الاعتقاد السائد بضرورة السعي الدؤوب طوال الوقت نحو الشعور بإيجابية يتنافى تمامًا مع طبيعة الجنس البشري.

سأخرج عن صمتي لأعلن هذا الاعتراف الصادم أو حتى المُخزي: أنا لست شخصًا سعيدًا. وفي الحقيقة، أنا ذلك الرجل الذي يوقفه الغرباء في الشارع لينصحوه بأن يبتهج قليلًا، كما لو أنه لم يحدث أبدًا.

ولكني أؤكد كذلك بأنني لست شخصًا غير سعيد، فأنا أحب الضحك وبعض رواياتي يُشار إليها بأنها تحمل طابعًا كوميديًا جيدًا إلى حد ما. كأغلب البشر، فإنني أخضع للمزاجيات التي تتغير وتتحول، فأحيانًا أشعر بالسعادة وأحيانًا أخرى أشعر بالحزن، ولكني في أغلب الأحيان لا أشعر بأي منهما، إذ ينشغل عقلي بأمور أخرى. فمشاعر الإحباط والخوف والفقدان تشكل جزءًا من حياتي تمامًا مثل مشاعر الإنجاز والأمل والابتهاج، فجميعها يكمل بعضها الآخر.

ولكن يبدو أن هذه الحالة غير المستقرة لم تعد مقبولة على المستوى الاجتماعي، إذ يبدو أنني مطالب سواء علنًا أو ضمنًا بأن أبقى في حالة متواصلة (وعلى وشك الانفجار) من الشغف أو الحماس تجاه أمر ما أو أتطلع إلى أمر آخر. وإذا لم أفعل، فإنني إذًا رجل عجوز شكاء وغير اجتماعي، بل والأسوأ من ذلك هو تصنيفي بالفشل، لأنني إذا كنت ناجحًا، فلابد وأن أكون سعيدًا، أو حتى تصنيفي بأنني لست شخصًا جيدًا كما لو أن السعادة قد أصبحت هدفًا مقصودًا في حد ذاته.

دائمًا ما نسمع العبارات التي تؤكد لنا وبكل ثقة أن السعادة هي الهدف الأكبر في حياتنا، وهي ما نحصل عليه نتيجة عملنا الدؤوب والتسوق وممارسة مختلف الألعاب والتمارين والتبرع للحالات الإنسانية والمشاركة في مسرحية “الرأسمالية المتأخرة”، وذلك لأن الرأسمالية تحب وضع السعادة هدفًا، لما قد تقدمه من عدد لا حصر له من المنتجات التي تعد بتوفير هذه السعادة. وما إن تفشل في تقديمها حتى تطرح منتجات أخرى بديلة بوعود مماثلة، وهكذا دواليك.

تراهن التجارة على عنصر فقدان السعادة لتحقق نجاحاتها، وذلك بأن الناس قد يصبحون أكثر سعادة، إذا صاروا أكثر نحافة أو لياقة أو حصلوا على المزيد من الشهرة أو التسلية، وها هو المنتج الذي يحتاجونه.

أنا لا أدافع عن البؤس، بل إنني أبعد ما يكون عن ذلك. السعادة أمر رائع لك ولكل من حولك، ولا شيء يمكنك أن تقدمه لمحبيك أسمى من منحهم السعادة، ولكن لا تشعر بالخزي إذا لم تنجح في ذلك.

أتمنى لو كنت سعيدًا طوال الوقت، ولا أظن أن هذا الافتراض واقعي من الأساس، أليست الكوارث اليومية التي تقدمها نشرات الأخبار مزعجة بما يكفي؟ وفكرة دنو الموت تؤرقني، والعجز والمرض يخيفانني، فالمصاعب التي تقف في وجه التواصل البشري قد تؤدي إلى المزيد من الانعزال كما الاتصال وبالقدر ذاته. وما يتسم به الأقوياء من فساد وانحلال ما هو إلا منبه يومي لنا بمدى تفشي الظلم. فالأغلبية العظمى من الناس يعملون بكد بل ويبذلون المزيد والمزيد من المجهودات في عملهم لينفقوا في النهاية أو على الأقل يوفروا متطلبات الحياة، وهو الأمر الذي يشعرني بأقصى درجات الأسى.

إذا لا تصدق ذلك، فعليك إذًا بالنظر إلى وجوه الناس في الحافلات والقطارات وهم متوجهون إلى أعمالهم وهو ما يشبه “السعادة البائسة” التي تبدو على وجوه الصبية السكارى في مطعم الكباب خلال سهرة نهاية الأسبوع. كما إن أهم وأعظم الأعمال المسرحية في تاريخ البشرية من “إلكترا” ومرورا بمسرحية “هاملت” وحتى “نظرة من الجسر” تحمل الطابع التراجيدي، وهذا ليس من قبيل المصادفة على الإطلاق.

بالطبع، تقتضي الضرورة تجاهل هذه الحقائق، فكما يقول الشاعر “تي إس إليوت”، الجنس البشري لا يمكنه تحمل الكثير من الواقعية. وكل ما أقوله إننا في حاجة للأغاني الحزينة للمغني “نيك دريك” تمامًا مثل أغاني البهجة والفرح للمغني “فاريل ويليامز”، ونحظى بوجود معزوفة ترتيلة الموتى للعازف “موتسارت” كما نحظى بوجود معزوفة نهر القمر للعازف “مانتوفاني”. وفي وقت ما، كان الاستماع لمغنين من أمثال “موريساي” و”إيان كورتيس” أمرًا جديرًا بالاحترام دون أن يقلل أحد من شأنك، وحتى المغنيان “توني هاتكوك” و”ليونارد روستير” أصحاب الأغنيات الحزينة قد كانا بمثابة أبطال قوميين. ولا يوجد بديلٌ لهم في يومنا هذا.

يقولون إننا قد نجد السعادة من خلال الأعمال الطيبة، وهذا يمثل رأي فئة ما. ولكني قد أصاب بالإحباط تماما كما قد ترتفع معنوياتي عند القيام بالأمر السليم، ولذلك يصعب القيام به. أما الحقيقة الخفية فهي أن الإيثار قد يتركك وحيدًا تمامًا مثل الأنانية. لا أدافع عن الأنانية، ولكن كل ما أقوله: لو كانت “الطيبة” سهلة، لما كان لها مؤيدون؛ لكانت شكلًا من أشكال السعادة ببساطة.

يسرني بحق أن نشعر جميعًا بالسعادة والابتهاج منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ولكني أخشى أن تأتي هذه الإيجابية بنتائج عكسية. كما أن السعي الدائم للشعور بالسعادة يعرقل شعورنا بالرضاء، لأننا نضيف طبقة جديدة من مشاعر فقدان السعادة إلى حياتنا إذا ما شعرنا بإخفاقنا في تحقيق ما يبدو الهدف الأساسي من حياتنا. وقد حددت الأمم المتحدة الآن اليوم العالمي للسعادة وبناء على ذلك نتلقى الأوامر بأن نشعر بالسعادة مقابل أن يتم ترويج كيس يحمل الأحزان أو حتى غطاء رطب يفي بجميع الأغراض لنا. وإذا لم أكن مشاكسًا كئيبًا من قبل، لسعيت وراء هذه الجرعة تحديدًا وهي حالة كلاسيكية من معاداة السعادة. كما يوجد أدلة كثيرة تفيد بأن السعادة والابتهاج لا تشبع روح العصرللدرجة التي نفترضها، بل الإصابة بمرض الإحباط يحقق أرقامًا قياسية، والأطفال يمرون بضغوط أكثر من أي وقت مضى، والانتحار هو السبب الأساسي للوفاة لمن هم أدنى من 35 عامًا.

تنتشر مشاعر فقدان السعادة حولنا في كل مكان، فما الداعي للتطرق إليها مطولًا، بالطبع لا داعيَ لذلك، ولكن يجب ألا نرفض الإقرار بها. فقنوات التليفزيون تعكف على الترويج لفكرة السعادة من خلال الإصرار على التعريف بأنماط حياتية مليئة بالحيوية والإبداع والرضاء، مما يجعلني أشعر بالقصور والدونية لأن حياتي لا تأخذني إلى تلك السعادة الغامرة كل يوم على الرغم مما بها إبداع ومردود طيب وعائد مادي مناسب. هذه هي الحياة، أحيانًا جيدة وأحيانًا أخرى سيئة، وفي الغالب هي مزيج غير مفهوم من الاثنين.

أما القدماء، فقد كان لهم توجه مختلف فيما يخص السعادة، فكما أوضح “أوليفر بيركمان” في كتابه الرائع “الترياق” أن الفلاسفة الرواقيين قد حرصوا على التحلي بالتيقظ والوعي فيما يخص جميع الأمور الكارثية التي قد تحدث لكم، ليتكم تعلمون أنها ليست سيئة بالدرجة التي تتخيلونها. والآن وعوضًا عن “سينيكا”، لدينا معلمو العصر الجديد الذين يقولون لنا إذا ما فكرنا في أفكار إيجابية، سنسبح فوق سحابة وردية وسنحصل على كل ما نتمناه.

لن أذهب إلى الحد الذي وصل إليه الفيلسوف “سلافوي جيجك”حينما سُئل عن الأمر الأكثر إحباطًا، فأجاب: “سعادة الأغبياء”. ولكني أعلم ما كان يعنيه، فأي شخص يتسم بالذكاء والتعقل والحساسية لا يمكنه أن ينظر لنفسه وللعالم دون التوصل لأي استنتاج يقضي بأن الأمور لا تسير دومًا على ما يرام مهما كانت غريبة ومفاجئة. وعلى أية حال فالضوء يعتمد في وجوده على الظلام، وإذا ما استطعنا التعرف عليه، ستقل أهميته وترتفع درجة نكرانها له. وفي هذه الحالة، سنشعر ببالغ السعادة من أجله.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد