«أنا مع حرية الصحافة إلى أقصى حد» *الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

كان هذا موقف الرئيس الجزائري خلال حملته الانتخابية سنة 2019 من حرية الصحافة والتعبير بالجزائر، وبعد أن صار رئيسًا عمل بجدٍ من أجل تحقيق وعوده من خلال دسترة حرية الصحافة في الدستور؛ وعمل مقابلات دورية مع الصحافة المحلية والدولية، وهو الأمر الذي كان نادرًا في عهد أسلافه. 

لكن دوام الحال من المحال، فتغيّر موقف تبون من حرية الصحافة، وصرّح بذلك علانية في آخر لقاءٍ له مع الصحافة الجزائرية، حين قال عند سؤاله عن سجناء الرأي بالجزائر: «لا يوجد سجناء رأي في الجزائر»، ومتسائلًا في الوقت ذاته: «أي رأي هذا الذي يعتمد على السب والشتم والتجريح في الأشخاص؟»، مضيفًا أنّه «لن يرحم أي أحدٍ من هؤلاء».

على الجهة الثانية؛ لا يزال عشرات الناشطين والصحافيين يقبعون – حسب المنظمات الحقوقية – داخل السجون الجزائرية بتهم مختلفة لها علاقة بحرية التعبير، كما تعرضت العديد من القنوات الفضائية إلى الغلق أو سحب الاعتماد (الترخيص)، كل ذلك والرئيس الجزائري لم يكمل نصف عهدته بعد، ليرسم مشهدًا مغايرًا للصورة التي صدّرها إبان حملته الانتخابية، في تعامل السلطات الجزائرية مع الإعلام والصحافيين.

الأخ الأكبر يراقبك.. الجزائر الجديدة لا تأبه بحرية الصحافة

«السلطات الأمنية الجزائرية مستعدة لفعل أي شيء لإسكات الأصوات المنتقدة. فقد سُجن صحافيون لتبادلهم مقاطع فيديو، ولانتقاد الرئيس، والتعبير عن دعمهم لحركات الاحتجاج» *منظمة العفو الدولية

على الرغم من تعهدات الرئيس الجزائري بدعم حرية الصحافة، وتجديده وعوده في كل فرصة بدعم حرية التعبير، إلا أن أوضاع حرية الإعلام في الجزائر لم تشهد تحسنًا، وما زال الصحافيون يتعرضون للاعتقال والملاحقة. 

في 12 أغسطس (آب) الجاري أصدرت محكمة تمنراست (أقصى جنوب الجزائر)، حكمًا بالسجن على الصحافي الجزائري رابح كراش، وذلك لمدة ثمانية أشهر بسبب ما أسمته النيابة العامة «إنشاء وإدارة حساب إلكتروني مخصص لنشر معلومات وأخبار من شأنها إثارة التمييز والكراهية في المجتمع»، و«الترويج العمدي لأخبار وأنباء كاذبة أو مغرضة بين الجمهور»، و«العمل بأي وسيلة كانت على المساس بسلامة وحدة الوطن».

Embed from Getty Images

ولا يزال الصحافي عبد الحكيم ستوان يقبع في السجن بعد الحكم عليه في مارس (آذار) الماضي بالسجن لمدة ستة أشهر، بتهمة التشهير برئيس مجلس النواب، المصير نفسه الذي لا يزال يعاني منه الصحافي عادل صياد الذي حكم عليه بالسجن عامين، بسبب منشورات على موقع «فيسبوك». 

وفي سنة 2020 ذكرت منظمة العفو الدولية في بيان لها بأنّ «السلطات الأمنية الجزائرية مستعدة لفعل أي شيء لإسكات الأصوات المنتقدة. فقد سُجن صحافيون لتبادلهم مقاطع فيديو، ولانتقاد الرئيس، والتعبير عن دعمهم لحركات الاحتجاج». بينما قبعت الجزائر في المرتبة 146 من أصل 180 دولة، بحسب تصنيف مراسلون بلا حدود، في مؤشرها العالمي لحرية الصحافة لعام 2021.

غلق وسحب للتراخيص.. الفضائيات الجزائرية لم تسلم من التضييق أيضًا

لم يكن الصحافيون وحدهم المستهدفين من دائرة التضييق والإغلاق رغم توقف الحراك بسبب القمع والأوضاع الصحية الخاصة بتفشي وباء كورونا؛ فقد قررت السلطات الجزائرية، يوم الاثنين 23 أغسطس، غلق قناتين جزائريتين؛ بسبب ما أسمته «عدم احترامها لمتطلبات الأمن العام» وأخرى ذات صلة بالمتابعات القضائية في حق مؤسسي ومسيري القناة. ويتعلق الأمر بكلٍ من قناة «الجزائرية وان» التي صدر في حقها قرار غلق نهائي، وقناة «البلاد» التي أغلقت لمدة أسبوع مع سحب اعتمادها. 

 وأرجعت وزارة الاتصال في بيانٍ لها أسباب قرارها غلق القناتين لأسباب تتعلق بـ«عدم احترامها لمتطلبات الأمن العام»، وأخرى ذات صلة بالمتابعات القضائية في حق مؤسسي ومسيري القناة و«ارتكاب خروقات تتعلق بعدم احترام التوصيات الخاصة بحماية الأطفال القصر والأحداث خلال بث البرامج».

ولم يسلم حتى التلفزيون العمومي الرسمي من التضييق، فوجهت سلطة الضبط السمعي البصري اليوم أول أمس الثلاثاء؛ إنذارًا شديد اللهجة له على خلفية ما سمته بخروقات.

Embed from Getty Images

وخلال الأسبوع الماضي؛ قامت السلطات الجزائرية بغلق قناة أخرى هي قناة «lina tv»، والتي اتهمتها السلطات الجزائرية بأنها تساهم في بث الخطاب التحريضي والتضليل للرأي العام؛ معتبرةً إيّاها «خطرًا على الوحدة الوطنية» فيما أشارت مصادر من داخل القناة تحدثت إلى «ساسة بوست» أن السبب كان استضافة شخصياتٍ معارضة، على حد تعبيرهم.

جدير بالذكر أنه مع بداية الشهر الماضي؛ أعلنت الحكومة الجزائرية سحب اعتماد قناة «العربية» السعودية، متهمة القناة بأنها تمارس «التضليل الإعلامي والتلاعب».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، قررت الحكومة الجزائرية إغلاق مكتب قناة «فرانس 24» الفرنسية، بذريعة «التحامل المتكرر على الجزائر ومؤسساتها». وصرح وزير الاتصال الجزائري (وزير الإعلام) عمار بلحيمر بأن «سحب الاعتماد يعود أيضًا إلى تحيز صارخ للقناة، وكذلك إلى أعمال تقترب من نشاطات تحريضية وأعمال غير مهنية معادية للبلاد».

واتهم بلحيمر القناة بـ«العداء الجلي والمتكرر إزاء بلادنا ومؤسساتها، وعدم احترامها قواعد أخلاقيات المهنة، وممارستها التضليل الإعلامي والتلاعب بالأخبار، إضافة إلى العدوانية المؤكدة ضد الجزائر».

وفي الشهر نفسه أصدرت «سلطة ضبط السمعي البصري»، وهي هيئة حكومية تابعة لوزارة الاتصال مهمتها مراقبة برامج ومضامين القنوات التلفزيونية الجزائرية المحلية ومدى مطابقتها لقوانين الجمهورية، خصوصًا ما تعلق منها بقوانين الإعلام والعقوبات والسلم والمصالحة الوطنية وتجريم خطاب الكراهية؛ قرارًا بوقف برامج قناة «الحياة» الخاصة، بشكل مؤقت على خلفية بثها برنامجًا «مسيئًا لرموز الدولة»؛ وتعدّ قناة الحياة من بين القنوات المقربة من السلطة!

وضع حرية الإعلام والتعبير المهترئ، دفع بالمنظمات الحقوقية الدولية إلى الاصطدام الصريح بالسلطة في الجزائر؛ إذ أدانت منظمة «مُراسلون بلا حدود» ما أسمته «استغلال السلطات الجزائرية لاعتمادات القنوات والصحافيين»؛ مطالبة إياها بمزيد الشفافية في عملية تجديد الاعتمادات (التراخيص).

وعبر صهيب الخياطي، مدير مكتب شمال أفريقيا لمنظمة «مُراسلون بلا حدود»، عن قلقه من الوضع الحالي، مؤكدًا أنه «لا يجب أن تكون الاعتمادات وسيلة للابتزاز أو للضغط على وسائل الإعلام التي تُقلق السلطة بتغطيتها لمظاهرات الحراك»، ومضيفًا أن المنظمة «تطالب السلطات الجزائرية اعتماد الشفافية في عملية تجديد الاعتمادات واتخاذ الإجراءات اللازمة، التي تمكن مختلف وسائل الإعلام الموجودة على التراب الجزائري من تغطية الانتخابات القادمة في ظروف جيدة».

وحسب صحافيين جزائريين، فإن الإعلام بالجزائر يعيش حاليًّا أوضاعًا كارثية، فقد سيطر الخوف والرعب على الصحافيين، وصار التهديد والمتابعات القضائية والاستدعاءات لدى الضبطية القضائية هاجسًا يؤرق الكثير منهم!

لكن لماذا يخشى النظام من حرية الصحافة والإعلام؟

خلال الجلسات الدورية له مع الصحافة يتفاخر الرئيس الجزائري بمدى احترامه لحرية التعبير والصحافة وتعزيز موقعها بالجزائر بالقول: «أوّل مرة تدخل القنوات الخاصة الجزائرية إلى رئاسة الجمهورية وتحاور رئيس الجمهورية»؛ غير أنّ الواقع شيء آخر، فلم تسلم حتى القنوات المقربة من السلطة الجزائرية من سوط التضييق علاوة على القنوات المعارضة التي يتهمها النظام.

Embed from Getty Images

فيرى عبد الوكيل بلام مدير الموقع الإلكتروني الجزائري «أوراس»، أن وضع حرية الصحافة والتعبير بالجزائري كارثي وأنّ شيئًا لم يتغير، بل تدهور الوضع إلى ما هو أسوأ. ويضيف بلام خلال حديثه مع «ساسة بوست» إلى أنّ «نظام تبون يعتبر حرية الصحافة خطرًا على مستقبله، كما أنه يعتقد أن شبه الانفتاح الإعلامي الذي عرفته العهدة الثالثة لبوتفليقة مع هبوب رياح التغيير في 2011 وسماحه بإطلاق بعض القنوات الفضائية، التي عرفت حرية تعبير على مستوى يعتبر الأعلى من نوعه منذ الاستقلال، هو أحد أسباب انتشار الغضب الشعبي الذي جرف نظام ما قبل 22 فبراير (شباط)» .

ويضيف «النظام الحالي غير مستعد لتكرار «الخطأ»، فحاصر الجرائد المعارضة وضيّق عليها سبل الإشهار العمومي، وأبقى على احتكار شركة «ANEP» للإشهار العمومي ولم يتقدم في مجال الصحافة الإلكترونية فيما عدا منح وصولات إيداع للملفات ببعض المواقع».

ويرى بلام أنّ النظام لا يزال حسب وصفه يتلكأ في إصدار قانون السمعي البصري ولا يرغب في الحديث عن قانون الإشهار؛ معتبرًا في الأخير أنّ المستهدف من الوضع المتدهور لحرية التعبير هم جميع الجزائريين الراغبين في التعبير الحر عن أفكارهم.

عربي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: الصحافيين في المغرب.. بين الإضراب عن الطعام والاتهامات الملفقة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد