تتصاعد المخاوف على مدنيي الموصل السنة ، من عنصرية مليشيات الحشد الشعبي الشيعي مع بدء معركة استعادة مدينة الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهي مخاوف تدعمهما انتهاكات مارستها سلفًا المليشيات الشيعية ضد الفارين السُنَّة من مناطق سيطرة «تنظيم الدولة » في الفلوجة مؤخرًا وعدد من المدن المشابهة.

تتصاعد المخاوف على مدنيي الموصل السنة؛ مما يسميه البعض «عنصرية مليشيات الحشد الشعبي الشيعي»، مع بدء معركة استعادة مدينة الموصل من «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، وهي مخاوف تدعمهما انتهاكات مارستها سلفًا «المليشيات» الشيعية ضد الفارين السُنَّة من مناطق سيطرة «تنظيم الدولة» في الفلوجة مؤخرًا، وعدد من المدن المشابهة.

مخاوف ذات حدين على سُنَّة الموصل

تعتبر مدينة الموصل هي ثاني أكبر مدينة عراقية، وآخر معاقل «تنظيم الدولة» بالعراق، بعدما أحكم سيطرته عليها في يونيو (حزيران) من عام 2014، ولا يزال يعيش في مدينة الموصل ذات الأغلبية السُنَّية حوالي 1.5 مليون مدنيًا، تزداد المخاوف عليهم من جهتين، الأولى تتمثل في إمكانية استخدام التنظيم لهم كدروع بشرية أثناء المعركة، أو تنكيل جماعة «الحشد الشعبي الشيعي» بهم تحت دعوى معاونتهم لـ«تنظيم الدولة».

ويبدو أن الخطر الأول على مدنيي الموصل بدأ يتحقق بالفعل؛ إذ أفادت الأمم المتحدة، أمس الجمعة الموافق 21 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بأن مسلحي «تنظيم الدولة» اختطفوا 500 أسرة، وأعربت عن مخاوفها من استخدام التنظيم دروعًا بشرية في المعارك.

وفي المقابل، ومع الأيام الأولى من بداية معركة استعادة الموصل ، التي بدأت الاثنين الماضي، حذرت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء الماضي، من أن يواجه سُنَّة الموصل انتقامًا »وحشيًا» من ميليشيات الحشد الشعبي الشيعي، تلك المليشيات التي يصل تعدادها من30 إلى100 ألف مقاتل، وتدعم الحكومة العراقية تلك المليشيات بالسلاح والمال، واعترفت الحكومة العراقية بها رسميًا كجزء من القوات المسلحة العراقية في فبراير (شباط) الماضي.

واتهم «فيليب لوثر»- مدير الأبحاث وأنشطة كسب التأييد في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية- القوات المسلحة العراقية والمليشيات الشيعية بارتكاب »جرائم حرب» و»هجمات وحشية» ضد الفارين السُنَّة من »أهوال الحرب وطغيان تنظيم الدولة في الموصل»، »حيث يُعاقبون على جرائم تنظيم الدولة» بحسب لوثر، الذي لفت إلى أن »السلطات العراقية ساهمت بتواطئها مع تلك الانتهاكات في المناخ الحالي للإفلات من العقاب»، مطالبًا إياها بكبح جماح المليشيات وأن «تحقق على نحو محايد ومستقل في جميع ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء».

ويرى لوثر أن التقاعس عن ذلك «يفتح الأبواب أمام استمرار الحلقة المفرغة للانتهاكات والقمع والظلم، ويثير مخاوف خطيرة بشأن سلامة المدنيين الذين ما زالوا موجودين في الموصل»، ولم تتوقف التحذيرات من الممارسات المحتملة للمليشيات الشيعية ضد السنة على منظمة العفو الدولية فقط، وإنما امتدت لجهات رسمية؛ إذ حذرت تركيا أيضًا من تسليم الموصل لمليشيات الحشد الشعبي، مُشبهة إياها بـ»تنظيم الدولة».

وقال «نعمان قورتولموش»-  نائب رئيس الوزراء والمتحدث الحكومة التركية –  في مقابلة تلفزيونية الأربعاء الماضي »يجب ألا ندعو تنظيما إرهابيًا ـ
يقصد الحشد الشعبي الشيعي ـ إلى الموصل؛ للمشاركة في تحريرها من تنظيم إرهابي آخر، وعلينا ألا نترك المدينة لسيطرة الحشد الشعبي أو حزب العمال الكردستاني الإرهابيين».

وفي السياق ذاته، قال «عمر جليك» – زير شؤون الاتحاد الأوروبي في تركيا- إن دخول الحشد الشعبي إلى الموصل وسيطرته على المدينة »أمر خطير للغاية» من شأنه أن يتسبب في خلق »حرب طائفية كبيرة»، مُضيفًا »لا يحق لأحد أن يجبر الناس على الاختيار بين عنف داعش وعنف الحشد الشعبي».

الفلوجة مثالًا على انتهاكات الحشد الشيعي

قبل عدة أشهر من بدء معركة استعادة الموصل، انتهت معركة استعادة الفلوجة من »تنظيم الدولة» في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، وقد شاركت مليشيات الحشد الشعبي الشيعي في المعركة، وهي مشاركة لم تخلُ من الممارسات والانتهاكات ضد المدنيين السنة الفارين من الفلوجة.

