17,176

التعريف الدقيق للحرب النفسية؛ حسب ما ورد في قاموس كامبريدج هو «استخدام الأنشطة التي تسبب الخوف والقلق لأعدائك؛ دون أن تؤذيهم جسديًا»، وفي تعريفٍ آخر ورد في قاموس كوبلد «الحرب النفسية هي المحاولات التي تقوم بها لتجعل عدوك يفقد الثقة، ويتخلى عن الأمل، ويتملك منه الخوف؛ حتى تتاح لك فرصة الفوز»، وفي التعريف الإنجليزي الأمريكي لمصطلح الحرب النفسية؛ حسب ما ورد في قاموس نيوورلد يذكر أنها «استخدام الدعاية الإعلامية وغيرها من الوسائل التي يمكن لها أن تؤثر في الجماهير؛ وتتسبب في خلط بالتفكير لديهم، وقتل الروح المعنوية للعدو المستهدف».

تعتبر الحرب النفسية أخطر من الحروب التي يُستخدم فيها العنف؛ وقد أوضح تلك النقطة نابليون بونابرت؛ حين أكد أن حرب العقل أقوى من حروب الأسلحة «هناك قوتان فقط بالعالم: العقل والسيف؛ وعلى المدى الطويل؛ العقل دائمًا ما ينتصر على السيف»، وفي هذا التقرير سنذكر لكم بعضًا من الحروب النفسية الفريدة بالعصور القديمة.

صافرة الموت من أزتيكا.. 100 إنسان يصرخ

منذ عقود وجد الأثريون بأحد معابد الأزتك بالمكسيك؛ صافرة صغيرة الحجم على شكل جمجمة إنسان، وتم التعامل معها في ذلك الوقت على أنها مجرد تُحف أو زخارف تخصُّ هذه الحضارة؛ ولكن بعد اكتشافها بعدة سنوات؛ اكتشف الخبراء أن تلك الصافرة تقوم بإصدار صوت غريب ومخيف تقشعر له الأبدان؛ صوتٌ تمّ وصفه من الخبراء بأنه يشبه صوت 100 إنسان يصرخ؛ وفسر العلماء أن تلك الصافرة هي واحدة من أهم أدوات الحرب النفسية لدى حضارة الأزتك؛ لأنهم كانوا يقومون بالصفير بها قبل مواجهة أعدائهم؛ لبثِّ الرعب في قلوب الأعداء.

بعد معرفة الغرض النفسي من تصنيع هذا الصافرة؛ وصفتها جريدة الـ«ديلي ميل» بأنها تصدر أصواتًا مزعجة ومربكة، خاصة إذا تخيلنا أن هناك المئات من الجنود يقومون بالنفخ في هذه الآلة في نفس الوقت.

هل لديك الشجاعة أن تسمع الأصوات الصادرة منها؟

حرب القطط بين الفرس والمصريين.. سنغلبهم بمعتقداتهم!

هناك نوعٌ آخر من الحروب النفسية؛ وهو النوع الذي يستخدم فيه العدو؛ معتقدات أعدائه باعتبارها نقطة ضعف وأكبر مثال على هذا هي معركة بلوزيوم أو «حرب القطط».

في الحضارة المصرية القديمة؛ كانت للقطط مكانة كبيرة ومقدسة؛ إلى جانب تقديس المصريين القدماء للآلهة «باستيت» والتي يرمز إليها بتمثالٍ على شكل قطة؛ وذكر المؤرخ هيروديت أن من تعاليم المصريين القدماء؛ عند وقوع حريق في أي مبنى أو منزل؛ يجب عليهم أن ينقذوا القطط قبل البشر وقبل حتى محاولة إطفاء الحريق.

وفي معركة بلوزيوم بين ملك الفرس «قمبيز» والملك المصري «پسماتيك الثالث»؛ استُخدمت تلك القدسية للقطط لصالح الفرس؛ حيث أمر الملك قمبيز برسم الكثير من القطط على دروع جنوده، إلى جانب ذلك؛ قام الملك بتخصيص الصف الأول لجيشه بمجموعة كبيرة من القطط والحيوانات المقدسة لدى المصريين؛ وعندما رأى جيش المصريين حيوانات لها رمزية مقدسة – مثل القطة – على الدروع وفي الصفوف الأولى للعدو؛ لم يستطع مهاجمة جيش الفرس؛ خوفًا من نذير الشؤم الذي قد يترتب على قتل رموز مقدسة؛ الأمر الذي أدى إلى هزيمة المصريين؛ وموت المئات من جيشهم.

تيمورلانك وجبل من الجماجم

الملك ذو الأصول التركية/المغولية؛ كان له نصيب تاريخي من الحروب النفسية؛ والتي اعتمدت على بث الرعب في قلوب أعدائه من خلال إبراز العقاب الذي يتلقاه من يقف أمامه في حرب، واستطاع أن يبتكر طريقة يرهب بها أعداءه حتى لا يستهين أحد به وبقدراته.

تيمورلنك الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي؛ كان من غزاة ذاك العصر؛ ويذكر أن جيشه ذبح ما يزيد عن 15 مليون ضحية؛ والطريقة التي اختارها ليرهب بها أعداءه، هي بناء جبل من جماجم ضحاياه الذين ذبحوا على يد رجاله؛ ليكون عبرة لأي شخص تسول له نفسه أن يقف أمام هذا الغازي، الذي وصفه البعض بـ«المخبول».

الجيش الانتحاري والحرب النفسية في الصين

من المعروف أن الحرب أمام شخص ليس لديه ما يخسره؛ هي حرب مخيفة، وهذا أمر أدركه أحد ملوك حضارة الصين القديمة؛ فكان هذا الملك – جوجيان – لديه وجهة نظر قاتلة بشأن الحرب النفسية.

تلك الحرب النفسية ينفذها الصف الأول من جنوده أمام جيش العدو في أرض المعركة؛ حيث يقومون بذبح أنفسهم وقطع رقابهم بأيديهم؛ الأمر الذي يسبب الصدمة والرعب في قلب جيش العدو؛ ويهجم جيش الملك جوجيان قبل أن يفهم جيش العدو ما يحدث، وعلى الرغم من بعض الأقاويل التي قيلت عن الصفّ الأول الذي يتم التضحية به في كل حرب؛ وأنه يتكون من المجرمين وقطاع الطرق؛ إلا أنّ الصدمة كانت تتملك من أعدائه في كل مرة؛ ويصب هذا لصالحه بالانتصار.

وعلى الرغم من أن هذا الملك عاش في العام 496 قبل الميلاد؛ إلا أن تلك الحرب النفسية تُنفذ في بعض الثقافات الشعبية البسيطة في تاريخنا الحديث؛ وعلى سبيل المثال شجارات «البلطجية» في مصر؛ والتي يقوم فيها البلطي بجرح نفسه بمطواه أمام عدوه؛ ليخبره أنه ليس لديه شيئًا يخسره وأنه لا يخاف الألم.

«حملة الغضب» والحرب العالمية الثانية

صافرة الموت تعتبر من نوع الحروب النفسية التي تعتمد على الخداع والمناورة، ولكن في التاريخ البشري، هناك بعض الحروب النفسية المباشرة؛ تلك التي ينطبق عليها التعريف الأمريكي/ الإنجليزي للحرب النفسية؛ والذي يعتمد على «البروباجندا» وتلك النوعية استُخدمت في العصر الحديث.

خلال الحرب العالمية الثانية؛ كان على إنجلترا أن تظهر بوصفها دولة صادقة قدر الإمكان؛ خاصة بعد إقالة وزارة الإعلام بعد الحرب العالمية الأولى، لأنَّ الدعاية الإعلامية التي أطلقت وقت تولي تلك الوزارة؛ كان من السهل كشف الأكاذيب والتضليل التي روجت لها؛ وهذا ما صرح به المؤرخ الأمريكي ديفيد ويلش لشبكة «بي بي سي».

ولذلك؛ كانت الخطة الدعائية أثناء الحرب العالمية الثاني هي «الحقيقة، لا شيء سوى الحقيقة، والحقيقة الكاملة إن أمكن»، ولكن كل هذا لم يقف عقبة في طريق وزارة الداخلية البريطانية؛ لتقوم ببعض الدعايات والتلاعب بالرأي العام أثناء الحرب العالمية الثانية، ولأن قرار وزير الداخلية البريطاني هو شحن طاقة الغضب لدى الجماهير تجاه العدو النازي؛ ومن خلال الحقيقة أيضًا؛ بدأت وزارة الإعلام بشن حرب نفسية من خلال الدعاية والشعارات التي تشير إلى وحشية النازية بشكل مباشر وواضح؛ تلك الحملة التي أطلق عليها «حملة الغضب».

وتعتبر حملة «V for Victory» والتي أُطلقت عام 1941 والتي اختارت حرف V شعارًا للحشد؛ من أكثر الحروب النفسية المعتمدة على الدعاية الإعلامية تأثيرًا، كما أوضح ويلش لبي بي سي؛ لما يمثله هذا الحرف – v- من دلالة معرفية لدى أكثر من لغة؛ فهو الحرف الأول من كلمة نصر بالإنجليزية والفرنسية، وبداية كلمة حرية في اللغة الهولندية واللغة الفلمنكية، وهذا ما جعله رمزًا متعدد الجنسيات، وقد أوضح الرسم الدعائي أن هذا الحرف V يمكن أن يقضي على زعيم النازية هتلر.

أكد خبراء علم النفس أن الحروب النفسية المعتمدة على الحملات الدعائية؛ التي يمكن تمريرها بسهولة عبر الشبكة العنكبوتية؛ أصبحت أكثر أنواع الحروب النفسية خطورة وتأثيرًا؛ بسبب الارتباط النفسي للبشر بالتكنولوجيا في عصرنا الحديث؛ الأمر الذي جعلهم هدفًا أسهل والوصول إليه أصبح أسرع؛ ولذلك دائمًا ما تجد تقارير إرشادية ينشرها علماء النفس في مقالاتهم؛  حول كيفية تحاشي الحرب النفسية التي قد يواجهها الإنسان يوميًا في حياته العادية.