عبيدٌ سادة.. من العلم والحكم إلى العبودية في أمريكا

تخيّل أن تعيش حياتك حرًا بين أهلك وفي بلدك، لتفاجأ يومًا ما ببندقية مصوبة نحو رأسك يقودك حاملها نحو سفينة ضخمة مع العشرات من قومك، وقبل ركوبك السفينة تُوصم مرةً وللأبد: أنت عبد. ولا مفرّ من عبوديتك إلا الموت. تركب السفينة وتودّع كل شيء عرفته من قبل في حياتك. في هذا التقرير نسرد لكم حكاية ثلاثة مسلمين أفارقة قاوموا ظلم العبودية حتى آخر نفس.

العالم المسلم الذي ذاق العبودية 50 عامًا

سعيد بن عمر هو رجلٌ أفريقي، ولد عام 1770 وعاش في وطنه: السنغال. ترجّح الدراسات أنّه كان رجلًا غنيًا مقتدرًا، يشيرُ لذلك سعيه للتعلُّم على شيوخٍ في بلاده لمدة 25 عامًا، وحديثه عن ذهابه للحج والعمرة وزيارة المدينة. في عمر 37 عامًا، تحديدًا في عام 1807، اقتيد ابن عمر من أرضه ليُستعبد ويباع وتمّ اقتياده من وطنه السنغال إلى الجهة الأخرى من المحيط؛ أمريكا، وتحديدًا إلى «تشارلستون» في ولاية كارولاينا الجنوبية، وهنا تبدأ مأساته وملحمته.

كتب ابن عمر عدّة وثائق بخط يده باللغة العربيّة، بعضها خطٌ لسورٍ من القرآن الكريم، وأحاديث مع أدعية، وأهم ما كتب جزءٌ من سيرته يتحدَّثُ فيه عن قصة حياته وما حصلَ له، ووثيقة سيرته الذاتية هي أوّل نص باللغة العربية، والوحيد حتى الآن، لـ«عبدٍ» أفريقيّ عاش في أمريكا في عهد العبودية. ويزيد من قيمة هذه الوثيقة التاريخية أنّ ابن عمر كتبها بلغةٍ لا يفهمها أحد ممن حوله، لا «العبيد» من رفاقه المتسعبدين بالقوّة، ولا المُضطَهِدين، وكأنّ العربية خُلقت له وحده، وهذا ما حمى النص من أيِّ تعديلٍ عليه من «البِيض» المالكين. وقد حصل هذا التعديل والتحريف لنصوص «العبيد» ممكن كتبوا بالإنجليزية.

تقدّم سيرته دليلًا على أنّ العبيد لم يكونوا جهلةً أو أميِّين كما يحاول المضطهدون أن يصموهم دائمًا، ويردّ على الادّعاء الذي كان سائدًا آنذاك عن العبيد بأنهم غير قادرين على التعلُّم أصلًا، وكانوا يُمنعون من القراءة في كثير من الأحيان. وكذلك تدلِّل الوثيقة على نوع الثقافة العلمية التي كانت موجودة في أفريقيا قبل الاستعمار، وتحمل إشارات كثيرة لطبيعة الحياة الدينية والثقافية آنذاك.

كتب ابن عمر رسالةً يخاطب فيها شخصًا من غير المعروف تحديدًا من هو: «من عمر إلى الشيخ حنته، سألتني أن أكتب حياتي»، ويعتذر قبل الحديث عن حياته عن ضعف لغته العربية كلماتٍ ونحوًا، «أنا ناسٍ كثيرًا من كلامي وكلام العرب». وينطلق في سرد سيرة حياته. وفي ذات الدفتر، قبل أن يشرع بسرد حياته، يبدأ المخطوط بسورة المُلك.

ويعتبر باحثون أن اختياره لسورة الملك لم يكن عشوائيًا وإنما جاء ردًا واعتراضًا على استعباده، وتأكيدًا منه على الفهم الديني في الإسلام للملكية وأن المُلك لله وحده، «ولا يحقّ لأحدكم أن يمتلكني».

جزء من سورة المُلك، من القرآن الكريم، كتبها عمر بن سعيد بخط يده. مصدر الصورة: مكتبة الكونغرس الرقمية

يشير بعض الباحثين إلى احتمالية تحوّل ابن عمر للمسيحية، ولكن علاء الريّس، مؤلف كتاب عن ابن عمر ومُترجم نص سيرته الذاتية من العربية للإنجليزية، يُشير إلى أنّ ابن عمر لم يتكلم صراحةً عن تركه للإسلام، رغمَ سَعي مالكيه لذلك بإهدائهم إياه إنجيلًا مترجمًا للعربيّة، بالإضافة لمصحفٍ باللغة الإنجليزية لتسهيل تعلُّمها عليه. وفي هذا السياق يشير الباحثون للآيات 12 و13 من سورة الملك، التي قد تحوي رسالة مضمّنة من ابن عمر: «إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ».

وهذه أجزاءٌ من سيرته الذاتية: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والإحسان من قديم والجود والمنِّ والإجلال والكرم. الحمد لله الذي خلق الخلق لعبادته حتى يرى أفعالهم وأقوالهم. من عمر إلى شيخ حنته سألتني أن أكتب حياتي، لا أستطيع أن أكتب حياتي فقد نسيت اللغة العربية، ولا أفهم إلا القليل منها نحويًا ولغويًا. يا إخوتي سألتكم بالله لا تلوموني فأنا الآن ضعيف الجسد كذلك». يتابع :«اسمي عمر بن سعيد ومكان مولدي فوت تور بين البَحرَين. طلبت العلم في بندر فوت عند شيخ يسمى محمد سعيد وهو أخي، وعند الشيخ سليمان كمبه والشيخ جبريل عبدالله. أنا يثبت (ظللت) طالب علم خمسًا وعشرين سنة. رجعت إلى مكاني ست سنين. جاء في بلدنا جيشٌ كبير قتل كثيرًا من الناس. أخذني ومشى حتّى البحر. باعوني في يد النصرانيّ الذي اشتراني يمشي (أمشاني) إلى السفينة الكبيرة في البحر الكبير. مشينا في البحر الكبير شهرًا ونصف.. باعوني واشتراني رجل صغيرٌ ضعيفٌ سيء يسمى جونسون، كافر جدًا لا يخاف الله في شيء».

صورة عمر بن سعيد. العالم السنغالي الذي استُعبد وبيع في أمريكا. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

هربَ ابن عمر بعد ذلك من الرجل الذي اشتراه وقُبض عليه بعد هروبه بشهرٍ ليُسجن أسبوعين ثم اشتراه أخو حاكم ولاية شمال كارولاينا، وعاش مع العائلتين حتى مماته. كتبَ ابن عمر سيرته هذه عام 1831، وتُوفي إما في 1864 أو 1863، وقد تُوفِّي قبل تحرره من العبودية. عاشَ ابن عمر، الذي يُعتقد أنه كان عالمًا، أكثر من 50 عامًا في أمريكا تحت نير العبودية، ومات فيها. وفي حديثه عن نفسه في أمريكا قال: «أنا مقيم في بلدنا بسبب الضرر العظيم. أخذني الكفار ظلمًا وباعوني ليد النصرانيّ»، ويستذكر أيامه في السنغال: «قبل أن آتي إلى بلد النصارى ديني دين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمشي إلى المسجد قبل الفجر أغسل وجهي، ورأسي، واليدين والرجلين وأصلِّي وقت الظهر وأصلي وقت العصر وأصلي وقت المغرب وأصلي وقت العشاء.. أنا عمر أحب قراءة الكتاب: القرآن العظيم».

من السيرة الذاتية لسعيد بن عمر بخط يده باللغة العربية. مصدر الصورة: مكتبة الكونغرس الرقمية.

قراءة السيرة الذاتية تثير الكثير من الأسئلة النفسية والسياسية والثقافية، وتعود بالإنسان لمرحلةٍ تجاوزتها البشرية بآلامٍ شديدة. وتظل بعض الأسئلة العالقة: لماذا كتب ابن عمر سيرته بالعربيّة؟ ولمن كان يكتبها؟ ولماذا بدأ خصيصًا بسورة المُلك.

يمكنك الاطّلاع على كامل وثائق ابن عمر على الإنترنت في موقع مكتبة الكونغرس.

عبد الرحمن إبراهيم بن سوري.. «أميرٌ بين الرقيق»

هذه القصة قصة أميرٍ مسلم عاش في غرب أفريقيا وتحديدًا في غانا، ولد عام 1762، وتلقَّى تعليمًا ممتازًا فتعلّم عدّة لغات وكثيرًا من العلوم الإسلامية، ومنحه والده لقب «أمير» ونصّبه على جيشٍ من ألفي مقاتل، وكان والده إمام دولة «فوتا جالون». أميرنا هو عبد الرحمن إبراهيم بن سوري، الذي تنقّل في دولة والده طلبًا للعلم وممارسًا للسياسة. وكان محيطه حيويًا ومزدهرًا، فكان للدولة قانونٌ ونظام يشبه الانتخاب، عدا عن الازدهار الاقتصادي والزراعي الذي شهده ابن سوري في بلاده، إلى الحد الذي جعله يستغرب من مستوى الحياة في أمريكا لاحقًا.

بعد فوزه بإحدى المعارك أُغيرَ عليه وأُسِر وشُحِن في سفينةٍ برفقة بعض جنوده إلى الولايات المتحدة ليباع هناك: عبدًا. وبعد سجنه ستّ شهور اشتراه توماس فوستر، ليستعمله مع بقيّة عبيدة للعمل في الحقول. حاول ابن سوري أن يقنع فوستر أنّه أميرٌ وابنُ سلالة ملكيّة وأنّ والده سيقدّم له أضعاف الثمن الذي اشتراه به، لكنّ فوستر لم يقتنع ولقّب عبدالرحمن بـ«الأمير» استهزاءً به. وأمام الضغط والظروف اللاإنسانية هرب ابن سوري واختفى لمدة شهرين عاد بعدها يائسًا من فرص الهروب والنجاة.

ولمعرفة عبد الرحمن بالزراعة، وتحديدًا زراعة القطن، المنتج الذي أثرى الولايات الشمالية في أمريكا حينها، بدأ يكتسب مكانةً مختلفة بين باقي رفاقه من «العبيد» ليرأسهم في العمل، ولاحقًا بدأ يزرع خضرواتٍ ويبيعها ليتكسّب منها لنفسه. وفي تلك الفترة تزوّج إيزابيلا، وهي أفريقية استُعبدت في أفريقيا وأُرسلت لأمريكا، وأنجب منها لاحقًا 10 أطفال.

وفي صدفة شديدة الغرابة، تفاجأ عبد الرحمن ابن سوري بوجود رجلٍ بريطانيّ يعرفه من أيامه القديمة في السوق المحليّ، اسمه جون كوكس، وهو جرَّاح بريطاني أنقذه ابن سوري وعائلته واستضافوه في مملكتهم ستّة أشهر. وما أن تعرّف كوكس على الأمير الذي أكرمه واستضافه حتى اتجه لمالكه فوستر، محاولًا إقناعه بإمارته وأن يحرره حتى لو بالمال. رفضَ فوستر العرض نظرًا لأهمية ابن سوري لأعماله، فقد كان صاحب معرفةٍ واسعة لا توجد عند بقية العبيد في الزراعة، بل لا توجد عند مالكه نفسه، عدا عن إتقانه لستّ لغات، ولم تفلح هذه المحاولة ولكن اكتسبَ ابن سوري على إثرها شهرةً وزخمًا واسعًا في المدينة: «الأمير المسلم».

التقطَ أندرو مارشالك قضيّة ابن سوري، وروّج لها في صحيفته المحليّة، ولاحقًا لم يُعرف مارشالك في التاريخ الأمريكي إلا بسبب مناصرته لابن سوري.

لوحة عبد الرحمن إبراهيم بن سوري. مصدر الصورة: History.com

طلبَ ابن سوري من نصيره مارشالك أن يوصل رسالة كتبها لأفريقيا لأقاربه، وافترض مناصره بشكلٍ تلقائيّ أنّ ابن سوري من ذوي الأصول المغربية الملكيّة نظرًا لمعرفته بالعربية. وكدليلٍ على أصوله الملكية كتبَ آيات من القرآن الكريم، أُرفقت برسالته التي وصلت لطنجة وكان لها أصداؤها في ديوان سلطان المغرب.

على إثر ذلك، وتفاديًا لأيّ تطورات، قرّر الرئيس الأمريكيّ عتق عبدالرحمن إبراهيم بن سوري من العبودية في 22 فبراير (شباط) 1828. وقد عاش ابن سوري  40 عامًا في العبودية، ولكنّ مالكه السابق رفضَ إعتاق زوجته وأولاده، فبدأ حملةً لجمع المال لتحريرهم لم يستطع بعدها إلا أن يحرر زوجته فقط. هذا التعنّت من فوستر جاء بعد عقودٍ من خدمة ابن سوري وعائلته له، ليتمّم تعنته بشرط: فور تحرر زوجته عليه أن يأخذها ويرحل عن أمريكا لئلّا «يتمتّع أبدًا بمزايا أن يكون رجلًا حرًا في الولايات المتحدة»، ولكنّ ابن سوري رفض وتابع حملته لجمع المال في طريق ذهابه لواشنطن العاصمة، التي سينطلق منها نحو أفريقيا. باءت محاولاته بالفشل مجددًا.

ركب الأمير سفينة الحرية، ليعود لبلاده، في المرة الأولى ركب السفينة مستعبدًا ومخطوفًا بعيدًا عن عائلته وابنه الأوّل وزوجته الأولى، والآن يعود مع زوجته الأخرى ممنوعًا عن أولاده العشرة، ولكن على الأقل حرًّا هذه المرة. توفّي ابن سوري بعد وصوله ليبيريا نظرًا لصحته السيئة، وتراكم التعب عليه في السفر، عن عمر 67 عامًا، ويُقال أنه فور وصوله لليبيريا مدّ سجادة الصلاة وشرع يُصلي. بعد وفاته حُرر ثمانية من أولاده، ولم يستطع الوصول لمدينته الأم.

حرٌّ بعد نصف قرن.. الرجل الذي رسموه كرؤساء أمريكا

«محمد يارو»، المعروف في التاريخ الأمريكي باسم يارو ماموت، بدأت قصته كقصة الأمير وسعيد بن عمر. شابٌ في عمر 16 عامًا متعلِّم يُتقن العربية اختُطف ورُحّل لأمريكا ليباع هناك لصامويل بيال، ويصبح في خدمته ثم في خدمة ابنه، وبعد 44 عامًا من استعباده حاول فيها جمع المال لتحرير نفسه، أصبح ماموت حرًا في عمر الستين.

بعد تحرره تابع ماموت أعماله وجمع المال ليشتري بعد أربع سنين من تحرره بيتًا في جورج تاون شمال العاصمة واشنطن. ومع مرور الوقت تابع تنمية ثروته ليشتري أسهمًا في بنك كولومبيا في جورج تاون، ويصبح مُدينًا للسود والبيض على حدٍّ سواء. وسرعان ما سطع نجمه في المدينة، فقد كسر ماموت الكثير من الادعاءات الكاذبة التي استخدمت لتبرير اضطهاد السود؛ بأنّهم جهلة، وليسوا أكفاء. ونموذجه بحد ذاته إثباتٌ تاريخيّ لوجود أقلية مسلمة في وقتٍ مبكر من قيام الولايات المتحدة، وأن الإسلام ليس واردًا جديدًا على أمريكا، وعلى الأقل تصل نسبة المسلمين من الأفارقة المستعبدين إلى 15%.

محمد يارو، أو يارو ماموت، اسمه الذي اشتُهر به في التاريخ الأمريكي. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

عمل رسامان على تخليد صورة ماموت، أوّلهما تشارلز ويلسون بيل، وهو ذات الرسام الذي رسم ثلاثة رؤساء أمريكيين: جورج واشنطن، وبنجامين فرانكلين، وتوماس جيفرسون، ومن المثير للاهتمام أنّه رسم ماموت بنفس طريقة رسمه للرؤساء الأمريكيين وأبطال التاريخ الأمريكيّ، ووضعه على قدمٍ سواء معهم، وظلّت لوحته كذلك حتى اليوم في متحفه الفنّي. توفي ماموت عام 1823 ويُعتقد أنه دفن في المكان الذي اعتاد الصلاة فيه في الأرض التي ملكها.

هذه قصص ثلاثة عبيد فحسب، وغيرها قصص 12 مليون ونصف أفريقي استُعبدوا في الولايات المتحدة، ما زالت كامنةً تنتظر من يرويها.

العبوديةسعيد بن عمرعبد الرحمن بن إبراهيم سوريعمر بن سعيدمحمد يارويارو ماموت

المصادر