لا تفتح التابوت، قد تصبك اللعنة

 تلك الجمُلة رُسخت في أذهان أجيال متتالية عن لعنة الفراعنة، ليس في مصر فقط، بل في العالم كله. وقد بدأت تلك الشائعات مع وفاة اللورد كارنارفون في العام 1923، الداعم المالي لعملية التنقيب في مقبرة توت عنخ آمون، إثر لدغة بعوضة بعد فترة وجيزة من فتح غرفة الملك المتوفى.

وعلى الرغم من عدم ثبوت أي دليل مادي على وجود تلك اللعنة، إلا أنها لم تفارق أذهاننا حتى الآن، والشائعات التي دارت حول التابوت الذي اكتشف حديثًا في مدينة الإسكندرية المصرية، دليل على مدى رسوخ الصورة الذهنية القاتمة عن فتح التوابيت، فبعد أسبوعين من اكتشاف هذا التابوت الجرانيتي الأسود في أحد مواقع البناء بالإسكندرية، جذب الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، مما ساعد على نشر الكثير من السخرية و«النكات» عن اللعنة التي قد تصيب العالم إذا فُتح هذا التابوت الأسود.

مومياء الإسكندر الأكبر أم مجرد تابوت آخر؟

الاهتمام الذي أحاط بالتابوت الأسود لم يكن اهتمام هواة فقط، فالصحافة والإعلام بأنحاء العالم أرسلوا العديد من الاستفسارات عن موعد فتح التابوت، ولكن وزارة الآثار المصرية لم تصرّح بأي معلومات في ذاك الوقت، وربما لم ترد منح الموقف أكبر من حجمه حتى يتأكدوا أن هذا التابوت يعود لشخصية تاريخية مهمة، تجنبًا لما حدث العام الماضي فيما يخص الاهتمام الجلل الذي ولي للغرفة التي اكتشفت بالهرم الأكبر، وحضر إلى مصر العديد من الأثريين والجهات الإعلامية لتغطية الحدث، ثم اتضح أن الغرفة خاوية بلا أهمية أثرية تُذكر، ولهذا السبب تجنبت وزارة الآثار المصرية التصريح بأي معلومة لحين التأكد من الأثر، وفقًا لما أكدته «ناشيونال جيوجرافيك» حينما حاولوا التواصل مع الوزارة المصرية ورفضت التصريح.

التابوت قبل فتحه – مصدر الصورة موقع ناشونال جيوجرافيك

وجاء التصريح الوحيد وقتها بجريدة الأهرام قائلًا: «عُثر على تابوب حجري كبير لا يزال مغلقًا، ويُرجح أنه يعود إلى العصر البطلمي ما بين عامي 30 و 323 قبل الميلاد»، وفي البيان الرسمي لوزارة الآثار، ذُكر أن التابوت طوله تسعة أقدام، ووزنه 27 طنًا، مما يجعله أكبر تابوت اكتشف في مدينة الإسكندرية حتى الآن.

بعض الأهالي والأثريين ملتفون حول المكان الذي وجد فيه التابوت – مصدر الصورة: رويترز

حجم التابوت، والغموض الذي غلفه، فتح الأبواب للكثير من التكهنات عن هوية المومياء التي قد يجدها الأثريون داخله، واتجهت التوقعات جميعها إلى الإسكندر الأكبر، على الرغم من أن الحسابات التاريخية المعروفة لعلماء الآثار تشير إلى أن وفاة الإسكندر جاءت بعد عام 323 قبل الميلاد، هذا بجانب التحذيرات الخاصة بمصدّقي لعنة التوابيت، والذين نشروا أن فتح التابوت قد يطلق لعنة تحلّ على العالم.

ليست لعنة.. مجرد رائحة كريهة

ظلت تلك الشائعات في الأفق، ما بين انتظار مومياء أو جثة الإسكندر الأكبر، أو اللعنة التي ستحل على العالم بمجرد رفع غطاء التابوت، حتى فُتح التابوت بالأمس على يد مجموعة من الأثريين المصريين، دون حضور وزير الآثار المصرية، ليتضح أن التابوت يحوي ثلاث جثث، رجح مصطفى وازيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أنها جثث تعود لضباط جيش مصريين من تلك الحقبة الزمنية، نظرًا لأن جمجمة واحدة من الجثث بها جرح غائر تسببه السهام التي تستخدم في المعارك الحربية، ووجد أيضًا بجوار الجثث بعضًا من الأواني الفخارية والمعدات المصرية القديمة.

الجثث الغارقة في مياه الصرف الصحي – مصدر الصورة: موقع اكسبرس

بمجرد أن رفع العاملون غطاء التابوت خمسة سنتيمرات للأعلى، حلت على الموقع بأكمله رائحة كريهة أجبرت المتواجدين بالموقع على مغادرته فورًا، واتضح فيما أنها ليست لعنة كما توقّع البعض، ولكنها مجرد مياه صرف صحي قد خُزنت في التابوت لما يقرب من ألفي عام، تسببت في إتلاف معالم الجثث، الأمر الذي يجعل مهمة الأثريين في التعرف على أصول تلك الجثث، صعبة للغاية.

وعلى الرغم من خيبة الأمل التي أصابت الأثريين حول العالم، لأن التابوت رغم حجمه الاستثنائي لم يحوِ مومياء ملكية، وأن الجثث التي عُثر عليها دُمرت بسبب مياه الصرف الصحي وطُمست ملامحها، إلا أن مصطفى وزيري يرى أن هذا الكشف يبقى نادرًا، وسيكون له دور فعّال في الكشف عن المزيد من المعلومات التاريخية فيما يخص صناعة الفخار والحياة اليومية للمصريين القدماء خلال الأسرة الرابعة، والتي تمتد من عام 2613 وحتى عام 2494 ق.م، وتلك الفترة الزمنية تنتمي إلى المملكة القديمة والتي اشتهرت بازدهار البناء وخاصة الأهرامات.

اجلس وانتظر اللعنة.. السحر الأسود يحتاج لوقت

ردًا على الشائعات التي أثيرت حول تحرير اللعنة إذا فُتح التابوت، علّق مصطفى وزيري للصحافة المصرية قائلًا :«لقد فتحنا التابوت ولله الحمد لم يسقط العالم في لعنة الظلام، وأنا أول من أدخل رأسه في التابوت وها أنا أقف أمامكم بخير حال». وأكّد على صحة تلك المعلومة ديولفي ميلر أستاذ علم الأوبئة بجامعة هاواي، حينما صرح لـ«ناشيونال جيوجرافيك» أنه لا يوجد أي خطر حقيقي وله دليل علمي ملموس عندما يُفتح تابوت أو مقبرة، ولا يوجد خطر في زيارتها فيما بعد، مؤكدًا أنه لم يُرصد حالة واحد لعالم آثار أو سائح يعاني من عواقب سلبية بكتيرية بعد زيارته لمقبرة.

وعلى الرغم من ذلك، جاء الرأي الشعبي مختلفًا تمامًا، وقد ظهر هذا من خلال تصريح أحد المواطنين على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» شارحًا أن اللعنات السوداء لا تعلن عن نفسها بسهولة، وإذا كان هناك خبراء في الآثار فليس هناك خبراء في اللعنة التي قد تصيب البشر، وأنهى حديثه موجهًا إياه للأثريين الذين لا يرون أي خطر في الأمر: «اجلس وانتظر اللعنة، السحر الأسود يحتاج لوقت».

Embed from Getty Images

تابوت عمره أكثر من 2000 سنة – الجيزة، مصر

وفي موقع إلكتروني يهتم بشأن الكشوف الأثرية، ويجتمع عليه العديد من الهواة والمتخصيين، دار حوار مطول فيما بينهم قبل فتح التابوت، بين رفض أو قبول هذا الكشف الأثري بالمعدات الحديثة لاكتشاف ما بداخله، وكانت الآراء أكثر ميولًا لعدم فتحه، مؤكدًا أحدهم أن على من يقترب من هذا التابوت عليه توخي الحذر، لأنه -من وجهة نظره – من يدفن تلك التوابيت بهذا العمق ودون الإعلان عنها أو تفسير محتواها؛ فالغرض من وراء الدفن هو محو أثر هذا التابوت حتى لا يعثر عليه أحد، حتى وإن لم نفهم السبب أو لم يكن متعلقًا بلعنة؛ فعلى الأقل –من وجهة نظره- لا يجب انتهاك هذا التابوت.

 بينما رجّح الآخر أن الخوف الذي يسيطر على قلوب البعض من هذا التابوت هو الفكر السينمائي الهوليوودي الذي روّجت له أفلامها عن المومياوات التي تعود بغرض الانتقام من البشر الآن بغض النظر عن السبب في كل فيلم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد