*يستخدم التقرير أسماء مستعارة بناء على رغبة المصادر لتفادي الوصم الاجتماعي.

ينتشر الخوف والخرافة في العالم هذه الأيام بسبب وباء كوفيد-19 الجديد، فظهرت العديد من الحالات التي يوصم فيها المصابون بالمرض ويلقون معاملة دونية من المجتمع؛ مما يذكر البعض بما حدث إبان انتشار وباء آخر في ثمانينات القرن الماضي، ونقصد هنا «وباء نقص المناعة المكتسب (الإيدز)»، والذي لا زال يوصم مرضاه حتى اليوم.

بحسب تقرير الأمم المتحدة، وصل عدد الإصابات بالإيدز في العالم إلى 1.7 مليون شخص عام 2018، منهم 240 ألف شخص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتلقى معظمهم العلاجات المناسبة.

وما أن يُذكر الإيدز يُذكر الجنس بالضرورة. ولذلك فالمتعايشون مع مرض الإيدز عادة ما تكون حياتهم الجنسية معقدة. في هذا التقرير نحاول الكشف عن طبيعة الحياة الجنسية لمريض الإيدز في العالم العربي، من خلال قصص ستة من المصابين به.

خرافات عن الإيدز

يظن البعض أن من يعاني من هذا المرض لا بد أنه أصابه عن طريق ممارسة الجنس، في حين أن أسباب انتقال المرض تتعدد بعيدًا عن هذا السبب؛ إذ يمكن أن ينتشر عن طريق نقل الدم الملوث، أو من الأم إلى الابن أثناء الحمل، أو من خلال الرضاعة.

صحة

منذ 4 شهور
الإيدز يبدو مرضًا بسيطًا مقارنة بها.. ماذا تعرف عن أمراض المناعة الذاتية؟

وتنتشر خرافة أخرى أن مرض «نقص المناعة المكتسب (الإيدز)»، وفيروس «نقص المناعة (HIV)»، يحملان نفس المعنى، ولكن الحقيقة أن العديد من الحاملين لفيروس «HIV» لا يصابون بالإيدز إلا عندما ينشط هذا الفيروس، يعمل الفيروس بالتدريج على تدمير الجهاز المناعي، خلال مدة تتراوح من ثلاث سنوات إلى 15 سنة عادة، أو خلال 10 سنوات في معظم الأحيان؛ الأمر الذي يؤدي إلى الإصابة بمتلازمة نقص المناعة أو الإيدز في النهاية.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد علاج يقضي على الفيروس، لكن العلاج المناسب يجعل العديد من حامليه قادرين على التمتع بعيش حياة طبيعية دون الإصابة بالإيدز، ولا تعني الإصابة به الموت المؤكد، كما أن ممارسة المصاب به للجنس مع غيره لا تعني أنه سينقل له المرض بالضرورة، بل يمكن تجنب ذلك بالتزام الأفعال الوقائية التي ينصح بها.

في القاهرة.. مجتمع صغير مغلق وسعيد

من خلال إحدى مجموعات الدعم النفسي، استطاع عادل التعرف على مجموعة من المصابين بالإيدز والمتعايشين معه، والذين ينتمون لنفس الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، بعد فترة أصبحت تلك المجموعة تمارس الكثير من النشاطات سويًا، ابتعد كل منهم عن أصدقائه القدامى، وأصبحوا جميعًا أصدقاءً مقربين؛ فهم يفهمون بعضهم البعض، ويعانون من نفس الأعراض، ولا ينظر أحدهم للآخر بنظرة دونية، ولا توجد وصمات داخل هذه المجموعة.

تعرف عادل، الشاب المصري الثلاثيني، على شريكته الجنسية من خلال تلك المجموعة، وانخرطا في علاقة جنسية منذ عامين، وما زالت مستمرة حتى الآن. بحسب حديثه مع «ساسة بوست»، كان حريصًا جدًا في علاقاته الجنسية السابقة، وعلى الرغم من ذلك أصيب بالإيدز، ولذلك فعندما تشارك علاقة جنسية مع مصابة بنفس المرض، لم يعد هناك ما يخشيانه، وهو يشعر بمتعة في هذه العلاقة أكثر مما شعر من قبل، فلا يوجد ما يخشون تجربته الآن.

لولا بعض الأعراض الجسدية التي تؤرق راحته، لكان عادل قال إن الإيدز جعله سعيدًا، فالانضمام إلى تلك المجموعة، والعلاقة الجنسية التي يعيشها الآن، والكثير من المواقف الإنسانية الرائعة التي جمعته بتلك المجموعة؛ جعلته أسعد.

Embed from Getty Images

«كنت طفلًا جميلًا».. رحلة الإصابة بالمرض من دبي إلى الجزائر

«كنت طفلًا جميلًا»؛ يقول الشاب الجزائري هاشم في حديثه مع «ساسة بوست»، وهو السبب الذي جعله يتعرض للتحرش في سن صغيرة من جاره، والذي فتح له الباب للمثلية الجنسية، على الرغم من كونه غير مثلي، ولكن هذه الواقعة جعلت لديه قبولًا لممارسة الجنس مع الرجال، بحسب حديثه مع الموقع.

بعد العديد من الأمور العائلية الصعبة والخلافات، سافر هاشم إلى دبي للعمل مع أحد رجال الأعمال، والذي عرفه عن طريق شاب كان في علاقة مثلية معه، ولم يكن يعرف أن هذا العمل هو الدعارة المثلية.

شاهد هاشم الرعب في أعين بعضهن وهن يبتعدن عنه، وكأنه تجسيد للمرض على أرض الواقع.

عاش هاشم فترة في دبي، يصاحب رجال الأعمال المثليين مقابل المال، وأفخم الملابس، والهواتف الذكية، ولكنه أصيب بعد فترة بالحمى والصداع المزمن، وعاد إلى الجزائر ليكون إلى جانب أسرته.

أقنعته الأسرة بالإقامة في الجزائر والزواج، وقد وجد هذا بابًا جيدًا لترك حياة الدعارة التي عاشها في دبي، ولكنه اكتشف إصابته بالإيدز أثناء إجراء التحاليل الطبية التي تسبق الزواج، الأمر الذي جعل العروس ترفضه مباشرة.

على الرغم من أن الطبيب أخبره أنه يستطيع عيش حياة جنسية طبيعية، إلا أن كل امرأة يخبرها عن مرضه ترفض إقامة علاقة معه، وشاهد الرعب في أعين بعضهن وهن يبتعدن عنه، وكأنه تجسيد للمرض على أرض الواقع.

في لحظات اليأس يفكر هاشم في أفكار جنونية، مثل أن يمارس الجنس مع امرأة دون أن يخبرها، حتى تصاب هي الأخرى بالمرض وتضطر للعيش معه طوال حياتها، ولكنه سرعان ما يفيق من تلك الخواطر السيئة، فهو يدرك أن تلك الخواطر تأتي للكثير من مصابي الإيدز الذين يشعرون بالوحدة، وهو ما يأخذنا إلى قصتنا التالية من العراق.

زوج ينتقم

كانت نورة، التي تبلغ 40 عامًا، تعيش مع زوجها وطفليها في العراق، ولم تكن العلاقة الزوجية على ما يرام، فكانت تفكر في الانفصال عنه، وهو الأمر الذي يدركه الزوج ولا يتقبله، ولكنها ضاقت ذرعًا من علاقاته النسائية المتعددة.

في أحد الأيام بدأت تعاني شعورًا دائمًا بالإعياء والحمى، وحينما زارت الطبيب أدركت من التحاليل المطلوبة أنها مصابة بالإيدز، ووقتها تأكدت أن زوجها كان ينتقم منها، وأنه على علم بإصابته بهذا المرض، وتعمد نقله لها انتقامًا منها على رغبتها في الانفصال عنه.

حينما واجهت الزوج أنكر أنه مصاب بالمرض واتهمها هي بالخيانة ونقل المرض إليه.

تحكي نورة أنها حينما واجهت زوجها أنكر أنه مصاب بالمرض واتهمها هي بالخيانة ونقل المرض إليه، أصرت على الانفصال منذ أربعة أعوام، ومنذ ذاك الحين وهي تعيش وحدها هي وأبناءها. تؤكد أن حياتها الجنسية قد انتهت تمامًا، فلن تجد من يرغب في الزواج من امرأة مطلقة تعول طفلين، فماذا لو علم أنها مصابة بالإيدز أيضًا؟

لم تكن الحياة الجنسية لنورة مع زوجها سعيدة أيضًا، بحسب ما تقول، وها هي قد أصيبت بمرض يمنعها من ممارسة الجنس للأبد، فمن النادر أن تجد من يدرك أن مريض الإيدز يمكن له أن يعيش حياة جنسية طبيعية دون أن يؤذي شريكه الجنسي.

زوج يضحّي

كانت رضوى تستعد لإجراء عملية تصغير للمعدة كي تفقد وزنها، وبعد إجراء التحاليل اللازمة قبل العملية، اكتشفت انتقال الإيدز لها أثناء عملية سابقة لاستئصال اللوزتين.

لم يشك في سلوكها حين علم بمرضها.

لم تمارس رضوى الجنس إلا مع زوجها، الذي لم يشك في سلوكها حين علم بمرضها، ولم يتهمها بأية تهمة ولم يصمها بالعار. وعلى الرغم من أنها كانت تمارس حياة جنسية طبيعية مع زوجها، لم ينتقل إليه المرض، لكنه أصر على أن يمارسا الجنس سويًا دون وقاية، حتى ينتقل المرض إليه تضامنًا معها، وحتى يتشاركا رحلة العلاج سويًّا.

