في عام 1953، شهدت إنجلترا تتويج الملكة إليزابيث الثانية، وسط هتافات الجماهير المؤيدة، وكان حفل تتويجها مهيبًا، كما يليق بملوك أوروبا، ولم يُقابل كونها امرأة ستتوج على عرش إحدى أعظم وأقوى الدول الأوروبية بالاستهجان أو الاعتراض، واستمرت في الحكم إلى اليوم على مدى ما يقرب من سبعة عقود.   

لكن الحال لم يكن هكذا دومًا بالنسبة لملكات إنجلترا، فقد تلقت ماتيلدا، ابنة الملك هنري الأول، وأول امرأة سعت لتولي حقها في الحكم، عام 1141 رد فعل مختلف تمامًا إذ طردتها الحشود الغاضبة من العاصمة، وكان من المسلم به خلال العصور الوسطى أن يتولى الرجال الحكم، أما النساء فإذا سعين للسلطة؛ كان يجري انتقادهن، وإدانتهن، ومنعهن. 

«النساء غير مناسبات لتولي الحكم، فهن أضعف من الرجال، وأقل عقلانية، وأكثر إثمًا، وغير قادرات على القتال وتشريع القوانين»

هكذا ساد الاعتقاد حينها، لهذا؛ كان من الضروري أن يتولى رجل عرش إنجلترا، ولكن ماذا إن لم يكن هناك أبناء ذكور يرثون العرش؟ هذا ما واجهه الملك هنري الثامن، الذي حاول فعل الكثير لضمان أن يحظى بابن يخلفه في الحكم، حتى أنه طلق إحدى زوجاته وأعدم أخرى، لكن الأقدار كان لها مخطط آخر.

شاءت الأقدار أن تجري الرياح بما لا تشتهيه رغبة الكثيرون ممن خططوا وتآمروا ضد تولي أول امرأة حقها وفق النظام الملكي في تولي عرش إنجلترا، فما هي قصة صعودها؟ وكيف كانت فترة حكمها؟ ولماذا وصفت بـ«ماري الدموية»؟

الابنة الوحيدة الناجية للملك هنري الثامن

في قصر بلاسينتا في جرينتش بإنجلترا، ولدت ماري تيودور في 18 فبراير (شباط) عام 1516، الطفلة الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة للملك هنري الثامن وزوجته الأولى، الأميرة الإسبانية كاثرين من أراغون. وكانت كاثرين ابنة حاكم إسبانيا، وأرملة آرثر، الأخ الأكبر للملك هنري الثامن، والتي تزوجها في نفس عام توليه الحكم عام 1509، ودام زواجهما 24 عامًا أنجبا خلالها ستة أطفال لم يستمر منهم على قيد الحياة إلا طفلة واحدة، هي ماري.

بعد ولادتها، جرى تعميدها طفلةً كاثوليكية، ولاحقًا، تلقت تعليمًا ملكيًا على يد والدتها، ومجموعة من العلماء، وكانت فتاة مجتهدة ومشرقة، وبرعت في الموسيقى، واللغة، وفي عام 1525، عينها والدها الملك هنري أميرة ويلز، وأرسلها للعيش على الحدود الويلزية، بينما كان يحاول باستمرار التفاوض على ترتيب زواج لها.

ومنذ طفولتها، كانت ماري بيدقًا في صراع إنجلترا المرير مع الدول الأكثر قوة، إذ كان يجري اقتراحها دون جدوى للزواج من هذا أو ذاك الحاكم المطلوب حليفًا للمملكة، ومع أنها لم تكن الابن الذكر الذي طال انتظاره، إلا أنها كانت الابنة الوحيدة التي نجت من طفولتها، ونشأت في نظر الجمهور أميرةً محبوبة، على الأقل حتى سنوات المراهقة، عندما أدى افتتان والدها بسيدة أخرى إلى طلاق والدتها، وقلب حياة ماري رأسًا على عقب بسبب زواج والدها الجديد.

ماري تتحول إلى ابنة «غير شرعية»

سأم هنري الثامن الانتظار، وأدرك أخيرًا أن زوجته كاثرين لن تنجب له الوريث الذكر الذي سيخلفه من بعده. وبدأ يرى زواجه منها لعنة تُطارده، وتمنى لو أنه لم يتزوج من أرملة أخيه، وخطط هنري للزواج للمرة الثانية من سيدة تدعى آن بولين، كانت ضمن حاشية الملكة كاثرين، فتاةً يافعة وجذّابة، وقع الملك في حبها، ولكنها رفضت أن تكون واحدة من عشيقاته، وأصرّت أن تُصبح ملكة.

وبالفعل، قرر هنري الانفصال عن كاثرين، وتزوج آن بولين عام 1533، بعد إبطال زواجه من كاثرين بدعوى أنها كانت زوجة شقيقه المتوفى، بمسوغ أن بقاها زوجة لهنري هو «زنا محارم»، لكن الكنيسة الكاثوليكية والبابا حينها رفض الاعتراف بحق هنري في طلاق كاثرين، حتى بعد تقنين الطلاق في إنجلترا. 

مع ذلك، أصر هنري على فسخ الزواج، وفي عام 1534، انفصل هنري عن روما وقطع علاقته مع كنيستها الكاثوليكية، وأسس كنيسة إنجلترا، واعتبر ذلك حينها انضمامًا لحركة الإصلاح الديني التي كانت قائمة، وتحولت إنجلترا إلى دولة بروتستانتية، وفضلًا عن ذلك، جعل قوله بأن زواجه السابق هو محض «زنا المحارم»، من ماري ابنةً غير شرعية.

كانت ماري في الخامسة عشر من عمرها حين انفصل والدها عن أمها، وذهبت هي وأمها إلى منفى منفصل، إذ منعت ماري من رؤيتها، وجُردت من لقب أميرة، ولم تر والدتها مرة أخرى حتى وهي تحتضر، لكنهما كانا يتراسلان سرًا، ولاحقًا نُقلت ماري إلى قصر هاتفيلد، إذ أجبرت على خدمة أختها غير الشقيقة اليزابيت الأولى، وأُكرهت على العيش في أسوأ غرفة في القصر، وسُحب منها خدمها، واستُبدلوا بآخرين.

مرضت ماري طوال الفترة التي قضتها في هاتفيلد، وشعرت بالإهانة والخوف، ورأت كراهية زوجة أبيها لها تلك السيدة التي تسببت في طلاق والديها من وجهة نظرها، وطردها هي ووالدتها من القصر، ومن ثم نمت داخلها كراهية متزايدة لكل ما هو بروتستانتي. 

الملك يعدم زوجته بتهمة الزنا والوريث في الطريق 

أنجبت آن بولين لهنري طفلتهما الأولى والوحيدة، إليزابيث، التي أصبحت فيما بعد الملكة إليزابيث الأولى، وحملت آن بعد ذلك عدة مرات لكنها فقدت جميع مواليدها، وبدأ هنري يلومها لأنها لم تنجب له وريثًا ذكرًا، وأخذت علاقتهما تتراجع، حتى تجرأت آن على انتقاد الملك علنًا داخل البلاط؛ ما جعله يضيق بها ذرعًا، ويفكر في التخلص منها والزواج من أخرى.

وبالفعل، أمر هنري باعتقالها وإعدامها في برج لندن، بعد أن وجهت لها تُهم الزنا، والسحر، والتخطيط لقتل الملك؛ ليسدل قرار إعدامها الستار على الزيجة الثانية للملك التي استمرت لنحو ثلاثة أعوام فقط. وخلال تلك الفترة التي ساءت فيها الأمور بين الملك وزوجته الثانية، عرض هنري العفو عن ماري إذا اعترفت به رئيسًا لكنيسة إنجلترا، وبكونها ابنة غير شرعية، لكنها رفضت أن تفعل ذلك حتى أقنعها ابن عمها، الإمبراطور تشارلز، بالاستسلام.

وبعد أن تصالح هنري معها، أعطاها منزلاً يليق بمنصبها، وأخذ يخطط مرة أخرى لترتيب زواج لها، وكذلك، جعلها عرابة للأمير إدوارد، ابن هنري من زوجته الثالثة جين سيمور، التي كانت إحدى وصيفات آن بولين، وخطبها هنري في اليوم التالي لإعدام آن، وتزوجها بعد 10 أيام فقط، وكانت الزوجة التي نجحت في ولادة وريث التاج، الأمير إدوارد، الذي خلف والده لاحقًا في تولي العرش باسم الملك إدوارد السادس.

توفى الملك هنري في عام 1547، ليصبح إدوارد البالغ من العمر حينها تسع سنوات ملكًا لإنجلترا، ويكمل سلالة ملوك آل تيودور، ولكن فترة حكمه لم تدم طويلًا، إذ وافته المنية صغيرًا بعد ست سنوات من توليه الحكم، ومع ذلك، استطاع إدوارد خلال تلك الفترة أن يسير بالبلاد بقوة نحو التغيير الديني من الكاثوليكية إلى البروتستانتية، وأجرى تغييرات دينية تضمنت إلغاء منع رجال الدين من الزواج للمرة الأولى في إنجلترا.

الملك الطفل يخشى على البروتستانتينية

في 6 يونيو (حزيران) عام 1553، توفي إدوارد، الابن الوحيد للملك هنري الثامن، وهو بعمر 15 عامًا، بعد أن حوله مرض السل إلى شخص وحيد ينازع لالتقاط أنفاسه الأخيرة على سرير مطلي بالذهب، وشكلت وفاته أزمة سياسية خطيرة، فبعد رحيله لم يتبق أحد من الذكور الشرعيين ليرث عرش إنجلترا، ولأول مرة في التاريخ الإنجليزي كان جميع المتنافسين على العرش من النساء.

ووفقًا لوصية هنري الثامن، إذا ما مات إدوارد، يُمنح التاج لماري أولًا، ثم تعقبها إليزابيث، ولكن كانت هناك معضلة، ألا وهي كون إدوارد بروتستانتيًا متعصبًا، وماري على النقيض كاثوليكية بنفس درجة تعصبه، ولذلك، خشيت ماري أن يلعب ذلك دورًا في إعاقتها عن تولي الحكم.

كذلك، خشي إدوارد من أن تؤدي وفاته إلى عودة شعبه إلى «ظلام الكاثوليكية» حسب اعتقاده، وخاصة بعد أن أمضى حياته القصيرة في إجراء إصلاحات بروتستانتية شاملة في البلاد، لذلك؛ توصل إدوارد إلى ثغرة في وصية والده؛ لاستثناء أخته غير الشقيقة، ماري الأولى من وراثة العرش، وأوصى بتعيين ابنة عمه جين جراي وليةً للعهد، لمنع العودة للكاثوليكية. 

وقد أدت تلك الوصية لاشتعال النزاع بعد وفاة إدوارد، الذي خلفته بالفعل جين جراي في تولي الحكم، ولكنها لم تمكث به سوى لتسعة أيام فقط، قبل أن تسرع ماري للمطالبة بالملك، وهو الأمر الذي ساندها فيه شعبها وبلادها التي اعتبرتها الحاكم الشرعي، وفي غضون أيام قليلة، دخلت إلى لندن منتصرة لتتولى الحكم وهي في عمر 37 عامًا.

بالحوار ثم الحديد والنار.. ماري تصبح أول امرأة تحكم إنجلترا

وفي عام 1553، توجت ماري ملكة على العرش؛ لتصبح أول امرأة تتولى حكم إنجلترا، وفي بداية حكمها، أصدرت إعلانًا رسميًّا بأنها لن تكره أحدًا على اعتناق مذهب بعينه، وكان هذا من أشهر الإعلانات النادرة في التسامح الديني الذي تصدره دولة أوروبية في ذلك العصر. 

كذلك، عملت على إنشاء توازن في المؤسسات السياسية، خاصةً في البرلمان؛ فحافظت في البداية على علاقة طيبة بين الكاثوليك والبروتستانت، واعتقدت ماري أنها ستتمكن من إعادة الكاثوليكية بالحجة والإقناع، ونظمت لأجل ذلك مناظرات عامة بين علماء اللاهوت المتعارضين في الرأي، ولكن المحاولات تبخرت في جدال عقيم. 

ولكن كرهها الشديد للبروتستانت الذي سيطر على قلبها منذ طفولتها، وزاد منه أخوها إدوارد السادس الذي أمر بهدم كل المعالم الكاثوليكية فى الكنيسة، تسبب فى إصابتها بهاجس الحفاظ على الكاثوليكية والعمل على إحيائها، وأخذت تطبق خطوات تدريجية لإعادة الكاثوليكية، فبدأت أولًا بإبعاد معظم رجال الدين البروتستانت من المراكز المهمة، وجاءت برجال دين كاثوليك محلهم.

بعد ذلك، أمرت بطرد البروتستانت الأجانب الهاربين من الاضطهاد في بلادهم، ثم تطور الأمر إلى استخدام العنف من خلال سن قوانين الهرطقة لمحاكمة كل من يعارض الكاثوليكية، وشرعت تنتقم من جميع المعارضين لها، واضطهدت البروتستانت وأعدمت قادتهم، ولم تتردد في شنق معارضيها، وعلى مدى أربع سنوات، هي الفترة التي قضتها في الحكم، كانت جثث المتمردين تتدلى من المشانق، وجرى إعدام من اتهموا بالزندقة أو الهرطقة بلا هوادة.

وشهدت كاتدرائية لندن أبشع أنواع التعذيب ضد البروتستانت، وأحرق حوالي 300 منهم على الأوتاد الخشبية. واستمرت عمليات الاضطهاد ضدهم حتى وفاة ماري التي أصبحت مكروهة، وعرفت منذ ذلك الحين فصاعدًا باسم «ماري الدموية Bloody Mary».

«مريضة عقيمة تعاني الاكتئاب».. آخر الأيام 

عندما تولت ماري الحكم، كانت بلا زوج ولا أطفال، وكانت تعلم أنها إذا بقيت بلا أطفال؛ سينتقل العرش من بعدها إلى أختها البروتستانتية غير الشقيقة، إليزابيث، لذا؛ كانت بحاجة إلى وريث كاثوليكي يحافظ على التغييرات التي أجرتها في البلاد، ولتحقيق هذا الهدف؛ رتبت للزواج من فيليب الثاني، ملك إسبانيا.

كان فيليب يصغرها بأكثر من 10 سنوات، ولم يكن متحمسًا للزواج منها، ولكن والده الملك شارل الخامس أقنعه بأن المصاهرة بين آل هابسبورج وآل تيودور؛ ستؤلف قوة بين إسبانيا وإنجلترا وفرنسا قادرة على منح أوروبا الغربية السلام، وتقضي على البروتستانتية في ألمانيا.

وبالفعل تم الزواج، ولكن رد الفعل العام عليه لم يكن مرحبًا على الإطلاق، وحاول بعض المتمردون التآمر على الملكة؛ بسبب رفضهم عودة الكاثوليكية التي ستعني تخليهم عن ممتلكاتهم التي حصلوا عليها في زمن هنري الثامن وابنه إدوارد، إلى جانب خشيتهم أن تصبح إنكلترا تابعة لإسبانيا من وراء هذا الزواج الملكي، ولكن التمرد فشل بعد انكشاف أمره. 

مع ذلك، لم ينتج عن تلك الزيجة أي أطفال، وشعر فيليب بالملل من زوجته، فلم يكن يقضِ وقتًا طويلاً في إنجلترا، ولم يقدم شيئًا من شبكته التجارية الواسعة في العالم الجديد إلى التاج البريطاني، وعلاوة على ذلك، دفع التحالف مع إسبانيا إنجلترا إلى صراع عسكري خاسر مع فرنسا، وهو الأمر الذي أفقد إنجلترا ميناء كاليه الذي كانت تحتله، وكان آخر الممتلكات الإنجليزية على البر الرئيسي الفرنسي.

أما عن ماري فقد عانت من سلسلة من الاجهاضات المتكررة، تركها على إثرها زوجها بعد يأسه منها، لتصارع الاكتئاب والحزن، حتى وفاتها في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1558؛ بسبب ما يرجح أنه سرطان في الرحم أو المبيض، وقد فرح الشعب بوفاتها التي انتهى معها عهد الردة الكاثوليكية، ليبدأ عهد جديد مع أختها إليزابيث الأولى، التي استكملت طريق والدها وأخيها، وتميزت عنهما بإحداث مزيج عقائدي بين الكاثوليكية والبروتستانتية، ويقال إنها كانت من أقوى وأنجح من حكم إنجلترا.

وبتولي ماري ومن بعدها أختها إليزابيث، بزغ فجر عصر جديد تولت فيه النساء الحكم في أوروبا دون اعتراضات أو اتهامات بالتوحش، وليصبح من الطبيعي أن تعتلي عرش إنجلترا اليوم سيدة، ظلت على رأسه لأطول فترة حكم في تاريخ البلاد. 

المصادر

تحميل المزيد