من المثير حقًا أن تحتوي أجندة مؤتمر الأيباك على جلسة مخصصة للاستماع لشاب فلسطيني. لأول وهلة قد يبدو أن اللوبي الإسرائيلي في أمريكا بات يدعم السلام والإنسانية، لكن الحقيقة أنه لا مجال لنا لنكون بهذا القدر من التفاؤل فهذا الشاب الذي كان فلسطينيًّا يومًا ما يدعي أن إسرائيل لديها كل الحق في ما تفعل وأن الانتهاكات والجرائم التي يرتكبها جيشها هي في الحقيقة على جانب كبير من الشرعية والصواب، وكما هو واضح يا سادة فهذا جلد للضحية وتمجيد للجلاد.

في البداية تبدو القصة مثيرة، فتى فلسطيني يغادر أهله ووطنه وقضيته ويهاجم ثقافته تحت مظلة ادعاءات كاذبة تطلقها “بروباجندا” المحتل، بالإضافة إلى هذا فهو ابن أحد قياديي حماس، وهنا تكمن استثنائية القصة والأمر الذي يجعلها مثيرة فعلًا.

هؤلاء المتابعون للقصة من بدايتها، من الظهور المفاجئ لهذا الفتى المسمى مصعب وكيف تحولت قصته المثيرة للريبة إلى كتاب (ابن حماس/ الأمير الأخضر) والجهود المبذولة لإنتاج فيلم يتبنى هذا الكتاب ويحمل اسمه، يدرك هؤلاء أنهم أمام فقاعة إعلامية فارغة، فقصة هذا الشاب وتاريخه ضخم بطريقة ساذجة يتم من خلالها إعطاء قصة فردية ذاتية قدرًا كبيرًا من الذاتية.

البروباجندا الموالية لإسرائيل حاولت تصوير مصعب كشاب بريء صحا ضميره فجأة فقرر الظهور لإخبار الحقيقة، لكن رحلة هذا الشاب في حقيقتها لم تكن رحلة استيقاظ ضمير، ولكن قصة سقوط في براثن الاستخبارات الإسرائيلية التي جذبته واستخدمته في التجسس على أهله ومجتمعه، ثم صدرته على منصاتها الدعائية ليتحدث بلسان كره الذات.

من يدقق جديًّا في تجربة هذا الشاب وتعبيراته يشك على الفور في استقراره النفسي والعقلي، هذه ليست القضية الأولى التي تتعاطف فيها الضحية مع جلادها، بل هي متلازمة شهيرة تصيب أولئك الذين عانوا من الحروب ومعسكرات الاعتقال، وتسمى متلازمة ستوكهولم، فبعد انتهاء قضية اختطاف طويلة الأمد في العاصمة السويدية ستوكهولم وجدوا الرهائن متعاطفين مع خاطفيهم، حدث الاختطاف في بنك في ستوكهولم ودام ستة أيام فقط في صيف عام 1973، على عكس عقود من الاحتلال التي اختطفت شعبًا بأكمله واضطهدت أطفال وعائلات بسياسات قمع وإخضاع ممنهجة.

وبين خفايا وتفاصيل قصة هذا الشاب تبرز حقائق أسوأ جديرة بالاهتمام كسياسات وبرامج الابتزاز والاستدراج الممنهجة التي تقوم بها الاستخبارات الإسرائيلية لاصطياد الفلسطينيين بما فيهم أطفال وشباب ورجال لتحويلهم لعيون وآذان وحتى قتلة ضد قومهم ومجتمعهم.

سياسات الابتزاز والاستدراج تجري على قدم وساق بطرق مختلفة للسيطرة على المجتمع الفلسطيني وتمزيق نسيجه المتماسك، وفي هذا السياق تخلو هذه السياسات من أي أخلاقيات أو مبادئ ويتم الضغط على الاحتياجات النفسية والمادية والضعف البشري حتى تسقط الفريسة في لحظة ضعف أو حاجة.

إذا حللنا تجربة مصعب سنجد فيها مداخل مختلفة لعمليات الابتزاز والاستدراج هذه مع الأخذ في الاعتبار أن والده قيادي فلسطيني في مجمتع يظل فيه القياديون فترة طويلة من حياتهم إما مطاردين مختفين أو قابعين في سجون الاحتلال؛ مما يضطر الأم للقيام بدور هائل في إعالة الأبناء والبنات والقيام بحاجاتهم في مجتمع يرزح تحت نير الكثير من الضغوط التي يولدها الاحتلال، لهذا تؤتي سياسات الابتزاز والاستدراج أكلها إذا تمت دراسة الظروف التي تحيط بالضحية بدقة ودفعها أكثر فأكثر إلى الهاوية عبر زيادة الضغوط عليها.

هذا الطريق الطويل مزدان بكثير من الإجراءات والظوابط التي تم تطويرها عن طريق أساليب الاستخبارات وغسيل المخ، بالإضافة لتزيين الطريق أمام شاب وجد نفسه يتحدث من نفس المنصة التي يتحدث منها رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يقضى أقرانه فترات متفاوتة من أعمارهم في السجون الإسرائيلة وخلف القضبان وتحت الحصار المستمر من قبل قوات الاحتلال.

الميكانيزمات التي تتبعها الاستخبارات الإسرائيلية ضد الأولاد والشباب وبالإضافة إلى المجال العام في المجتمع الفلسطيني صادمة بحق، تلك القصص المأساوية التي يعرفها العالم عن الضباط والجواسيس الإسرائيليين وما يفعلونه في نسيج المجتمع الفلسطيني، كيف يكسرون الروابط، يفرقون العائلات والأقارب والجيران، كيف يحولون الأفراد في لحظات الضعف لأشياء بلا وعي مغسولة الدماغ لاستخدامهم في المهمات القذرة والاغتيال.

ما الذي يمكن أن يقوله هذا الفتى عدا ما يقوله المتحدثون باسم الجيش الإسرائيلي؟ لقد أحضروه ليبرر الاحتلال ويشرعن الحروب الإسرائيلية ضد شعبه ومقاومتهم الباسلة، لكن ما التأثير الذي سيجلبه خطاب هذا الشاب الفلسطيني أو (الأمير الأخضر) كما يطلق عليه في دوائر الاستخبارات الإسرائيلية؟ الحقيقة أن هذا الفتى ليس داعية سلام، بل هو في الحقيقة يبرر حروب القتل والقمع والحصار الإسرائيلية.

“البروباجندا” الإسرائيلية تعتمد على مدى إثارة القصة التي بنيت بالأساس على حكاياتها وأساطيرها. هذا الشاب الذي كان فلسطينيًّا يومًا ما ظهر الآن ليتحدث بلسان إسرائيلي أكثر إسرائيلية حتى من المتحدثين الرسميين للجيش الإسرائيلي. كيف تكون أحاديثه هذه والقصص التي يرويها عقلانية ومنطقية دون أن تأتي على ذكر فلسطين وحقوق شعبه المصادرة؟

قصة مصعب دليل آخر على ضعف وفشل البروباجندا الإسرائيلية التي تعتمد على قصة شاب فلسطيني جذبه محتله ليتحدث بلسانه ويروي قصصه تحت تأثير عمليات الإغراء والابتزاز وغسيل المخ المتواصلة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد