قبل عامين من الآن، كلف الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، النائب الأول لرئيس البرلمان، حيدر العبّادي، بتشكيل حكومة جديدة، خلفًا لنور المالكي، في أجواء لم تختلف كثيرًا، من حيث الأزمات السياسية والأمنية، المتفاقمة باطّراد.

بعد قرار التعيين، دخلت العراق دوامة جديدة من الصراع السياسي، لا سيما بعد أن وصفت حكومة المالكي، ما أقدم عليه معصوم، بأنّه «خرق خطير للدستور»، في إشارة واضحة إلى رفض الكتلة السياسية المؤيدة للمالكي، قرار إقالته، وتعيين العبادي مكانه.

وبعد أشهر من تولي العبادي رئاسة الحكومة العراقية، أعلن عن جملة من الإصلاحات المفاجئة، والتي تمحورت أبرزها حول إقالة عدد من الوزراء، الذين ثبت ضلوعهم في فساد، فضلًا عن دعوة القضاء إلى اعتماد عدد من القضاة المختصين المعروفين بالنزاهة، للتحقيق فيها ومحاكمة المتهمين.

لكن هذه الإصلاحات لم تر النور، ولا زالت العديد من الأحزاب السياسية، تطالب بضرورة تحقيقها، ما دفع البرلمان العراقي إلى منح العبادي مهلة ثلاثة أيام، لتقديم تشكيلة حكومية جديدة من التكنوقراط.

وسبق ذلك أيضًا، ممارسة التيار الصدري ضغطه على العبادي، لفتح ملفات الفساد، ومحاسبة المتورطين فيه، حتى توسع الأمر إلى تنظيم الزعيم الشيعي مقتدى الصدر حركته الاحتجاجية المطالبة بالإصلاح.

احتجاجات أنصار التيار الصدري، دفعت الحكومة العراقية إلى تكثيف تواجد قواتها الأمنية، وتشديد قبضتها في العاصمة بغداد، بخاصة المناطق التي يتواجد بها أتباع الصدر.

«أطراف مشبوهة»

اللافت في الاعتصامات الجارية، أن المتظاهرين رفعوا أعلام العراق دون أي شعارات سياسية أو دينية، أو حتى صور شخصية، كما تركزت الهتافات على «بالروح بالدم نفديك يا عراق»، و«الشعب يريد إصلاح الحكومة».

حتى أن الاعتصامات المستمرة عند بوابات المنطقة الخضراء وتظاهرات ساحة التحرير، وما أفرزه الواقع عن ترد في الوضع الأمني المتفاقم خلال الأيام القليلة الماضية، دفع القوات العراقية إلى وضع متاريس وحواجز عسكرية وجنود مدججين بالأسلحة، وانتشار واسع للمليشيات.

حكومة العبادي

نزوح عائلات عراقية جراء تردي الأوضاع الأمنية

ولا تزال الأطراف السياسية متمسكة بمطالبها «الإصلاحية»، ولا تزال احتجاجاتها مُستمرة، للمطالبة بتحقيقها، الأمر الذي يُشار إلى أنّه تسبب في زيادة احتمالات دخول البلاد صراعًا أمنيًا جديدًا بين الأطراف المُختلفة.

«ريم الدوري«، مواطنة عراقية، لفتت إلى ما يُعتبر الأهم بالنسبة للمواطن العراقي، وذلك في حديث مع «ساسة بوست»، إذ قالت إن التدهور الأمني الذي تعيشه بغداد، بالتوازي مع الخلاف السياسي العميق، يُساهم في تفاقم الوضع المعيشي.

وترى الدوري، أن الصراعات السياسية، داخل التيارات الشيعية على وجه التحديد، ستبقى حاضرة، إلى حين «إصلاح الحكومة». لكنها لا تستبشر خيرًا في إصلاح قريب، بخاصة مع ضغط الحكومة على مواطنيها بالضرائب والرسوم، الرامية إلى إنقاذ المسؤولين من أزمتهم المالية.

بالتالي، فإن انتشار البطالة، وتردي الوضع الاقتصادي، وفرض الرسوم الدراسية على المدراس الابتدائية تحديدًا، بعدما كانت مجانية؛ كل ذلك دفع العديد من المواطنين العراقيين، إلى المشاركة في الاعتصامات التي ينظمها التيار الصدري، كما تقول ريم الدوري.

لكن الفتاة العراقية، تعتقد في وجود ما أسمتها بالأطراف المشبوهة، تقف خلف الاعتصامات التي تجتاح البلاد، وأنه في النهاية، إذا وقع أي أمر جلل، فسيتهم السنة، بخاصة مع تمدد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في عديدٍ من المناطق التي تسكنها نسبة كبيرة من السنة.

«إن هناك مؤامرة من رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، لتسليم المناطق التي تم السيطرة عليها من قبل داعش، وسحب الجيش للدخول إليها، بمساندة داخلية وخارجية، لا سيما إيران الداعمة له مسبقًا«، أو كما تعتقد الشابة العراقية، ريم الدوري.

ما الذي يجري في بغداد؟

ومن أبرز الأسئلة التي يسألها المواطن العراقي: «ما الذي يجري في بغداد؟ وإلى أين ستقود المرحلة الحالية البلاد؟»، لذلك فإن الإجابة عن هذا السؤال، يضمن الرجوع إلى طبيعة التناقضات التي تعيشها العراق منذ سنوات طويلة، والخلافات بين التيارات السياسية، سواء سنية أو شيعية، أو حتى كردية، ما يجعل الأوضاع تتفاقم أكثر فأكثر.

سبق هذه الحشود حديث زعيم التيار الصدري، في فبراير (ِشباط) الماضي، في خطاب أمام عشرات الآلاف من أنصاره في العاصمة العراقية، قال فيه، إن «العبادي على المحك بعد أن انتفض الشعب ولا زال من أجل الاستمرار بعمليات الإصلاح ومحاربة الفساد».

برلمان العراق يمهل العبادي ثلاثة أيام لتشكيل الحكومة

وكان عشرات الآلاف من أنصار رجل الدين الشيعي، قد تجمعوا في ساحة التحرير، المجاورة للمنطقة الخضراء، التي تضم مقار رئاسة الوزراء، ورئاسة الجمهورية، والبرلمان، وسط إجراءات أمنية مشددة.

وجدير بالذكر، أن للتيار الصدري ثلاث حقائب وزارية في الحكومة الحالية، وهي وزارات الموارد المائية، والبلديات والأشغال، والصناعة، فضلًا عن 34 مقعدًا في البرلمان.

وقت بدأت التظاهرات، طالب العبادي من البرلمان توضيح موقفه من طبيعة الحكومة المقبلة، وتحديد ما إذا كان يريد حكومة جديدة من التكنوقراط أو حكومة من الكتل السياسية، معللًا بأنه ليس من الحكمة تقديم تشكيلة وزارية تواجه بالرفض من مجلس النواب وبالتالي ينقض الغرض من التعديل الوزاري.

العبادي اعتبر، عبر تصريحاته المتواترة، أن البلاد تعيش أزمة سياسية يجب حلها بالتفاهم بين القوى السياسية ولا يجوز من أجل تحقيق الإصلاحات التأثير على الوضع العسكري أو التضييق على حركة المرور وحريات المواطنين.

حتى تقترب «ساسة بوست «مما يجري داخل العراق، تحدثت مع الكاتب والباحث العراقي، أحمد الملاح، الذي يرى أن ما يحدث في بغداد، هو خلاف داخل البيت الشيعي المالكي، وحزب الدعوة، بما يمتلك من دولة عميقة، والتيار الصدري، وما يتملك من قاعدة شعبية.

وفصل الملاح طبيعة الخلاف المتجذر، قائلًا: «الصدر يخشى إخراج ممثليه، ليس من الوزارات فقط، وإنما من جميع مفاصل الدولة التي يمتلكها المالكي، والذي بدوره زرعها خلال ولايتين من حكمه للعراق على مدار ثمان سنوات«.

كذلك، ساهمت أسعار النفط المتصاعدة في ذلك الوقت، في جعل المالكي يتحكم بسيولة نقدية ضخمة، استطاع من خلالها زراعة عناصر موالية له في جميع مفاصل الدولة، وأبرزها الأمنية والقضائية، إضافة للإعلام.

يقول أحمد الملاح: «إن من يحكم اليوم هو المالكي ورجاله، ومع كل محاولات العبادي السابقة، لم يستطع الخروج من الإطار الذي رسمه نفوذ المالكي القوي».

في المقابل، لدى التيار الصدري قاعدة شعبية واسعة، سواءً بين الشيعة أو السنة، الذين يُناغمهم في المطالبة بالتغيير، الذي سبق وأن طالبوا به قبل ذلك.

أما الأكراد، فإنهم يميلون ضد المالكي، كونه أول من استخدم ورقة المال، وقطع الرواتب عن موظفي إقليم كردستان، ما جعلهم يعادون الرجل الذي اعتبروه ممارسًا لسياسات إقصائية.

رئيس الحكومة وإيران

لا بد من الإشارة إلى أن الخلافات بين العبادي والمالكي تصاعدت الفترة الماضية، لتفرز أوضاعًا أمنية عصيبة تعيشها الأراضي العراقية، ما دفع الأول إلى التهديد بإسقاط حكومة المالكي، واستنجاده بإيران، ليدخل الطرفان في موجة من التهديد وعدم الاستقرار داخل المدن العراقية.

تغلغل «تنظيم الدولة» في بعض المدن العراقية، بالتزامن مع تسلم العبادي زمام الأمور في البلاد، دفعه إلى توطيد العلاقة أكثر مع الجارة إيران، عبر الملفات الأمنية والتعاون فيما يخص مكافحة خطر التنظيم.

حكومة العبادي

رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، خلال لقائه المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، علي خامنئي

لذلك، لا يمكن للعبادي إغفال دور إيران، التي كان لها دورها هي الأخرى في وصول البلاد إلى ما عليه الآن، بخاصة وأن الخبرة السابقة للحكومات العراقية معها، تنطلق من خلال تقديم المزيد من التسهيلات والتنازلات للنشاط الإيراني المتزايد أصلًا في جوانب الحياة العراقية، ما عزز من الزيارات المتبادلة بينهما.

وتعقيبًا على ذلك، قال الملاح، إنّ «إيران لا زالت المتصرف الأوّل في العراق وبلا منازع، باستثناء التأثير الأمريكي. والتحركات السعودية التركية ما تزال خجولة، وغير قادرة على ضبط إيقاع سنة العراق لتصورهم العام بشكل جبهة متماسكة».

وفيما يتعلق بدورٍ سعوديٍّ محتمل لتسوية الأمور داخل الأراضي العراقية، بين الأطراف المتنازعة، وأيضًا الأقاويل الشائعة، حول احتمالية التدخل البري السعودي إلى العراق، لحماية حدودها من خطر «تنظيم الدولة»، فيبدو أن الأمر مُستبعدٌ، بخاصة مع جنوح السعودية نحو التفاوض في اليمن. مع ذلك، يرى أحمد ملّاح، أن السعودية ربما تدعم شخصيات سنية عراقية بعينها.

وتوترت علاقات الرياض وبغداد لسنوات، خلال عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الذي اتهمته السعودية باعتماد سياسات إقصائية لتهميش السنة، بينما اتهمها هو بدعم «الإرهاب»، في بلاده، لكنها شهدت تحسنًا نسبيًا منذ تسلم العبادي مهماه خلفًا للمالكي.

انهيار مُرتقب للحكومة!

الحديث عن الواقع الأمني والسياسي المعقد في الأراضي العراقية، قد يزعزع الحكومة العراقية الحالية، والمطالبة بجملة من الإصلاحات، ويهدد تواجدها، إذا ما نجحت في تحقيق غايات الأحزاب السياسية المختلفة.

قبل نحو أسبوع من الآن، أعلن النائب البرلماني مهدي الحافظ، أن لجنة الاختيار التشريعية قدمت قائمة بأسماء المرشحين للعبادي، للنظر فيها، بعد المطالبة بتشكيل حكومة تكنوقراط من الأطياف السياسية المختلفة، ويصادق عليها البرلمان.

أهمل العبادي لفترة، تحقيق المطالب، ومع انتهاء المهلة المتاحة، يُصبح رئيس الوزراء وحكومته أمام اختبار مصيري حول مدى قدرة الحكومة على الصمود، بخاصة وأن أحاديث كثرت عن احتماليات انهيار الحكومة، حال فشل التعديل الوزاري الأخير.

حكومة العبادي

الحكومة العراقية الأخيرة برئاسة حيدر العبادي

وقد أفرد مركز «ستراتفور» الأمريكي للدراسات الإستراتيجية والأمنية، مساحة واسعة للحديث عن احتمالات الواقع العراقي، في ظل ما تشهده بغداد، حيث رجح عدم تمكن العبادي من إرضاء الأطراف السياسية كلها، بالتغيير الوزاري المرتقب الذي يعتزم القيام به، ما يعني استمرار الاحتجاجات ضد الحكومة، بخاصة وأن الكرد قلقون بدورهم من التعديل الوزاري، الذي قد يفقدهم بعض الوزارات التي يشغلونها حاليًا في الحكومة المركزية.

لا يختلف الحال كثيرًا عن السنة، فمن المحتمل حسب المركز، أن يؤدي التعديل الوزاري إلى تقليص تمثيلهم في الحكومة، ما قد يزيد من حدة اعتراضهم على إدارة العبادي، ويغذي توترًا طائفيًا أوسع في البلاد، وعليه لا يبدو أن العبادي سيتمكن من إرضاء الأطراف كلها أو تحقيق تصوراته بشأن حكومة التكنوقراط.

عرض التعليقات
تحميل المزيد