بعدما يقرب من عام ونصف على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مدينة الموصل -ثاني أكبر المدن العراقية-، لا تزال المدينة التي تقلص سُكانها إلى الثلاثة أرباع لم تودع الدماء بعد؛ فبين مظاهر الرُّكام، وانتشار الأشخاص ذوي الأطراف المبتورة من أثر ثلاث سنوات من المعارك، تختفي الحياة مرة أخرة إثر عودة السيارات المفخخة، والفساد الذي راح ضحيته بالأمس 100 شخص أغلبهم من النساء والأطفال.

أعلن رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، حالة الحداد الوطني العام في البلاد لمدة ثلاثة أيام، عقب غرق عبّارة في نهر دجلة بالموصل -شمال العراق-، كانت تحمل نحو 200 شخص أغلبهم من العوائل، في حين تم إنقاذ أكثر من 60 شخصًا، بينما لا يزال أكثر من 20 آخرين في عداد المفقودين.

لماذا خرج العراقيون للتنزه في ذلك اليوم تحديدًا؟

أتَاكَ الرّبيعُ الطّلقُ يَختـالُ ضَاحِكـا ** منَ الحُسنِ حتّى كادَ أنْ يَتَكَلّمَا

وَقَد نَبّهَ النّوْرُوزُ في غَلَسِ الدّجَى ** أوائِـلَ وَرْدٍ كُـنّ بالأمْـسِ نُوَّمَـا

*البحتري- العصر العباسي

يشهد العراق في يوم 21 مارس (آذار) من كل عام إجازة رسمية للاحتفال بعيد تاريخ النوروز، وهو في الأصل عيد رأس السنة الفارسية، وجرت العادة أن يجري الاحتفال به في البلاد التي كانت تحت سيطرة الإمبراطورية الفارسية القديمة التي امتدت نحو 1100 عام من الشرق الأوسط إلى آسيا الصغرى، ولا تزال الشعوب تحتفل به في كل من إيران وأفغانستان والعراق وتركيا.

وكانت مئات العائلات الموصلية خرجت في رحلات صباح ذلك اليوم إلى جزيرة أم الربيعين السياحية بهدف التنزه، ويفصل بين شاطئ نهر دجلة، والجزيرة التي افتتحت منذ عام نحو 300 متر؛ لذا عمد القائمون عليها إلى توفير عبّارات تبلغ قدرتها الاستيعابية 50 شخصًا فقط. وبحسب شهود العيان والرواية الرسمية، فإنّ العَبَّارة كانت ممتلئة بالأهالي والعوائل عند انقلابها، في وقتٍ تجاهل فيه القائمون على الجزيرة التحذيرات التي أطلقتها وزارة الموارد المائية قبل يومٍ من الحادث، والتي حذرت فيها الأهالي من الاقتراب من النهر؛ بسبب ارتفاع منسوب نهر دجلة إثر فتح بوابات سد الموصل؛ نتيجة لزيادة الأمطار.

وتظهر اللقطات الأولى المصورة للحادث عبر كاميرات المراقبة، حالة الفزع والصراخ التي انتابت الرُّكاب في ظل الفوضى التي أحاطت بهم عقب غرق أحد جوانب العبارة في منتصف الطريق، في الوقت الذي اتجه فيه الركاب للطرف الآخر، في محاولة يائسة لضبط التوازن، قبل أن يطفو الماء على سطحها وتغرق كُليًا وتسقط على كل من فيها، وكان أغلبهم من النساء والأطفال، بينما انتشرت مقاطع أخرى عبر مواقع التواصل تظهر أشخاصًا يصارعون الغرق في ظل شدة التيار، فيما أظهرت لقطات أخرى، الشباب الذين كانوا يتناولون الغداء على ضفاف النهر يقفزون بثيابهم في محاولة لإنقاذ الغرقى.

إدارة الجزيرة في بيانها الذي نشرته عقب الحادث، أوضحت أنّ «سبب غرق العبارة، هو انقطاع أحد الأسلاك الفولاذية المثبتة بأحد الأعمدة المسؤولة عن سحبها وتثبيتها، الأمر الذي أدى إلى غرقها».

العراق الحزين.. كيف شكلت المآسي شخصية العراقيين عبر مئات السنين؟

كيف تعاملت الحكومة مع الحادث؟

في الوقت الذي وجهت فيه المساجد بالمدينة القديمة للموصل، نداءات استغاثة تدعو القريبين من ضفاف النهر لإنقاذ الغرقى، كانت فرق الإغاثة النهرية من قوات الشرطة تنتشل الضحايا بمشاركة طيران الجيش، وفيما أعلن مدير عام الدفاع المدني، إنقاذ 61 شخصًا، كانت وسائل إعلام محلية تشير إلى أنّ فرق الإنقاذ تواجه صعوبات في انتشال الضحايا بسبب سرعة جريان المياه، وارتفاع منسوبها.

وعقب الانتقادات التي طالت الحكومة، حضر رئيس الوزراء العراقي سريعًا إلى محافظة نينوى، حيث مدينة الموصل، وأمر بفتح تحقيق فوري وتسليمه النتائج خلال 24 ساعة؛ بهدف الكشف عن هوية المتسببين، ليعلن القضاء العراقي بعدها توقيف تسعة مسؤولين، وصفهم بأنهم معنيون بالحادث، وأصدر مذكرات توقيف بحق مالكي العبارة والمدينة السياحية، كما منعت آخرين من مغادرة العراق حتى انتهاء التحقيقات.

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، وصفت الحادث بأنه مأساة مروعة، لتحاول الحكومة بعدها السيطرة على الموقف عبر القبض على الصحافيين الذين ينقلون عن غرق العبارة، بحسب ما نشره موقع «بي بي سي» بنسخته الإنجليزية، ومن بين المعلومات المزعجة للسلطات التي كشفها «مراسل الجزيرة» أن جثث غرقى العبارة وصلت إلى مناطق حمام العليل والقيارة جنوب الموصل، بمسافة كيلومترات كثيرة من جراء سرعة تيار المياه، بالإضافة إلى أنّ الحكومة استدعت فرقًا من الغواصين من مدينة دهوك في إقليم كردستان لدعم فرق الغواصين في الموصل للبحث عن الغرقى.

وبحسب المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، فإن الحصيلة النهائية حتى الآن للحادث، هي غرق 100 شخص بينهم 12 طفلًا، و60 امرأة، فيما لا يزال البحث جاريًا حتى اللحظة عن مفقودين آخرين، في الوقت الذي لا تزال أسر الضحايا على الجانب الآخر من النهر تنتظر معرفة مصير ذويهم.

ترامب زارها سرًّا.. دلالات زيارة روحاني «التاريخية» إلى العراق

عاصمة الخلافة السابقة.. الموصل لم تبرح جراح «تنظيم الدولة»

ظهر «تنظيم الدولة الإسلامية» بوصفه قوة كبرى في يوليو (تموز) عام 2013، حين قام بمعركة في الأنبار – تقع غربًا، وتمثل ثلث مساحة العراق– أُطلق عليها عملية «هدم الأسوار». شن فيها هجمات على السجون العراقية، ونجح في اقتحام سجن «أبو غريب» و«التاجي»، وحرر مئات المعتقلين الذين أصبحوا من أعضائه وقياداته، وفي يونيو (حزيران) عام 2014، غيّر التنظيم استراتيجية التدمير العشوائي إلى البحث عن مكان مثالي يصلح لإعلان الخلافة، تمهيدًا لاستكمال شعاره القديم «باقية وتتمدد»، وكانت الموصل هي المكان الأمثل لعاصمة الدولة، نظرًا إلى أنها جغرافيًّا تعتبر ثاني أكبر مدينة عراقية، وتحتوي على أكثر من مليون ونصف نسمة، معظمهم من السُّنة، إضافةً إلى أنها تتميز بكونها مثلثًا اقتصاديًّا قريبًا من المناطق النفطية ذات العائد الاقتصادي الضخم، مثل تكريت، وسد الموصل، وسنجار في إقليم كردستان، كما أنها قريبة من سوريا وتركيا، وذلك مكسب آخر.

نجح التنظيم في إسقاط المدينة، عقب انسحاب الجيش العراقي منها تاركًا معداته الثقيلة، وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق، حيدر العبادي، بدء عملية تحرير الموصل بمشاركة 100 ألف جندي من قوات النخبة في الجيش العراقي، والتي كانت أكبر عملية برية في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 2003، وواجه الجيش العراقي المدعوم من الولايات المتحدة، وقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، والقوات البيشمركة الكردية صعوبات كبيرة حتى نجحوا في استعادة المدينة في يوليو عام 2017، لكنّ الخراب حتى الآن ما زال أحد معالم ثاني أكبر المدن العراقية.

«ساسة بوست» من قلب الموصل: كل ما تريد معرفته عن معركة الميل الأخير

 

المصادر

تحميل المزيد