الغريب في الأمر، بحسب ما تقول رضوى، أن الإصابة بهذا المرض لم تؤثر على حياتها الجنسية بالسلب، بل على العكس، أشعلت الحياة الجنسية بينها وبين زوجها، وكأن إدراكهم لاحتمال انتهاء حياتهم بسبب هذا المرض زادهم رغبة حياةً وحبًّا. وطالما أن أبناءهم بخير ولم يصبهم المرض، فلا فرق لديهم، بحسب ما تؤكد لـ«ساسة بوست».

Embed from Getty Images

«العزلة والوحدة ثمن الإصابة بالإيدز»

دقائق قليلة من المتعة كانت السبب في إصابته بالمرض، في لحظة تهور ووحدة لجأ فيها إلى عاهرة إسرائيلية على أحد الشواطئ في فلسطين، ولم يكن يدرك أن تلك الدقائق القليلة من المتعة الجنسية ستكون السبب في نهاية حياته الجنسية للأبد.

يحكي خالد، الشاب الفلسطيني الثلاثيني، لـ«ساسة بوست» عن تلك التجربة بصوت يملؤه الألم، مؤكدًا شعوره بالندم في كل لحظة يعاني فيها مع رحلة العلاج، ونظرة الآخرين له بعد علمهم بمرضه، وكأنه «نجس» على حد وصفه.

أجبرته هذه النظرة على ترك عمله، والاختلاء بنفسه معظم الوقت في الجبال المجاورة لمسكنه، فلم يعد يريد التعامل مع البشر بعد ما أصابه، ويرى أن العزلة والوحدة هم ثمن الإصابة بمرض الإيدز.

قرر خالد إنهاء حياته الجنسية، فهو لا يريد نقل المرض إلى شخص آخر، والأهم أنه يريد معاقبة نفسه على ما فعله وتسبب له في كل هذا الكم من الألم، مؤكدًا أن من يصاب بهذا المرض – من وجهة نظره – عليه أن ينهي حياته الجنسية حتى يقف المرض عنده.

يعاني خالد من الآثار النفسية للمرض أكثر من الآثار الجسدية، ويؤكد أن اهتمام الحكومات بعلاج هذا المرض يتناول الجانب الجسدي فقط، مع أنه من الأهم معالجة المصابين به نفسيًا لما يشعرون به من نبذ في مجتمعهم.

«الإيدز.. بداية حياة جديدة لي»

«الدعارة الراقية»، هكذا سمّاها الشاب الثلاثيني المغربي مالك، وهو يتحدث لـ«ساسة بوست» عن تجربته مع مرض الإيدز. تلك العبارة القصيرة المعبرة كانت السبب في إصابته بالمرض، إذ كان على علاقة بعاهرة تعمل في مجال «الدعارة الراقية»، وهو الاسم الذي يطلق على العاهرات رفيعي المستوى واللاتي تمارسن مهنتهن مع السائحين القادمين من الخليج العربي فقط، ظنًا منه أنه بهذه الوسيلة يحمي نفسه من التقاط أي عدوى مثلما يحدث مع العاهرات الأقل تكلفة.

صحة

منذ سنتين
«ذي أتلانتيك»: على غرار الزلازل والطقس.. هل التنبؤ بالأوبئة أمر ممكن؟

حين أخبره الطبيب بأنه مصاب بالإيدز لم يشعر بدهشة، ولكن الحزن هو ما سيطر عليه، فلم يشعر أنه مظلوم لأنه هو من جلب هذا المرض لنفسه، وما لم يعلمه أن هذا المرض سيغير حياته إلى الأبد.

قبل إصابته بالإيدز لم يشعر بالاستقرار العاطفي أو الجنسي، وكان يعيش بشكل «مستهتر»، بحسب ما أطلق عليه، ولكن بعد إصابته بالإيدز بدأت نظرته للحياة تتغير، واعتنى بصحته أكثر.

كان مالك محظوظًا بعض الشيء، فعلى عكس ما يعاني منه كثيرون، استطاع أن يقابل امرأة لا تمانع الارتباط برجل مصاب بالإيدز، طالما اتبعا أمور الوقاية التي نصح بها الطبيب في علاقتهم الجنسية. كان عليه تناول العقاقير لمدة ستة أشهر قبل أن يمارس الجنس مع أية امرأة، وبعدها ومع الإجراءات الوقائية عاش حياة جنسية طبيعية.

يوجه مالك حديثه إلى باقي المصابين بمرض الإيدز، مؤكدًا أن الإصابة بالمرض ليس عليها أن تعني نهاية الحياة، وأضاف أنه يخطط للزواج من شريكته الجنسية الحالية، وهي على وعي كامل بما يعانيه من مرض، وتدعمه خلال رحلة علاجه.

وختم مالك حديثه بالقول: «لا تظنوا أنها نهاية الحياة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد