«شركات وسائل التواصل الاجتماعي تستغلنا لتحقيق الأرباح حتى دون أن ننتبه»، أصبحت هذه الفكرة يقينًا راسخًا عند العديد من الناس في السنوات القليلة الماضية، خصوصًا مع ما سمعوه وقرأوه حول الطرق «الملتوية» التي تتبعها هذه الشركات من أجل تحقيق أموال طائلة رغم أن خدماتها مجانية، أو هكذا تبدو ظاهريًّا.

ربما تكون وسائل التواصل الاجتماعي خدمات حديثة نسبيًّا، لكن الفكرة التي تقوم عليها من استغلال الناس لتحقيق أرباح عبر تقديم منتج «مجاني»، هي فكرة موجودة منذ عشرات السنوات. ففي سبعينيات القرن العشرين ظهر المثل الشهير الذي يستخدمه الكثيرون حتى يومنا هذا: «إذا كنت لا تدفع مقابل المنتج، فأنت ذاتك المنتج».

عند تطبيق هذا المثل على شركات الإنترنت، يظهر لنا بالفعل أنه على الرغم من ظهور بعض الخدمات مجانًا على الشبكة العنكبوتية، فإنها تكسب المال عن طريق بيع بيانات مستخدميها.

هذه الفكرة نوقشت باستفاضة في الفيلم الوثائقي الجديد «The Social Dilemma»، التي أنتجته شبكة «نتفلكس». يدرس الفيلم الطرق التي تتلاعب بها شركات التكنولوجيا الكبرى باهتمامات البشر من أجل تحقيق الربح.

ورغم أن هذه الفكرة أصبحت معروفة، وعلى الرغم من أن الفيلم لا يقدم شيئًا لا يعرفه بالفعل شخص مهتم بأدنى حد من التكنولوجيا، فإن مشاهدة هذا الفيلم الوثائقي يمكن أن تكون مثيرة للاهتمام بسبب طبيعة الأشخاص الذين يظهرون فيه.

موظفون سابقون بارزون يحكون شهادتهم في «The Social Dilemma»

في فيلم «The Social Dilemma»، أجريت مقابلات مع المطلعين على التكنولوجيا. نحن نتحدث عن مديرين تنفيذيين وموظفين سابقين في شركات «جوجل» و«فيسبوك» و«تويتر» و«إنستجرام»، وما إلى ذلك، ومنهم مخترعو زر «أعجبني» على «فيسبوك» وموظفون مسؤولون عن خوارزمية الفيديوهات المقترحة على «يوتيوب»، وميزة التمرير أو التصفح اللانهائي المنتشرة في كل مكان.

أعرب هؤلاء الأشخاص، ومعظمهم من الذكور والشباب البيض، عن تحفظاتهم بشأن المنصات التي ساعدوا في تحويلها إلى «أغنى الشركات في تاريخ البشرية»، كما يقول بعضهم.

هناك مفارقة مريرة في الاستماع إلى هؤلاء الأشخاص الذين استفادوا من الشركات نفسها التي يزعمون الآن أنها تعمل على تآكل نسيج المجتمع. والغريب أن هناك اعترافات بالتواطؤ، ناهيك عن اعترافات بالأسف على ما فعلوه.

أحد الذين ظهروا في «The Social Dilemma»، على سبيل المثال، هو تيم كيندال، الذي كان مدير تحقيق الدخل في «فيسبوك» لمدة خمس سنوات.

هناك، كان هذا الرجل هو المسؤول المباشر عن تطوير النموذج الإعلاني للشركة، وهو النموذج نفسه الذي أدى إلى تراجع شركات الإعلام التقليدية، واستغلته مجموعات مختلفة لنشر معلومات مضللة لتقويض الانتخابات والديمقراطية، وفي الوقت نفسه جعل الشركة تربح المليارات.

يعبر العديد من المشاركين في هذا الفيلم عن تلك الحماسة الساطعة، التي تقترب من حد السذاجة، في سنوات عملهم الأولى في شركات التكنولوجيا الكبرى.

أحد هؤلاء كان مديرًا تنفيذيًّا سابقًا في «تويتر»، وقال: «عندما كنت هناك، شعرت دائمًا، بشكل أساسي، بأنها كانت قوة من أجل الخير. لا أعرف ما إذا كنت أشعر بهذا الإحساس نفسه الآن».

وتتخلل المقابلات التقنية مشاهد خيالية لعائلة بها شقيقان مدمنان على هواتفهم لدرجة أنهم غير قادرين على قضاء بضع دقائق من العشاء دون النظر إلى هذه الهواتف.

استغلال علم النفس

يمكن تفسير بعض المشكلات التي يواجهها قطاع التكنولوجيا اليوم بأنها عواقب غير مقصودة، فمن المعقول أن العديد من أباطرة التكنولوجيا كانوا يملكون نوايا حسنة، لكن إغراء النمو السريع والأرباح ربما أعماهم عن حقيقة أن شبكاتهم وخوارزمياتهم ستستخدم أداة لتطرف الناس وتغذية الدعاية غير العلمية، والأخبار الكاذبة التي تعوق جهود التصدي لفيروس كورونا وتغير المناخ، على سبيل المثال لا الحصر.

فنون

منذ 4 شهور
مسلسل «Snowpiercer».. أن ينتهي العالم ولا تختفي الطبقية بين البشر!

من ناحية أخرى، يسرد «The Social Dilemma» كيف استخدمت شركات التكنولوجيا عمدًا نظريات ورؤى من علم النفس السلوكي لجعل منصاتها قوية ولا يمكن للمشتركين الابتعاد عنها قدر الإمكان.

وفي حين أن العقول البشرية ربما لا تكون عاجزة تمامًا في مواجهة الخوارزميات الغامضة التي تتآمر لاستغلالنا من أجل المال، فإن الفيلم يغطي تغطية شاملة الجوانب المقلقة للتكنولوجيا كبيرة الانتشار؛ مما يساعدنا على التيقن أكثر من خطورة ما تفعله هذه الشركات.

من المحتمل أن يثير هذا الفيلم الوثائقي ردود فعل لحظية، مثل أن يحذف بعضهم حساباتهم من الشبكات الاجتماعية، أو يوقفوا تشغيل الإشعارات، أو لا يتبعوا خوارزمية «يوتيوب» ولا يختاروا فيديو غير موصى به لمشاهدته بعد الفيديو الأول، في محاولة لا طائل من ورائها للتغلب على خوارزميات التوصيات. هذه نظرة قصيرة الأمد.

تطلب منا هذه المعضلة الاجتماعية التي تسببت فيها هذه الشركات أن ننظر إلى التداعيات المجتمعية الأوسع. لقد تحولت المنصات التي أنشئت في البداية لربطنا إلى منصات تفرقنا.

ويؤكد الفيلم أن العمل الجماعي المنظم لم يكن أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ إذ إن الطريقة الوحيدة التي سيحدث بها فرق وتغيير حقيقيٌّ هي من خلال الرغبة العامة الكافية للتغيير.

كيف تتلاعب شركات التكنولوجيا بنا؟

تخيل أن كل ما تفعله على الإنترنت يجري تعقبه، وهو ما يحدث بالفعل.

كلما زادت البيانات التي تقدمها لأولئك الذين يتتبعونك، كان هذا أفضل لهم للتنبؤ بما تريد. وكلما توقعوا ما تحبه بشكل أفضل، زادت قدرتهم على إبقائك على اتصال بالإنترنت. وكلما حافظت على تفاعلك عبر الإنترنت، زادت الإعلانات التي تراها. وكلما زادت الإعلانات التي تراها، زادت الأموال التي تنفقها على ما يُعلن عنه. هذه هي المعادلة ببساطة.

تستخدم منصات التواصل الاجتماعي وشركات الإنترنت الكبيرة أجهزة الكمبيوتر وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التي تضعها أنت في نظامهم الذي توجد عليه.

هذا لا يتضمن فقط ما تنقر عليه باستخدام الماوس أو لوحة اللمس، ولكن حتى ما تنظر إليه، وكم من الوقت الذي تستغرقه في النظر إلى هذه الأشياء والصفحات، وما الذي يعجبك، وما لا يعجبك، وأين تتسوق، وماذا تتسوق، وما آراؤك حول السياسة والدين والسيارات والملابس، إلخ. في مكان ما في هذا النظام يوجد ملف خاص بك. يعرفك، يعرف من أنت وماذا تحب، ربما حتى إنه يعرفك أكثر مما تعرف عن نفسك.

دولي

منذ سنة واحدة
كيف حول مارك زوكربيرج «فيسبوك» لديكتاتورية مستبدة؟

هل تعتقد أن هذا أمر مخيف؟ انتظر، فهناك المزيد.

عندما يكون لديك خوارزمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تعلمت ما يكفي عنك لتعرف ما تحب، ستبدأ في إظهار المزيد والمزيد من الأشياء التي تعتقد أنك ستحبها. وهكذا، خلال وقت قصير، سيكون كل ما تراه هو الأشياء التي تريد رؤيتها.

قد يتساءل البعض: «ما المشكلة في ذلك؟». المشكلة هي أن الخوارزمية لا تعرف ما هو صحيح وما هو غير صحيح. لا يوجد لديها جهاز لكشف الحقيقة. نحن نتحدث هنا عن الأخبار المزيفة التي ستصل لك طبقًا لما تحبه وتفضله دون أن تعرف الخوارزمية أن هذه أخبار مزيفة. لذلك إذا بدأت في الإعجاب بقصص إخبارية مزيفة، أو حتى توقفت عندها لبعض الوقت أو نظرت إليها لفترة أطول قليلًا، فإن (نظام الذكاء الاصطناعي) يعرف ذلك. وستبدأ في الحصول على المزيد والمزيد منهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد