عودة بآلة الزمن

لو كنت زائرًا لفرنسا في عام 2013، كان بإمكانك عزيزي القارئ لو تجولت في مكتباتها، أن ترى بوضوح على رفوفها عناوين تشاؤمية غاضبة من قبيل: «إفلاس فرنسا الفريد»، و«حين تستيقظ فرنسا»، و«إعادة اختراع فرنسا»، و«أعزائي الفرنسيين هل أنتم مستعدون للثورة القادمة؟». ولو تعبت من تلك الجولة حينها، ومن فرط التشاؤم المنبعث من عناوين الكتب، وقررت الذهاب لتناول وجبة عشاء راقية في مطعم من مطاعم فرنسا الفاخرة، فستكتشف أن الأطعمة المجمدة صارت تشكل 70% من الأطباق المقدمة في المطاعم الفرنسية، وهو ما يشير بقوة إلى الانحدار الذي شهده المطبخ الفرنسي العريق، ذو السمعة العالمية، منذ بداية القرن الحالي.

وفي رواية ميشال ويلباك، الملقب بخليفة الماركيز دو ساد، «الخريطة والأرض»، الحائزة على جائزة جونكور عام 2010، تنبأ ويلباك بمستقبل فرنسا الاقتصادي على نحو أخاف مثقفيها؛ توقع أن تصبح بلدًا مهملًا للصناعة، وأكثر اعتمادًا على السياحة، والحرف التقليدية، والفنادق الفاخرة التي تستضيف العشاق.

وفي منتصف عام 2014، وقبل فوز ترامب وقبل البريكست، وقبل حتى الحديث المتصاعد عن صعود اليمين، لاحظ الكاتب الألماني بصحيفة دير شبيجل، أليكسندر سمولتشيك، أن ثمة أمرًا يدعو للانتباه والتحذير فيما يخص فرنسا، التي شهدت في هذا العام نسبة نمو في اقتصادها منخفضة للغاية ومعدل بطالة مرتفعًا؛ كتب أليكسندر مقالًا بعنوان «فرنسا.. رجل أوروبا المريض».

قال سمولتشيك في صدر مقالته آنذاك: «لماذا يسافر الناس إلى فرنسا إذًا؟ وكيف يمرون عليها دون أن يشعروا بهذه الكآبة المنتشرة في ربوعها اليوم؟ هناك شيءٌ ما عبثي في فرنسا. فالمزاج العام لم يكن بائسًا قط كما كان هذا الصيف، وشعبية الرئيس كذلك في الحضيض، إذ يظن المرء يوميًا أنها يستحيل أن تنحدر أكثر من ذلك، ثم يصحو ليجدها قد انحدرت أكثر. الكثيرون فقدوا إيمانهم بأقطاب السياسة التقليدية ويتجهون إذن نحو اليمين المتطرف».

وكانت صحيفة لو ماليز الفرنسية، قد وصفت حال فرنسا في هذا العام، فوجدت أنها أشبه ما تكون بكوبا، ففرنسا «أرض الأنوار» صارت مُهانة، وفقيرة، ومثقلة بالديون، ومنقمسة، وتبدو وكأنها على نفس الوضع الذي كانت عليه قبل الثورة التي غيرت وجه التاريخ عام 1789، بحسب الصحيفة؛ يذكرنا هذا بعنوان الكتاب الذي ذكرناه قبل قليل «أعزائي الفرنسيين هل أنتم مستعدون للثورة القادمة؟».

انتخابات الرئاسة الفرنسية.. دروس ترامبية كاشفة!

لم يكن الكثير من الناس يقتنعون بأن العالم على حافة تغير هائل سيشهده خلال الفترة المقبلة، حتى جاءت نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية معلنةً فوز الملياردير اليميني الأمريكي، الذي ورث ثروة كبيرة عن أبيه والذي اشتهر بخطابه العنصري؛ دونالد ترامب.


استطاع كبار السن من البيض، الذين يمتلكون مشروعات تجارية صغيرة، أو يعملون في قطاعات صناعية منهارة؛ أن ينتصروا على أصوات الشباب القاطنين في المدن الرئيسية من ذوي التعليم العالي، إذ استطاع كبار السن أن يرجحوا كفة ترامب. على الجانب الآخر فإن هيلاري كلينتون مرشحة الليبراليين، و«وول ستريت»، وخبراء رأس المال الإستراتيجيين، خسرت الانتخابات في ثلاث ولايات صناعية عتيقة، تعاني من تراجع الصناعة، هي بنسلفانيا وميشيجين ويسكونسن، بالإضافة إلى المدن الصغيرة والمناطق الريفية. يذكرنا هذا فيما يخص المشهد الفرنسي، برواية الخريطة والأرض، التي أفزعت الفرنسيين حول مستقبل القطاع الصناعي في اقتصادهم.

كانت الطبقات العاملة البيضاء هي الدعامة التي دفعت بترامب إلى الصدارة، فالعمال النقابيون الذين تضرروا من تراجع التصنيع ومن إحلال الآلات بدلًا منهم فيما يسمى بـ«الأتمتة»، فضلًا عما مثلته لهم العولمة من عدو بغيض لأنها أحلت أيضًا العمال الأجانب مكانهم، قد تفاعلوا مع خطاب ترامب الذي أشعل الحنين بداخلهم لاستعادة أمريكا العظيمة على حد وصفه، على أمل باستعادة وظائفهم التي فقدوها معها.

هي نفس القصة التي حدثت في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على كل حال، إذ توجه الناخبون المهمشون من خارج لندن ليصوتوا مع الدعاوى اليمينية بالخروج من الاتحاد الأوروبي، هكذا بات قطاع عريض من أبناء الطبقة العاملة البيضاء، الذين اعتاد آباؤهم وأجدادهم على التصويت لليساريين في أغلب الأحيان، أكثر ميلًا لتصديق اليمين الشعبوي بأنه القادر على تحقيق أحلامهم.

دفع اليميني ترامب بمطالب الطبقة العاملة البيضاء، الذين يمثلون عماد الطبقة الوسطى الأمريكية، إلى صدارة أولوياته، وشجب الاتفاقيات الاقتصادية الدولية التي تضر بمصالح عمال بلاده، وهاجم النخب الاقتصادية الكونية، بل وظهر الملياردير وكأنه يساري حين هاجم التفاوت الكبير بين الطبقات في بلاده، وسيطرة شبكات المصالح وجماعات الضغط المالية على القرار السياسي الأمريكي، ووعد بشن حرب على الاتفاقيات الاقتصادية التي تقلص فرص عمل المواطنين الأمريكيين، كما وعد بتقليص القيود البيئية التي تمنع التوسع في قطاعات التصنيع والفحم.

جدير بالذكر أن المفكر الأمريكي الليبرالي فرانسيس فوكوياما، كان قد فكك وعود ترامب للطبقة العاملة البيضاء، بعد الانتخابات، حين كشف عن أن تلك الصناعات التي تشهد تراجعًا من حيث توظيف الأيدي العاملة، تشهد في الحقيقة توسعًا كبيرًا منذ الركود الاقتصادي في عام 2008، لكنها صارت تعتمد أكثر فأكثر على الآلة بدلًا من الإنسان، ولو أن ترامب واجه ذلك بحرب مع الآلات ومع الشركات متعددة الجنسيات على أراضي بلاده، فإن هذا سيعني بحسب فوكوياما، حربًا تجارية كبيرة، تخسر فيها بالأساس الطبقة العاملة في قطاع التصدير للشركات الكبرى.

في فرنسا كما في أمريكا، تتصاعد شعبية اليمين في المناطق الريفية والمدن الصغيرة، وبين القوى العاملة البيضاء، والواقع أن المنظرين بدؤوا منذ فوز ترامب في الحديث عن أن العالم يشهد ظاهرة واضحة، هي ظاهرة الرؤساء الممثلين للقومية الشعبوية، الذين يحظون بشعبية كبيرة بين كل أرجاء بلادهم وخاصة في المناطق الريفية والفقيرة، لكنهم يفتقدون تلك الشعبية في عواصم بلادهم ومدنها الكبيرة، وبين الشباب المثقفين. ينطبق الأمر على بوتين، الذي يشهد شعبية كبيرة في كل روسيا، باستثناء الأوساط الشبابية المثقفة في موسكو وسان بطرسبورج، وكذلك الرئيس المجري أوربان المتمتع بشعبية ضخمة في شتى أنحاء بلاده، باستثناء العاصمة بوادبيست، ومثله أردوغان صاحب الشعبية الكبيرة بين الطبقات الوسطى الدنيا التركية المحافظة، ومثلهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وغيرهم.