فبعد انتهاء معركة استعادة الفلوجة، أفاد تقرير أممي في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي، بفقدان740 رجلًا وفتى عراقيًّا من جراء المعركة، وأعلن «يان كوبيس» – المبعوث الأممي إلى العراق– أن الأشخاص المفقودين كانوا قد احتجزتهم قوات الحشد الشعبي، وأفاد كوبيس أمام مجلس الأمن أن البعثة الأممية  تلقت تقاريرًا موثوقًا بها، عن عمليات تعذيب وقتل وخطف نفذتها قوات الحشد الشعبي وقوات الأمن العراقية.

ويأتي هذا التقرير الأممي، ليؤكد اتهامات مُستمرة تواجه قوات الحشد الشعبي، بارتكابها جرائم وانتهاكات ضد المدنيين السُنة، تحت زعم تعاونهم مع »تنظيم الدولة« في المدن التي كانت تقع تحت سيطرتهم، في ظل تماهي الحكومة العراقية معهم، الذي يرى بعض المحللين أنه قد يصل إلى مرحلة »التواطؤ«، مع إصرار الحكومة العراقية على مشاركتهم في معارك استعادة المدن من »تنظيم الدولة«، وعدم محاسبتهم بشكل كافٍ على تلك الانتهاكات التي يرتكبونها ضد المدنيين السُنة والفارين من معارك استعادة المدن التي كانت تحت سيطرة «تنظيم الدولة».

«في حال مشاركة الحشد الشعبي في العملية، فإن المدنيين السنة في الموصل سيؤازرون تنظيم الدولة لحماية أنفسهم»، هكذا تقول «ديلان أودريسكيل» – الباحثة في معهد أبحاث الشرق الأوسط– مُعتبرةً أن مشاركة قوات الحشد الشعبي في معركة الموصل تُمثل أكبر تهديد للعراق، وأشارت إلى وجود أدلة انتقامية للحشد الشعبي؛ «الأمر الذي سيعمق الطائفية لدى أهالي المنطقة لمواجهة الظلم»، بحسب رأيها.

وفي السياق ذاته، أعرب مصدر في مجلس الأمن الإقليمي الكُردي، عن مخاوف من الطائفية التي قد تحل في الموصل حتى بعد تحريرها، ويقول «إذا لم يتم دعم الهجوم على الموصل بتسويات سياسية حقيقية بين السنة والشيعة، فإننا نعتقد أنها ستكون مجرد مسألة وقت قبل أن ينفجر الوضع مرة أخرى».

سياق أوسع من انتهاكات الحكومة العراقية والمليشيات الشيعية ضد السنة

«كانت هناك دماء على الجدران، ضربوني وضربوا الآخرين بأي شيء كانت تقع عليه أيديهم: بالقضبان المعدنية، والمجارف، والأنابيب، وأسلاك الكهرباء.. داسوا على جسدي ببساطيرهم، رأيت شخصين يموتان أمام عيني»، هكذا يحكي أحد الناجين من تعذيب -المليشيات الشيعية – الذين فروا من الفلوجة، مُضيفًا لمنظمة العفو الدولية «أهانوني، وقالوا: إن هذا تسديد لحساب مجزرة سبايكر»، وسبايكر هي تلك الواقعة التي قتل فيها »تنظيم الدولة« 0 170طالب من الكلية العسكرية الشيعية.

ويحكي الشاب الناجي أن 17 من أقاربه لا يزالون مفقودين، بينهم قاصر لا يتعدى عمره17 سنة، فيما قُتل أحد أقاربه من تعذيب المليشيات الشيعية، ويبدو أن الإخفاء القسري المصحوب بالتعذيب والإعدام، أمورًا اعتادت المليشيات الشيعية ممارستها ضد الفارين السنة، من المدن التي كانت تخضع لـ»تنظيم الدولة«، بحسب ما أظهر تقرير لمنظمة العفو الدولية، صدر الثلاثاء الماضي، استند إلى مقابلات مع ما يزيد على470 من المعتقلين السابقين، وشهود، وأقارب لمن قتلوا أو اختفوا أو اعتقلوا، وكذلك مع مسؤولين، وناشطين، وعاملين في مجال المساعدات الإنسانية، وآخرين، وحمّل المليشيات الشيعية والحكومة العراقية مسؤولية تلك الانتهاكات.

أفاد التقرير باختطاف المليشيات الشيعية73 رجلًا وشابًا من عشيرة »الجميلة« السنية بعد فرارهم من الفلوجة، ولا يزالون في عداد المفقودين حتى الآن، فيما أعدمت المليشيات الشيعية12 رجلًا وأربع فتيات من نفس القبيلة رميًا بالرصاص، ذلك بالإضافة إلى اختطاف1300 من قبيلة المحامدة السنية بعد فرارهم من الفلوجة، ظهر600 منهم بعد ثلاث أيام، وعلى أجسادهم آثار التعذيب، فيما أُعدم49 منهم، إما بإطلاق الرصاص عليهم، أو بإحراقهم وتعذيبهم حتى الموت، فيما لا يزال 643 منهم في عداد المفقودين.

وفي أواخر عام 2014، اختطفت كتائب حزب الله الشيعية حوالي ألفي رجل وفتاة وأخفتهم قسريًا، ولفت التقرير في نهايته إلى أن المحاكم العراقية لها تاريخ طويل من الاستناد إلى اعترافات »تنتزع بالإكراه في إدانة المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة بناء على محاكمات بالغة الجور، وغالباً ما تفضي إلى الحكم عليهم بالإعدام«، لافتًا إلى إعدام 88 شخص منذ بداية العام الجاري، بتهم تتعلق معظمها بـ«الإرهاب» فيما ينتظر ثلاثة آلاف آخرون تنفيذ حكم الإعدام ضدهم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد