«بكر ر تاني ، لن يحدث تصعيد في الأسعار للسلع الأساسية، مهما حصل للدولار.. الجيش مسؤول والدولة مسؤولة معايا.. ده وعد إن شاء الله.. طبعًا ده وعد» هكذا تعهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال ما يُسمى بـ«لقاء الأسرة المصرية» الذي عقده، في أبريل (نيسان) الماضي. مؤكدًا «عنينا على المواطن المصري البسيط كويس أوي»

«بكرر تاني، لن يحدث تصعيد في الأسعار للسلع الأساسية، مهما حصل للدولار.. الجيش مسؤول والدولة مسؤولة معايا.. ده وعد إن شاء الله.. طبعًا ده وعد»، هكذا تعهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال ما يُسمى بـ«لقاء الأسرة المصرية» الذي عقده في أبريل (نيسان) الماضي، مؤكدًا «عنينا على المواطن المصري البسيط كويس أوي».

وبعد أقل من سبعة أشهر من وعود السيسي، اعتمد البنك المركزي المصري في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، قرار تعويم الجنيه مُخفضًا قيمة العملة المصرية بنسبة 48%، وأتى هذا القرار ليحقق لبعض رجال الأعمال مكاسب تُقدر بملايين الجنيهات، بعد ساعات من إقراره، في الوقت الذي ينعكس فيه القرار سلبًا على الطبقات الاجتماعية الأكثر فقرًا في مصر، وبالأخص بعد رفع الدعم عن المحروقات، لتزداد الهوة بين الطبقات الاجتماعية في مصر، وتزداد نسبة الذاهبين لما دون «الفقر المدقع».

مكسب أكثر من 854 مليون جنيه لرجال الأعمال في 48 ساعة!

في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، الموافق يوم الثلاثاء الماضي، طرح البنك المركزي عطاءً دولاريًّا للبنوك المحلية العاملة في السوق، لسد احتياجات عملاء البنوك، وبالأخص رجال الأعمال والمستوردين. وبلغت قيمة العطاء 120 مليون دولار، وهذا عطاء دوري يقدمه البنك المركزي يوم الثلاثاء من كل أسبوع، بعد تعديل آلية العطاءات الدولارية، ليقدم 120 مليون دولار الثلاثاء من كل أسبوع، بدلًا من تقديم 40 مليون دولار في ثلاثة عطاءات دولارية على مدار الأسبوع.

وبلغت قيمة السعر الرسمي للدولار الثلاثاء الماضي 8.88 جنيهًا مصريًا وبعد يومين فقط جاء قرار التعويم ليقفز سعر الدولار لـ16 جنيهًا، بفارق 7.12 جنيهات للدولار الواحد، وبضرب ذلك الرقم في قيمة العطاء الدولاري البالغة 120 مليون دولار، تبلغ قيمة مكسب الحاصلين على هذا العطاء في يومين فقط 854.4 مليون جنيه، تمثل الفارق بين قيمة الدولار عند تقديم العطاء، وقيمته بعد تعويم الجنيه.

لذلك تُثار الشكوك حول أسباب اعتماد التعويم بعد العطاء بيومين، وبالأخص أن قرارًا كتعويم الجنيه هو محل دراسة المسؤولين منذ فترة ولم يأتِ بالطبع بين ليلة وضحاها، وكان مفترضًا أن يقر قُبيل موعد العطاء، إذا كان المسؤولون لا يُريدون أن تذهب مئات الملايين من الجنيهات بهذا الشكل.

الجنيه يعوم و27.8% من المصريين يغرقون إلى ما دون «الفقر المدقع»

تعد الطبقة الفقيرة هي الأكثر تضررًا من قرار تعويم الجنيه، ذلك القرار الذي قد يُزيد نسبة المنضمين للطبقة الفقيرة وتآكل الطبقة المتوسطة، وتعاني مصر من ارتفاع نسبة الفقر المادي، والفقر المدقع، بحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صدر في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويُعرِّف التقرير الفقر المدقع بـ«الفقر الغذائي أي عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية».

بينما يُعرف الفقر المادي بـ«عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية وغير الغذائية «كالمأكل والملبس والمسكن والصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات»، وأفاد التقرير بارتفاع نسبة الفقر المادي في المجتمع المصري، من 26.3% في عام 2012-2013 – أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي – إلى 27.8% في عام 2015.

أما عن نسبة الفقر المدقع في المجتمع المصري، فقد ارتفعت من 4.4% في عام 2012-2013 – أثناء فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي – إلى 5.3% في عام 2015، وأحد أكثر الأرقام الصادمة التي كشفها تقرير «الإحصاء» أن 81.8% من الفقراء غير مشتركين وغير مستفيدين بالتأمينات الاجتماعية، إذ يشترك في التأمينات الاجتماعية 8.7% فقط، فيما يستفيد من تلك التأمينات 8.9% من الفقراء.

وبحسب «الإحصاء» فإن مبلغ 322 جنيهًا شهريًا للفرد يمثل متوسط قيمة خط الفقر المدقع، بينما يمثل مبلغ 482 جنيهًا شهريًا للفرد متوسط قيمة خط الفقر المادي، وقيمة خط الفقر للفرد هي تكلفة حصوله على السلع والخدمات الأساسية، وبالأخذ في الاعتبار انخفاض القيمة الشرائية للجنيه بنسبة 48% بعد قرار تعويمه، تنخفض القيمة الشرائية لمبلغ 482 جنيهًا بنسبة 48%، لتصبح 250.64 جنيهًا، وبذلك ينخفض «الفقراء ماديًا» إلى فئة دون «الفقر المدقع» تلك الفئة التي يحتاج الفرد فيها شهريًا ما لا يقل عن 322 جنيهًا غير عائم، وبذلك تصبح نسبة من هم دون فئة «الفقر المدقع» في مصر بعد تعويم الجنيه 27.8%، أي ما يوازي 25.729.219 مواطنًا مصريًّا.

وقبل التعويم قال اللواء أبو بكر الجندي رئيس «الإحصاء» إن 15% من سكان مصر ينفقون أكثر من 50 ألف إلى مليوني جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم إلى تلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 74 ألف جنيه سنويًا، وقبل التعويم ذكر الجندي أن 67% من المجتمع المصري ينفق ما بين 20 إلى 50 ألف جنيه سنويًا، ولكن بعد قرار التعويم، يحتاج من ينضم لتلك الفئة أن يتقاضى ما لا يقل عن 29.6 ألف جنيه سنويًا، وبذلك يتقلص عدد المنضمين تحت تلك الفئة التي تُعد بمثابة الطبقة المتوسطة، ويرتفع عدد المنضمين لطبقات اجتماعية أدنى.

نوفمبر تاريخ فاصل

رائد سلامة الخبير الاقتصادي وعضو مجلس أمناء التيار الشعبي «تيار يقوده المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي» قال: «نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري يعد تاريخًا مجتمعيًا فاصلًا في الشكل الاجتماعي المصري».

وتابع: «في ظل نسب فقر وبطالة مترفعه في مصر لو أردنا الحديث حول تأثير القرارات الاقتصادية على الشق المجتمعي، فسيكون من واجبنا أن نركز علي الطبقة العاملة تلك الطبقة التي تضم كل من يعمل ويكسب مرتباته من العمل المباشر، بعيدًا عن الاستثمار أو ريع الأراضي أو فوائد البنوك».

يضيف رائد – المهتم بالبحث في التأثيرات الاقتصادية وعلاقتها بالمجتمع: «هناك ملاحظتان يجب أن نتحدث عنهما؛ أولًا التغيير في نسبة مَنْ دون خط الفقر مِن عدد السكان في مصر. كانت هناك شريحة من المواطنين قبل قرارات نوفمبر (تشرين الثاني) لم تكن من الأساس قادرة علي العيش في ظروف الحياة العادية، وكانت هناك شريحة أخري من المواطنين تستطيع العيش بصعوبة، لكن بأقل قدر من المعاناة بالمقارنة مع الشريحة المعدمة، وشريحة ثالثة كانت تعيش بشكل ملائم ومقبول بلا معاناة».

ويتابع : «عقب القرارات الاقتصادية من المتوقع أن يحدث تزحزح للشريحتين الأولى والثانية إلى الأسفل، بينما تستطيع الشريحة الثالثة أن تضبط إنفاقها لتستمر في الحياة دون معاناة كبيرة، والتحرك في شكل وأسلوب وطريقة تلك الشرائح لن يظهر في الوقت الحالي، ولكن سيأخذ وقتًا».

مضيفًا: «الملاحظة الثانية الهامة، التأكد التام وبشكل قاطع من أن النظام الحالي يجنح لليمين، بتخلٍّ واضح عن الالتزامات تجاه المواطنين الذين تلقوا القرارات بالقبول، فلم يحدث أي اعتراض أو مظاهرات غضب عقب إصدارها».

مشيرًا إلى أنه: «وفقًا للأرقام المتوقعة، فإن المصريين تحت خط الفقر سيزدادون بنسبة تتراوح على أقل تقدير ما بين 60-65% من إجمالي التعداد العام وتعد نسبة مفزعة، رغم أنها متفائلة جدًا ولو استمرت الآثار السلبية للقرارات والسياسات الاقتصادية قد تصل نسبة المصريين تحت خط الفقر إلى 70%، اختصارًا المجتمع المصري دخل في نفق مظلم بلا استعدادات كافية تحفظ استقرار المجتمع».

الشعب مسؤول!

وترى سامية خضر – أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس – أن الحكومة تدفع ثمن أخطاء الماضي، حين تم شحن الفقراء والمحتاجين ضد كل القرارات الاقتصادية، بدلًا من تعليم الشعب كيف يدبر معيشته.

وتتابع: «بدلًا من الزيادة السكانية الكبيرة التي تضعف الحكومة وتلزمها بمصروفات كثيرة، كان الأولى أن يتعلم الشعب كيف يوفر كما يحدث في كل دول العالم».

مفسرَة حديثها: «في كل بلاد الدنيا تعلم الدول الشعوب التوفير في استخدام الكهرباء والوقود، ومن لا يوفر يدفع، لكن في مصر يتحدث الإعلام طوال الوقت عن ظروف الشعب وغير القادرين، وذلك الحديث أثر في الشعب المصري، فأصبح ينتظر من الحكومة أن تقوم بكل شيء بدلًا منه».

وتضيف: «ليس صحيحًا أن الطبقة المتوسطة ستتأثر من القرارات بشكل كبير، فالنسبة الغالبة من تلك الطبقة تعيش في دول الخليج، وبالرغم من المشكلات الاقتصادية التي يعيشها الخليج حاليًا، لكنهم لن يتأثروا كثيرًا بالقرارات الاقتصادية الأخيرة في مصر».

وتقول خضر: «التخوف الحقيقي من ذلك، التلاعب بعقول الناس، فتزداد الجرائم تحت تبرير الضغوط الاقتصادية، وهي الخطر الرئيس على المجتمع المصري».

الانفجار قادم

يقول مدحت الزاهد، القائم بأعمال رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وعضو المجلس الرئاسي للتيار الديمقراطي: «القرارات الاقتصادية الأخيرة أُعلنت في توقيت سياسي خاطئ، ودون أي مراعاة للطبقات الفقيرة والمتوسطة في مصر، ومن الممكن أن تؤدي إلى تفاقم الأزمة والفجوة بين النظام والشارع، ما يعني أن الانفجار المجتمعي قد يكون في أي لحظة».

يتابع: «كان هناك مواقف مشابهة من قبل في عام 1977، عندما أصدر الرئيس محمد أنور السادات مجموعة قرارات اقتصادية أدت لانتفاضة في الشارع المصري، عرفت بعد ذلك بـانتفاضة الخبز».

وأشار: «المنتظر أن تتجه القوى السياسية المدنية المعارضة للسيسي، للتوافق على برنامج عمل ومرشح للدفع به في الانتخابات القادمة لإنقاذ مصر مما يحدث» .

الجيش والشرطة والقضاء من أقل المتضررين من التعويم

يؤدي قرار تعويم الجنيه إلى انخفاض سعره وقيمته الشرائية، وزيادة معدلات التضخم وبالطبع ارتفاع الأسعار، ومن المفترض أن يُقابل ارتفاع الأسعار ارتفاعٌ في الأجور، حتى لا تزداد معدلات الفقر. ولكن يظل معظم المصريين العاملين في القطاعات الحكومية خصوصًا والخاصة أيضًا، بنفس الدخل المادي، ولكن الأمر يبدو مختلفًا للعاملين في هيئات القضاء والشرطة والجيش.

فمع أن رواتب العاملين في تلك الهيئات مرتفعة نسبيًا عن غيرها من الهيئات التابعة للقطاع العام، إلا أن دخلهم يزيد بين الحين والآخر من خلال زيادة في المرتبات أو المعاشات أو البدلات أو المكافآت، مما يُقلص التأثير السلبي لارتفاع الأسعار، لأن هذا الارتفاع يُقابله ارتفاع في الدخل للعاملين في تلك الهيئات.

وبين الحين والآخر، يتخذ النظام المصري قرارات بزيادة دخل القضاة والعاملين في السلك القضائي عمومًا، أما عن الجيش والشرطة، فقد أجرى «ساسة بوست» مسحًا للزيادات المادية في دخل الجيش والشرطة، خلال أكثر من خمسة أعوام ، منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن، وبلغ عدد الزيادات 13 زيادة، وقُسمت الزيادات إلى خمس زيادات للشرطة، اثنتين في عهد المجلس العسكري، واثنتين أخريين في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، وواحدة في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور.

ثُمّ ثماني زيادات للجيش، جميعها جاء عقب بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، بينها زيادتان أصدرتا في عهد الرئيس المُؤقت عدلي منصور، إحداهما أصدرها عبد الفتاح السيسي، عندما كان وزيرًا للدفاع في نفس الفترة، وبذلك يبلغ حجم الزيادات التي أصدرها السيسي للقوات المسلحة سبع زيادات. هذا وقد وافق البرلمان الحالي على كافة القوانين المُرتبطة بالزيادة المادية للجيش التي عُرضت عليه.

وكان من اللافت أن زيادات مُرتبات الشرطة أعقبت ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، التي اندلعت كرد فعل على انتهاكات جهاز الشرطة. كذلك، فإن زيادات مُرتبات الجيش كثرت في فترة ما بعد بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، بالرغم من تكرار الرئيس عبد الفتاح السيسي دعواته للمصريين بالتقشف ومساعدة البلاد للنهوض من أزمتها الاقتصادية، بالتبرع لصندوق تحيا مصر، وهنا تجد خطًا زمنيًا يستعرض زيادات رواتب الجيش والشرطة بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني).

عرض التعليقات
تحميل المزيد