية إضافة إلى القنوات الأجنبية، وبُعيد الأزمة، بدأ المسؤولون في الدول المقاطعة لقطر بتوجيه سيل من الاتهامات لها بالاستحواذ على منصات إعلامية أجنبية لتحقيق مآربها وتنفيذ سياسة القوة الناعمة من خلال الصحافة الغربية، فهل هذه الدول بمنأى عن تلك السياسة؟

شكاوى إماراتية سعودية من شراء الصحافة الأجنبية

ندد وزير الإعلام السعودي عواد العواد، وفي فعاليات الدورة الـ48 لمجلس وزراء الإعلام العرب في الجامعة العربية، ندد بشدة بدور قطر في دعم وسائل الإعلام داخل وخارج قطر ودعمها للإرهاب على حد قوله.

كما اشتكى وزير شؤون الإعلام البحريني علي بن محمد الرميحي في الفعالية ذاتها من دور قطر في تمويل قنوات فضائية تحرض على العنف والتطرف والإرهاب على حد زعمه.

فيما نشرت قناة العربية المملوكة لمجموعة (mbc) على موقعها الإلكتروني خبرًا في 30 مايو (أيار) الماضي تحت عنوان «قطر تعادي جاراتها بالخليج عبر مشاريع إعلامية» وجاء في الخبر أن قطر تمول وتدعم العديد من الصحف والمواقع التي تتبنى أجندتها وتطلق بين فترة وأخرى حملات شرسة ضد السعودية والبحرين والإمارات، بالإضافة لبعض الدول العربية الأخرى أبرزها مصر. وجاء في سياق الخبر أن أبرز المشاريع الإعلامية التي تبنتها ومولتها الحكومة القطرية هي قناة وجريدة العربي الجديد ومقرها لندن، والتي يسيطر عليها عضو الكنيست السابق المقرب من أمير قطر عزمي بشارة، وفق ما جاء في نص الخبر.

كما اتهمت العربية قطر بتمويل موقع «عربي 21» الذي يتبنى الأجندة القطرية بحسبها في التعامل مع ملفات المنطقة ودعم حركات الإسلام السياسي، فضلًا عن أن قطر ساهمت في دعم وتمويل موقع «هافينغتون بوست العربي» الذي يشرف عليه إعلاميون يشتبه في أنهم على صلة بجماعة الإخوان المسلمين حسبما ذكر في موقع العربية.

كما أن لوزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، موقفًا من دور قطر في دعمها لوسائل الإعلام حيث اتهمها في تغريدات له على تويتر بعدم إمكانية القبول باستمرار دور قطر كحصان طروادة في محيطها الخليجي، ودعمها للمنصات الإعلامية والسياسية لأجندة التطرف على حد قوله. يذكر أن من ضمن ما طالبت به دول المقاطعة قطر، إغلاق كافة وسائل الإعلام التي تدعمها بشكل مباشر أو غير مباشر.

لكن في ذلك لم يذكر أحد بوضوح المعركة السرية الدائرة بين الأطراف المتصارعة للسيطرة والاستحواذ على الصحافة الأجنبية.

خريطة السيطرة الخليجية على وسائل الإعلام العالمية

المملكة العربية السعودية

في تنافس محتدم، تزداد شهية الدول الخليجية للسيطرة على الصحافة الأجنبية، ولعل آخر هذه الصفقات هي استحواذ السعودية على الصحيفة البريطانية الشهيرة «إندبندنت»، ووفقًا لموقع الخليج الجديد، دفع مستثمر غامض يقيم في المملكة العربية السعودية ملايين الدولارات إلى المؤسسة الإخبارية البريطانية التي تعرف بالدفاع عن القضايا الليبرالية.

كما أكدت صحيفة «فاينانشال تايمز» خبر استحواذ ثري سعودي على صحيفة «الإندبندنت» في خبر حمل عنوان «مستثمر سعودي يستحوذ على حصة رئيسية في الإندبندنت»، حيث حصل محمد أبو الجدايل، وهو مواطن سعودي يبلغ من العمر 42 عامًا، على حصة بنسبة 30% في شركة ديجيتال نيوز آند ميديا، وهي الشركة الأم للموقع الإلكتروني، بما في ذلك الأسهم التي باعها المساهمون الصغار له.

عمليات الاستحواذ الكبرى ليست وليدة الأزمة الحالية بين الدول الخليجية، فلها امتدادات ترجع إلى أكثر من عقدين من الزمن فقد نشرت صحيفة النيويورك تايمز في الـ29 من يونيو (حزيران) عام 1992 تقريرًا يوضح «متابعة استحواذ السعوديين على وسائل الإعلام لكسب النفوذ في العالم العربي».

وجاء في التقرير القديم أن السعودية استثمرت عشرات الملايين من الدولارات للحصول على وكالات الأنباء في الشرق الأوسط وأوروبا الغربية، ويوضح التقرير أنه في عام 1992 اشترت شركة الشرق الأوسط للإذاعة المحدودة، وهي شركة بريطانية يملكها وليد الإبراهيم، شقيق الملك فهد الراحل، شركة يونايتد برس العالمية بمبلغ 3.95 مليون دولار، وقالت الشركة في حينها «إن العملية جاءت لتعزيز نطاق جمع الأخبار للقناة الفضائية التي تبث باللغة العربية في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط».

وأضاف التقرير حينها أنه نتيجة لوفرة الإنفاق على مدى عقد من الزمان، أصبح السعوديون، ومعظمهم من أمراء العائلة المالكة السعودية وغيرهم من المقربين من الملك، يمارسون تأثيرًا مهيمنًا على الأخبار والآراء السياسية المقدمة لملايين العرب، ويختم التقرير بمعلومات تشير إلى أنه يوجد حاليًا في لندن (والكلام في عام 1992) ما لا يقل عن 12 منشورًا عربيًا مملوكًا للمملكة العربية السعودية، بما في ذلك أكثر الصحف اليومية العربية تأثيرًا – الحياة والشرق الأوسط – فضلًا عن العديد من النشرات الإخبارية مثل المجلة والوطن، المطبوعة أيضًا في المملكة العربية السعودية والبحرين والقاهرة والدار البيضاء، وكذلك في مرسيليا ونيويورك وفرانكفورت ولندن.

التمدد الإماراتي في الإعلام الغربي

سياسة الإمارات في الاستحواذ على وسائل الإعلام العربية والغربية ممتدة في أكثر من اتجاه، فقد عمدت الحكومة الإماراتية إلى شراء صحيفة العرب اللندنية التي كان يمولها الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي وموقع ميدل إيست أونلاين وغيرها من المواقع والصحف الإلكترونية.

كما نشر موقع الخليج الجديد قائمة بوسائل الإعلام التي تملكها الإمارات ممثلة بمنصور بن زايد وهي كل من قناة الغد العربي، وقناة سكاي نيوز عربية، وقناة الحياة، إضافةً إلى أن شركة أبوظبي للاستثمار الإعلامي مملوكة لمنصور بن زايد شقيق حاكم الإمارات، وتستحوذ هذه الشركة على أكثر من 25 علامة تجارية إعلامية بملكيتها وتشغيلها في قطاعات القنوات الفضائية والراديو والنشر والإعلام الرقمي إضافة إلى عقدها شراكات كبرى وواسعة مع شركات الإنتاج الإعلامي حول العالم، مثل شركة «ڤيڤو» لخدمة الموسيقى والفيديو والترفيه، ومجموعة «يونيفرسال ميوزيك» وشركة «سوني ميوزيك إنترتينمنت»، إضافة إلى شراكتها مع شركة «إيمج نيشن أبوظبي»، و«هيئة التطوير الإعلامي السنغافورية».

لم تكتف الإمارات بشراء وسائل الإعلام، بل ذهبت إلى ما هو أبعد – إذا صحت التقارير والمعلومات – وذلك باستعانتها بشركات العلاقات العامة البريطانية والاستعانة بكتّابها وصحافييها للتأثير في الرأي العام، فبحسب صحيفة العربي الجديد فإن الإمارات استعانت منذ عام 2010 بخدمات شركة العلاقات العامة والاتصال السياسي «كويلر» التي تضم فريق عمل كبيرًا من مستشارين سابقين لرؤساء الوزراء في بريطانيا وصحافيين وخبراء في الدبلوماسية العامة والعلاقات الدولية، وقد نجحت هذه الشركة في تجنيد عدد من الصحافيين وحتى النواب البريطانيين لإذكاء حملة العلاقات العامة الموجهة ضد قطر والإخوان المسلمين على حد سواء، ويمتد التوغل الإماراتي إلى الداخل العربي، حيث تشير تقارير إلى أن الإمارات تسيطر على ما يقرب من 60% من وسائل الإعلام الليبية ولها حصة كبيرة في سوق الإعلام اليمني والأردني أيضًا.

قطر ونفوذها في الإعلام الغربي

يشار إلى قطر من جهات عدة بتمويلها عدة مواقع إلكترونية واستحواذها على صحف أجنبية، لعل من أهمها استحواذ الدوحة على صحيفة «الجارديان» البريطانية عام 2013، كما تُتَهم الدولة الخليجية بتمويلها عدة مواقع إلكترونية لعل أبرزها موقع «هاف بوست عربي» الذي يديره مدير شبكة الجزيرة السابق وضاح خنفر، فضلًا عن مواقع أخرى كـ«عربي 21» وقنوات فضائية، وكانت صحيفة «اليوم السابع» المصرية المناوئة لقطر قد نشرت تقريرًا عن وجود مساهمين في شركة فضاءات ميديا مرتبطين بقطر ويمثلون الجهة التي تديرها الدوحة في توجيه وإدارة صحيفة العربي الجديد وتلفزيون العربي في العاصمة البريطانية لندن.

ويمتد نفوذ قطر أيضًا إلى المراكز البحثية حيث نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2014 تقريرًا عن تمويل قطر لمعهد «بروكينغز» منذ عام 2011 ومنحًا مالية بملايين الدولارات في مقابل فتح فرع للمركز البحثي في الدوحة.

هل استحواذ الدول على وسائل الإعلام الأجنبية يغيّر من سياساتها التحريرية؟

تختلف وسائل الإعلام باختلاف ملكيتها إذا ما كانت حكومية أم خاصة، وبالتالي فإن تأثير المال في وسائل الإعلام الخاصة سيكون مختلفًا عما هو عليه الحال في المؤسسات الإعلامية المدعومة حكوميًا والتي تمثل توجهات الحكومة في كل الأحوال.

في تقرير لصحيفة البيان الإماراتية في مايو (أيار) 2015 يرى الإعلامي كفاح الكعبي أن «المال هو ما يتحكم في كل صغيرة وكبيرة في العمل الإعلامي، وأن صاحب رأس المال يتحكم في توجهات الوسائل الإعلامية بمختلف أنواعها. وأضاف أن التأثير لا يقتصر على صاحب رأس المال أو مموّل الوسيلة، وإنما يتعدى ذلك إلى المعلنين الذين باتت لهم سطوة على بعض وسائل الإعلام، نظرًا إلى أنهم عامل رئيس في استمرار عملها»، بينما يرى عبد الناصر النجار نقيب الصحافيين الفلسطينيين أن الملكية لها دور فاعل في السياسة التحريرية لأي مؤسسة إعلامية مشيرًا إلى أنه في حال كانت الملكية خاصة، فإن تأثيرها في الرأي العام والإعلاميين العالميين أقوى، وأشمل في كل ما تتضمنه من رسائل وسياسات إعلامية.

ويرى النجار أيضًا: «أن بعض الصحافيين قد يقعون تحت ضغط وتأثير السياسة التحريرية، ويخرجون عن إطار المهنة وأخلاقياتها، ويصبحون أسرى لسياسات مؤسساتهم، لأجل الحفاظ على مصدر رزقهم».

لكن على جانب آخر، يرى العديد من المراقبين أن هذا التحكم لرأس المال في السياسة التحريرية، هو سمة لمنطقتنا العربية بشكل أساسي، أما بالنسبة للمؤسسات الصحافية الأجنبية العريقة فلها تقاليدها التحريرية التي يصعب تغيير وجهتها بتغير رأس المال، وإلا ربما يتحول الأمر إلى أشبه بفضيحة عالمية للمالكين الجدد، لكن يظل مع ذلك تأثير الاستحواذات كبيرًا، فعلى أقل تقدير، قد يصعب أن تجد بعد الآن حملة صحافية تشن على قطر من خلال الجارديان، أو أن تجد حملة منظمة للتحقيق عن غياب حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية على الإندبندنت.

المصادر

تحميل المزيد