المفكر الليبرالي الأمريكي فوكوياما


بدأ المنظرون يرون الأمر على أنه ظاهرة تخبرنا بالكثير عن نفسها، فنحن أمام عالم جديد يتشكل، يدفع بمصالح ووجدان مجموعة من الطبقات العاملة المهمشة إلى الصدارة، مع خسارات مدوية للنخب المثقفة والليبرالية التقليدية.

لاحظ مارك بليس، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة براون، هذا الأمر وقدم على أساسه أطروحته «الترامبية العالمية»، وخلص فيها إلى أن النيوليبرالية كانت ثورة رجال الأعمال على النظام السائد، واستطاعوا من خلال آلياتها وسياساتها، محاربة التضخم وإخضاع العمال، عبر التخلص من سياسة التوظيف الكامل التي انتهجتها الدول منذ الحرب العالمية الثانية وحتى بداية السبعينيات، فكرست النيوليبرالية البطالة وركود الأجور ليصبحا مَرَضَيِ العصرِ بدلًا من التضخم (مرض العصر الذي سبق النيوليبرالية).

في ظل النيوليبرالية بحسب بليث، انهار العمال الذين صاروا مجرد مدينين، في عالم النيوليبرالية الذي خُلق من أجل الدائنين، وارتفعت نسبة رأس المال من مجمل الدخل القومي، لأعلى معدل وصلت إليه منذ نشوء الرأسمالية تقريبًا، وصار النيوليبراليون ورواد الأعمال والتكنوقراط ومديرو البنوك، هم من يتحكمون في حياة ومصائر البشر، بدلًا من الحكومات والبرلمانات المنتخبة التي لم يعد لها معنى، في عالم النيوليبرالية.

رأى بليث باختصار أن «النيوقومية» هي ثورة انتقامية من المدينين والطبقات العاملة التي تحطمت على صخور النيوليبرالية، فهي ثورة ضد النخب التي تدفع كلها إلى سير العالم على ما هو عليه والاحتفاظ بنمطه، حيث يسدد الفقراء ديونًا هائلة للأثرياء، ولا مجال للتفاوض على السداد في عالم يحارب التضخم بنجاح، ويستمتع برؤية الركود والبطالة، وبرؤية الطبقات العاملة وهي تعيش أعمارها في اضطراب وقلق على حافة الحياة، لا تستطيع أن تلجها.

يلمح بليث ها هنا بوصفه رجل اقتصاد سياسي، إلى أن الظواهر التي تبدو متطرفة ويمينية في ظاهرها، إنما هي تحمل باطنًا ربما يراه البعض تقدميًا، وربما يرى فيه البعض نجاحًا لثورة عمال هادئة، جاءت عبر صناديق الاقتراع في مواجهة النخب الاقتصادية التقليدية.

بات العديد من المنظرين يتحدثون عن أننا بصدد توديع النيوليبرالية لمشاهدة عالم جديد هو عالم «النيوقومية»، وأن القواعد التي نشأ عليها العالم الليبرالي القائم بالأساس على تجارة دولية تحكمها قواعد، هو في طريقه للزوال، لصالح أنظمة يمينية شعبوية مؤمنة بالاقتصاد القومي، اختارتها الجماهير الفقيرة المدينة، لتنتقم بها من عالم النخب المالية التقليدية والدائنين.

لكن على الأرجح فإن المشهد الفرنسي قد يخبرنا بحقائق مكملة، تقوض هذه الرؤية.

فيون.. «أعزائي الفرنسيين هل أنتم مستعدون للثورة القادمة»؟

بعد سنوات التشاؤم الفرنسية التي بيناها في بداية حديثنا، بدأت رحلة انتخابات الرئاسة الفرنسية، إذ سيعلَن عن الرئيس الجديد للجمهورية في عام 2017، وفي مفاجأة غير متوقعة، انتصر فرانسوا فيون في الانتخابات التمهيدية بفارق 15 نقطة، على منافسيه ساركوزي وآلان جوبيه، ليكون بذلك مرشح يمين الوسط في الانتخابات الرئاسية، وقد بات فيون في نظر الكثير من المراقبين، هو الرئيس المحتمل لفرنسا، والأوفر حظًا للفوز بالسباق الانتخابي، في ظل تدهور اليسار الفرنسي، وفي ظل إشارات استطلاعات الرأي حول ضعف فرصة مارين لوبين في الفوز بالسباق.

