يُعد فستان الزفاف أحد أكثر ملابس المرأة بهجة وإثارة، فضلًا عن أنه يظل خالدًا في الذاكرة لا يُنسى، حتى بعد مرور عشرات السنين. وإلى جانب دعوات الزفاف، والحفل، والكعكة، والأزهار، وغيرها من تفاصيل اليوم الكبير، يظل فستان الزفاف أكثر ما يُميز العروس في حفل زفافها ويُعبر عن شخصيتها.

فكيف ظهر اللون الأبيض في فساتين الزفاف؟ وما هي الألوان التي شاع استخدامها قبل ذلك؟ وكيف كانت الأزياء التي ارتدتها النساء في حفلات زفافهم؟ ثم كيف تطور ثوب الزفاف الغربي وأصبح اللون الأبيض لون فستان الزفاف الكلاسيكي في العالم؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

الأسود هو السائد.. ألوان فساتين الزفاف قبل القرن التاسع عشر

غالبًا ما تُمثل حفلات الزفاف المعاصرة رمزًا للحب والالتزام بين العروسين، لكن على مرّ التاريخ لم يكن الغرض من إقامة حفلات الزفاف هكذا بالظبط؛ إذ كانت معظم حفلات الزفاف التي تُقام أشبه بصفقة تجارية، تنضم فيها عائلتان إلى تشكيل قوات أو تحالف مفيد لكلا الطرفين. ومن ثمَّ، كان يجري اختيار فساتين الزفاف لإظهار عائلة العروس في أفضل صورة، تُبرز مدى اتساع ثروتها وسمو مكانتها الاجتماعية.

أما بالنسبة للعامة، يشهد معظم تاريخ الدول الغربية أنه نادرًا ما كانت العروس تشتري ثوبًا خصيصًا ليوم الزفاف؛ وكانت ترتدي العروس عادةً أفضل فساتينها التي تمتلكها بالفعل في ذلك اليوم، حتى لو كان لونه داكنًا، بل في الواقع، شاع ارتداء كثير من العرائس فساتين سوداء خلال حفل زفافهن.

عروس من القرن التاسع عشر في ثوب زفافها. المصدر: Businessinsider

 

قبل أربعينات القرن التاسع عشر، لم ترتد العرائس اللون الأبيض خلال حفلات زفافهن، وكانت العامة تتجنب ارتداء الملابس من هذا اللون؛ إذ كان من السهل اتساخه بالبقع ومن الصعب تنظيف القماش الأبيض باليد وارتداء الملابس مجددًا، واستطاعت طبقة الأثرياء فقط تحمُّل نفقة ارتداء مثل هذه الملابس صعبة الاعتناء.

 

 

مترجم: بالصور.. 92 عامًا من عمر ملكة إنجلترا تحكي قرابة قرن من تاريخ العالم

 

اعتادت العرائس عوضًا عن ذلك ارتداء فساتين ذات ألوان داكنة؛ وذلك لقدرتها على إخفاء البقع والعيوب، وإمكانية ارتدائها مرة أخرى بسهولة، ومع ذلك، كانت هناك بعض الألوان التي جرى تجنبها، مثل اللون الأخضر الذي اعتبر شؤمًا وغير جالب للحظ، في حين كان الأزرق خيارًا شائعًا يُمثل النقاء والتقوى ويرتبط بمريم العذراء.

الملكة فيكتوريا تُطلق ثورة جديدة في ألوان فساتين الزفاف

يرجع ظهور ثوب الزفاف الأبيض بشكل يخطف الأنظار إلى العصر الفيكتوري، تحديدًا عندما ارتدته الملكة فيكتوريا نفسها خلال حفل زفافها من الأمير ألبرت في 10 فبراير (شباط) عام 1840 بإنجلترا. وكان ارتداء ألوان مثل الأحمر والذهبي والأزرق شائعًا في فساتين الزفاف خلال عصر الملكة فيكتوريا، لكنها قررت تخطي العادة والخروج عن المألوف، عندما اختارت الحرير الأبيض ليكون العنصر المكون لفستان حفل زفافها، وقد كان خيارًا مميزًا بالفعل.

وإلى جانب النقاء والبساطة التي تميز بها فستان الملكة فيكتوريا، أبرز ثوب الملكة قيمتين هامتين أخريين؛ الأولى: أنها دعمت التجارة الداخلية في بلادها، عبر استخدام مواد بريطانية الصنع فقط في تصميم فستان زفافها، والثانية: أنها اقتصدت في استخدام فستانها من خلال الاحتفاظ بقطع منه في خزانة ملابسها؛ لإعادة ارتدائها خلال سنوات قادمة.

 

زفاف الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت في لندن، عام 1840. المصدر:Time

 

لم تكن فيكتوريا أول ملكة ترتدي الأبيض في زفافها؛ فقد سبقتها أخريات قمن بذلك، وكان أول ظهور مسجل لارتداء فستان الزفاف الأبيض في الثقافة الغربية، عندما ارتدته الأميرة الإنجليزية فيليبا في حفل زفافها إلى الملك الإسكندنافي إريك في عام 1406. أيضًا في عام 1558، ارتدت ماري ملكة أسكتلندا فستانًا أبيض خلال زفافها، بالإضافة إلى الأميرة شارلوت التي ارتدت ثوبًا فضيًا لامعًا، عندما تزوجت من الأمير ليوبولد في عام 1816.

تكرر ارتداء الطبقات العليا والملكية للون الأبيض، لكن ارتداءه لم يكن إلزاميًا بأي شكل من الأشكال في حفلات الزفاف الملكي، فضلًا عن ذلك، لم ترمز الفساتين البيضاء حينها إلى العذرية أو النقاء، بل كانت ترمز إلى ثروة صاحبتها ومكانتها الاجتماعية؛ لأنها كانت أكثر تكلفة وأكثر صعوبة في الحفاظ على نظافتها.

لكن الملكة فيكتوريا هي من يرجع إليها الفضل في تغيير القاعدة، ونشر صيحة ارتداء فساتين الزفاف البيضاء، وفي البداية كان الشعب البريطاني مفتونًا برومانسية العلاقة بين فيكتوريا وقرينها الأمير ألبرت، وانتشرت كثير من اللوحات والرسوم للملكة في يومها الكبير على نطاق واسع؛ والتي سعت على إثرها الشابات إلى تقليد ثوب زفاف الملكة بأي طريقة. وبعد مرور بضع سنوات على زواجها، وصفت مجلة شهيرة في مجال أزياء السيدات، اللون الأبيض أنه الأكثر ملاءمة للعروس، ويرمز إلى نقاء وبراءة العروس العذراء، وصفاء قلبها الذي تُسلمه إلى عريسها المختار.

 

 

الأرستقراطية الملكية: ماذا تعرف عن القواعد الصارمة للعائلة المالكة في بريطانيا؟

 

التصوير الفوتوغرافي يُعزز انتشار فستان الزفاف «الكلاسيكي» في العالم

حتى منتصف القرن التاسع عشر، لم تتخيل أي امرأة عادية كانت أو ملكة، أن ترتدي ثوب زفافها مرة واحدة فقط، ولا تُعيد ارتداءه بعد ذلك؛ إذ بدت الفكرة سخيفة حتى بالنسبة للأثرياء قبل الثورة الصناعية، علاوةً على أن الملكة فيكتوريا نفسها أدخلت تجديدات في فستان زفافها لاستخدامه لاحقًا. واستمرت النساء لعدة قرون، بما في ذلك الملكة إليزابيث، في ارتداء فساتين زفافهن مرارًا وتكرارًا، مع إجراء تعديلات عليها تتلاءم مع الزمن وتغير الموضة.

 

لكن هذا تغير بالنسبة للعرائس الغربيات، لاحقًا بعد زواج الملكة فيكتوريا وقيام الثورة الصناعية، بالإضافة إلى التطورات التكنولوجية الجديدة، وعلى الأخص التصوير الفوتوغرافي، وانتشار المجلات المصورة. ساهم صعود التصوير الفوتوغرافي، وصور الزواج على وجه التحديد، بدرجة كبيرة في تعميم انتشار صيحة فستان الزفاف الأبيض؛ إذ بدت الفساتين البيضاء مميزة في الصور الفوتوغرافية، واستطاعت إبراز جمال العروس. وتعدى الفستان الأبيض كونه مجرد اختيار ملكة مشهورة، لتبدو الفساتين البيضاء رائعة وجذابة في الصور الفوتوغرافية الجديدة بالأبيض والأسود.

 

انتشرت الصيحة الجديدة انتشارًا واسعًا، وصولًا إلى الصين حيث شاركت عديد من العرائس الصينيات في جلسات تصوير زفاف يرتدين فيها فستانًا أبيض غربيًّا، وكان بعضهن يسافرن أحيانًا خارج بلادهن إلى باريس أو نيويورك؛ فقط من أجل التقاط هذه الصور حتى إذا كانت قد قررت ارتداء ثوب زفاف صيني تقليدي في مراسم زواجها.

وعلى مر العقود، تغيرت أشكال فساتين الزفاف في تناغم مع صيحات الموضة وأحوال المجتمع. لكن يظل ثوب زفاف الملكة فيكتوريا الذي يعود إلى ثمانينيات القرن الـتاسع عشر، بخصره النحيل، والدانتيل، والتنورة الكاملة، أكثر صور فساتين الزفاف المتعارف عليها، ويُمثل شكل فستان الزفاف «الكلاسيكي» في جميع أنحاء العالم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد