لطالما اجتذبت الأفلام والمسلسلات الجاسوسيّة اهتمام المشاهدين؛ لمعرفة عوالمهم السريّة، وتقنياتهم في الخداع والإقناع، والخروج من المواقف التي تبدو يائسة، ولعلّ هذا يفسّر سرّ نجاح أفلام مثل «جيمس بوند»، و«المهمة المستحيلة» وغيرها. لكن يبدو أنّ الموضة في هوليوود في الآونة الأخيرة اتّجهت إلى تخليد سيرة جواسيس حقيقيّين نشطوا في المنطقة العربيّة لصالح جهاز «الموساد» الإسرائيلي، وهذه المرة مع: إيلي كوهين.

فبعد فيلم «الملاك»، الذي أنتجته سنة 2018 شركة «نتفليكس»، ويروي سيرة أشرف مروان، السياسي ورجل الأعمال المصري، وزوج ابنة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، والمتّهم بالتجسّس لصالح الإسرائيليّين – فيما تنفي السلطات المصريّة التهمة عنه- الذي توفي في ظروف غامضة، بعد سقوطه من شرفة منزله في لندن سنة 2007. عادت «نتفليكس» هذه المرّة بقصّة جاسوس إسرائيليّ آخر، هو إيلي كوهين، الذي نشط في سوريا في سنوات الستينيات لصالح «الموساد»، عبر مسلسل «الجاسوس». إذ استطاع اليهودي المولود في الإسكندرية بمصر، من خلال مهاراته في الإقناع والتمثيل، أن يخدع أكبر القيادات السياسيّة والعسكرية السورية، وينسج علاقات مع الطبقة الحاكمة، لدرجة أنّ البعض يرى أنّه كان قريبًا من الوصول إلى منصب رئيس الجمهوريّة نفسه.

ويأتي المسلسل في ستّ حلقات، بثّت أولاها في 6 سبتمبر (أيلول) الجاري، من بطولة الممثل ساشا بارون كوهين في دور الجاسوس إيلي كوهين. وقد أثار الفيلم جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعيّ، إذ رأى بعض المتابعين أن المسلسل لا يعدو أن يكون «بروباجندا» من أجل خدمة التوجّه الإسرائيلي عن طريق المسلسلات والأفلام، خصوصًا بالنظر إلى توجّهات بطل المسلسل ساشا كوهين الصهيونيّة، إذ إنّه طوال شبابه شارك في العديد من النشاطات والأعمال التطوّعية في إسرائيل، وضمن مجموعات صهيونيّة في إنجلترا. 

فما قصّة إيلي كوهين الذين استطاع اختراق صفوف القيادة السياسيّة السورية خلال فترة الستينات؟

كم مرة هزمتنا الخيانة دون قتال.. قصة 3 جواسيس خدعوا قادة العرب

إيلي كوهين.. من بيع ربطات العنق في أزقة الإسكندرية إلى عميل «الموساد» الأهمّ

أن يحاول العملاء السريّون التجسّس على القيادات العليا في الدولة؛ فهذه وظيفتهم في كل أنحاء العالم، لكن أن تصل علاقاتهم ونفوذهم إلى حدّ مصاحبة رئيس الجمهوريّة، ومرافقته وأخذ الصّور التذكاريّة معه، وحضور المناورات العسكريّة السريّة؛ فإن هذا دليل على حجم اختراق صادم، وفشل مخابراتيّ ذريع، وخديعة كبرى وقعت فيها القيادة السوريّة في ستينيات القرن الماضي.

الجاسوس أو إيلي كوهين

غلاف مسلسل «الجاسوس» – المصدر:imdb

في أحد أحياء مدينة الإسكندريّة بمصر، وُلد لعائلة يهوديّة الطفل إيلي كوهين، الذي سيكون عنوان إحدى أكبر العمليّات الجاسوسيّة الإسرائيليّة في العالم العربيّ. بعد شبابه في مصر وقراره الالتحاق بالحركة الصهيونيّة والعمل لصالحها في السرّ، غادر إيلي كوهين مسقط رأسه إلى إيطاليا، ومن هناك إلى إسرائيل، حيث تبنّاه الإسرائيليّون، ودرّبوه على إتقان اللهجة السوريّة وتعاليم الإسلام، حتى يبدو شخصيّة سوريّة لا تكشفها الأبصار والأسماع.

ومن إسرائيل سافر إيلي كوهين إلى الأرجنتين، بعدما صُنعت له أوراق ثبوتيّة سوريّة، وتظاهر بأنّه تاجر يعمل في مجال الاستيراد والتصدير، ممّا أتاح له الاندماج في أوساط العرب هناك، وسرعان ما بنى علاقات متشابكة مع عدّة شخصيات عربيّة معتبرة من مسؤولين وسفراء.

وتقول مصادر إنّ مدخل إيلي كوهين إلى الملعب السوري، كان عن طريق تعرّفه إلى الملحق العسكري في الأرجنتين العقيد أمين حافظ، الذي سيصير فيما بعد، بفضل سلسلة الانقلابات التي حدثت في سوريّا في الخمسينيات والستينيات؛ رئيسًا للجمهورية في سنة 1963، لكن الرئيس أمين حافظ يؤكّد – كما صرّح في برنامج «شاهد على العصر»- أنّ هذه المعلومة عارية عن الصحّة؛ لأنّ إيلي كوهين قد غادر الأرجنتين قبل وصول حافظ إليها.

في سنة 1961 قرّر كامل أمين ثابت، الاسم المستعار لإيلي كوهين، إنهاء تجارته في أمريكا اللاتينيّة، والعودة إلى سوريا «بدوافع وطنيّة»، وبفضل علاقاته التي بناها في الأرجنتين مع كبار المسؤولين، استطاع تسويق صورته بوصفه رجل الأعمال الوطنيّ الناجح، الذي يملك علاقات مع القيادة العليا في الدولة، مما فتح له عدّة أبواب لممارسة نشاطاته التجسسيّة لصالح «الموساد» الإسرائيلي، وصلت إلى حدّ حضور تدريبات ومناورات للجيش السّوري في أراضي «الجولان» شديدة الخطورة. ليُستضاف إيلي كوهين في الإذاعات السوريّة بصفته أنموذجًا للرجل العربي الناجح، الذي عاد من الاغتراب ليساهم في بناء الوطن، دون أن تنكشف نواياه المبطنة.

جدير بالذكر أن رئيس الجمهوريّة السوريّة السابق، أمين الحافظ، الذي يُشاع ارتباطه بإيلي كوهين وتسهيله الدخول إلى سوريّا، حين كان ملحقًا عسكريًّا في الأرجنتين، في الفترة نفسها التي نشط فيها إيلي كوهين في البلد نفسه؛ قد هوّن من حجم المعلومات التي حصل عليها، وقال في برنامج «شاهد على العصر» في قناة «الجزيرة» إن القضية جرى فيها تهويل كبير من أجل النيل من سمعة أمين الحافظ، واستخدامها وسيلة لتحقيق أغراض سياسيّة، وحسب كلامه فإنه «لم ير إيلي كوهين، ولم يقابله في حياته».

إشارة إرسال مجهولة تكشف الجاسوس الإسرائيلي

صحيح أن الكثير ممّا أحيط بإيلي كوهين لا يخلو من المبالغات، خصوصًا الإشاعات التي تقول إنه كان عضوًا في القيادة القُطرية لـ«حزب البعث» السوريّ الحاكم، أو تلك التي تزعم أنّه شارف على الوصول إلى منصب رئاسة الجمهوريّة، فلا يُعقل أن يقترب من هذا المنصب الذي تعرّض لانقلابات متكرّرة، رجلٌ مجهول لم يُعرف اسمه إلا قبل سنوات معدودة.

إيلي كوهين

صورة من مسلسل «الجاسوس» – المصدر: imdb

لكن هذا لا ينفي عن كوهين تحقيقه اختراقًا كبيرًا في النظام الحاكم والجيش السوريّ، متمثّلًا في علاقاته مع رؤوس النظام، وزياراته للجبهة السوريّة مع إسرائيل بصحبة قادة كبار في الدولة، وتسريبه أخبارًا حسّاسة لجهاز الاستخبارات الإسرائيليّ، تتعلّق بالشؤون العليا للدولة السوريّة، كما أكّد وزير الإعلام السوريّ الأسبق، محمّد الزعبي.

يقول الكاتب «محمّد حسنين هيكل» القريب من دوائر الحكم المصريّة، إنّ: «الفضل يعود إلى جهاز المخابرات المصريّة في كشف هذا الجاسوس الإسرائيليّ، فبينما كان الجهاز يدرس الصّور القادمة من سوريّا، لاحظ ضبّاط الجهاز وجود شخصيّة غير معروفة في صورة لمناورات الجيش السوريّ، وبعد تدقيق وبحث وجد الجهاز أنّ هذه الشخصيّة هي الجاسوس الذي اعتُقل في مصر عدّة مرّات، وقد أُبلغ الطرف السوريّ بهذه المعلومات لتجري محاكمته وإعدامه شنقًا في ميدان عام.

وقد نفى الرئيس السوري السابق أمين الحافظ «جملةً وتفصيلًا» حسب تعبيره، رواية هيكل التي حكاها عن ملابسات قضيّة إيلي كوهين. لكن الرواية السوريّة الرسميّة تنفي أيّ علاقة لمصر باكتشاف كوهين، إذ يقول السوريّون إنّ المخابرات السوريّة قد التقطت إشارة لاسلكية مجهولة المصدر، وتزامنت مع شكوى من طرف السفارة الهنديّة بوجود تشويش على اتصالاتها، ليجري التحقيق حول مصدر الإشارة عبر أجهزة متطوّرة من الاتحاد السوفيتي، انتهت بالوصول إلى منزل إيلي كوهين وتفتيش بيته، إلى اكتشاف جهاز إرسال احتياطي مخبأ تحت الطاولة، مخفي داخل مجموعة من الأوراق.

 إيلي كوهين

طابع بريدي إسرائيلي لتخليد ذكرى إيلي كوهين- مصدر الصورة: lemondejuif.info

ويأتي مسلسل «الجاسوس» ضمن حملة طويلة من التمجيد والدعاية و«إعادة الاعتبار» من طرف إسرائيل للجاسوس إيلي كوهين، بوصفه بطلاً وطنيًّا يستحق الاحترام والتقدير. كما استماتت في محاولة جلب جثمانه بعد إعدامه، وقد اقترحت على السوريين مبادلة جثمانه بآلاف الأسرى السوريّين، حسب شهادة الزعبيّ، كذلك أصدرت إسرائيل طابعًا بريديًّا يحمل صورته تخليدًا لـ«تضحياته» من أجل الحركة الصهيونيّة.

وقد عادت قصّة هذا الجاسوس لتصنع الحدث مرّة أخرى قبل أشهر قليلة، حين ذكرت وسائل إعلام بذل الحكومة الإسرائيليّة جهودًا لاسترجاع رفات إيلي كوهين، وقد انتشر مؤخّرًا فيديو لإعدام الجاسوس سنة 1965.

فيديو إعدام إيلي كوهين:

لعلّ إيلي كوهين، المولود في مصر، والذي انتهى به المطاف لخدمة عدوّ مصر الأوّل – آنذاك على الأقل– وهو يستعدّ لحكم الإعدام الذي سيطبّق في حقّه فجر اليوم التّالي، وشريط حياته يمرّ أمام عينيه، قد تذكّر ربطات العنق التي كان يبيعها والده في صغره، والسّخرية التي خبّأتها الأيّام بأن تكون نهايته من خلال ربطة تُشدّ على عنقه؛ ليس للزّينة هذه المرّة، ولكن لإنهاء حياته.

اغتيالات غامضة تحمل بصمتها.. هكذا تعمل قوات إسرائيل الخاصة في الدول العربية

المصادر

تحميل المزيد