تقول الباحثة الفرنسية في الفلسفة السياسية لورا جاريك، والتي تَواصَلَ معها «ساسة بوست»، أن غالبية جمهور اليمين، وغالبية جمهور فيون، هم من سكان المناطق الريفية والمدن الصغيرة، وأن هؤلاء قد ملوا من وعود اليسار، فاليسار من وجهة نظر لورا هو يميني أيضًا ولا يختلف عن النيوليبراليين في السياسة الاقتصادية، إلا في أمور شكلية غير جوهرية، وتؤكد لورا أن اليمين قد استطاع مخاطبة المطالب الاقتصادية بالفعل أكثر من اليسار، بالأخص فيما يتعلق بمحاربة العمال المهاجرين، إذ استطاع اليمين أن يقنع الجماهير الشعبية بكون هؤلاء المهاجرين هم السبب في بطالة الفرنسيين، هذا بالإضافة إلى خطاب اليمين الذي يتوجه لمشاعر الخوف وذكريات الحوادث الإرهابية، فهو يشدد على فكرة قدرته على منح الأمن والأمان لفرنسا، ومحاربة الإرهاب بجذرية.

على جانب آخر، في بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، نشر بروكنجز بحثًا مفاجئًا ومخالفًا للسائد من الظنون، فقد أثبتت أرقام البحث أنه على الرغم من كون الاقتصاد الأمريكي حسب الإحصاءات التقليدية، أفضل حالًا بكثير من الاقتصاد الفرنسي، حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد الفرنسي الواحد يبلغ أقل من ثلثي نظيره الأمريكي، إلا أننا لو قمنا بتوسعة زوايا البحث الاقتصادي لتشمل أمورًا متعلقة بالصحة، والسعادة، ووقت الفراغ الكافي لمشاركته مع الأصدقاء والعائلة، والشعور بالمساواة؛ فسنجد أن المواطن الفرنسي يتمتع في أوجهٍ كثيرة بحياة أفضل من نظيره الأمريكي.

رسم بياني يقارن نمو اللامساواة بين الطبقات في كلٍّ من أمريكا وفرنسا، مصدر الصورة: (بروكنجز).


أثبتت الدراسة أن المواطن الفرنسي يعمل عدد ساعات أقل بساعة يوميًا من نظيره الأمريكي، وأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء أوسع بكثير في الولايات المتحدة الأمريكية منها في فرنسا، كما أن المواطنين الفرنسيين يتمتعون بصحة أكثر، وسمنة أقل، ومتوسط عمر أكثر ارتفاعًا من نظرائهم الأمريكيين.

وعلى الأرجح إذا ما وصل فيون إلى السلطة فإن هذه المزايا الفرنسية، التي لا تظهر في الإحصاءات التقليدية، ستكون على موعد مع التدهور والاختفاء، فالمرشح المحافظ، المشهور بعدائه للإسلام ولزواج المثليين والفخور بحقبة الاستعمار الفرنسي، هو فيما يتعلق بالاقتصاد، ليبرالي للغاية.

يحمل فيون مشروعَ إصلاحٍ نيوليبراليًّا صارمًا للغاية، بـإلغاء حوالي نصف مليون وظيفة بالقطاع العام خلال خمس سنوات، وتمديد سن التقاعد إلى 65 عامًا على الأقل، وتمديد عدد ساعات العمل في الأسبوع من 35 ساعة إلى 39 ساعة، هذا فضلًا عن نيته في خفض الإنفاق العام 100 مليار يورو خلال السنوات الخمس القادمة، وزيادة ضريبة القيمة المضافة، وتخفيض نسبة الضرائب على الأثرياء والشركات الكبرى بين 30% و50%.

هكذا يصعد فيون على كتف الفقراء والريفيين بخطابه القومي الشعبوي المحافظ من جانب، وعلى كتف رواد الأعمال والأثرياء والمقاولين الذين دعموه في الجولات التمهيدية من جانب آخر، حيث يحتفظ اليميني بعلاقات وثيقة مع الأوساط الاقتصادية الفرنسية الليبرالية، ورجال الأعمال، والمستثمرين.

يبدو أن فيون كان تتمة عنوان الكتاب الذي تصدَّر رفوف المكتبات الفرنسية في عام 2013، «أعزائي الفرنسيين هل أنتم مستعدون للثورة القادمة؟».

في الجارة بريطانيا قامت المرأة الحديدية مارجريت تاتشر، وتزامن معها رونالد ريجان في الولايات المتحدة الأمريكية، في ثمانينيات القرن الماضي، بثورة اقتصادية رسخت النيوليبرالية وفتحت آفاقًا من الأرباح الخيالية لرجال الأعمال، حيث عالم الركود وإخضاع قوة العمل، كما ذكر مارك بليث في أطروحته عن «الترامبية».

فيما يتعلق بثورة تاتشر في الثمانينيات، تلك المرأة الحديدية التي لقبها معارضوها بـ«سارقة حليب الأطفال»، بعد رفعها الدعم عن كل شيء يساعد الفقراء على الحياة، حتى حليب الأطفال، فقد أنتجت تلك الثورة، بعد مرور ثلاث سنوات فقط عليها، ارتفاعًا في نسبة البطالة بخمسة أمثال تقريبًا، ودعمًا للأنظمة الاستبدادية والعنصرية في العالم، وارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الفقر، وارتفاعًا أكبر في أرباح رجال الأعمال والشركات الكبرى، وربما لن يكون مفاجئًا إذا ذكرنا أن فرانسوا فيلون يشتهر في الصحافة العالمية بلقب تاتشر فرنسا، نظرًا لإعجابه الشديد بها وبأفكارها الاقتصادية، وأمله في تكرار تجربتها ببلاده.

هكذا وإذا جاز استخدام تعبير مارك بليث، فإن فيون سيكون ثورة فرنسا المنتظرة، حيث استعصت البلاد على التحول النيوليبرالي الكامل لعقود مضت، لكنها لن تكون على الأرجح في حالة فوز فيون ثورة ترفع مطالب الطبقة العاملة البيضاء إلى الصدارة، ولن تمثل انتقامًا من الدائنين، وإنما هي وبالنظر إلى برنامج فيون الاقتصادي، ستكون ثورة مضادة على المدينين، الذين كان العالم في انتظار ثورتهم القادمة؛ ثورة تمنح الركود والبطالة وإعطاء الأولوية دائمًا لمكافحة التضخم، قبلة حياة.

في مقال نشر على الـ«وول ستريت جورنال»، لسيمون نيكسون، لاحظ الكاتب المفارقة، فبدأ مقاله عن التحول الثوري باتجاه السوق الحرة في فرنسا إذا ما فاز فيون، بالتعبير عن الاندهاش من أنه في الوقت الذي يدير العالم ظهره فيه للعولمة، تتجه فرنسا لاحتضان النيوليبرالية أكثر من أي وقت مضى.

في الواقع لا يبدو الأمر هنا منفصلًا، ولا يبدو على طريقة مارك بليث، أننا على وشك توديع النيوليبرالية والترحيب بالنيوقومية بدلًا منها، فها هي تجربة فيون الفرنسية تترسخ فيها النيوليبرالية وتتكرس في أحضان «النيوقومية»، وفي أحضان الشعبوية.

بالنسبة للباحثة لورا جاريك، التي تواصل معها «ساسة بوست»، فإن «النيوقومية»، هي ترياق النيوليبرالية الحالي الضروري لاستكمال مسيرتها، فهي بمثابة مسكن لتناقضاتها البنيوية الدائمة، وهي تحوُّلٌ ضروري مرتبط بالمرحلة الزمنية، لاستيعاب المهمشين مرة أخرى داخل المشروع النيوليبرالي الكبير، وتحت رعاية نفس النخبة الاقتصادية.

في الحقيقة، لم تكن كل ذكريات السياسات الشعبوية سيئة، فالسياسات الشعبوية كانت مفتاح نجاح الولايات المتحدة الأمريكية للخروج من كارثة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وتطبيق الفلسفة الاقتصادية الكينزية، التي وفرت الرفاهية والحياة الرغدة لقطاعات عريضة من الشعب الأمريكي آنذاك، لكن ربما ترتبط السياسات الشعبوية هذه المرة في فرنسا بإجراءات وخطط اقتصادية مضادة للطبقات الشعبية نفسها التي تهتف لها.


عرض التعليقات
تحميل المزيد