«امضِ فالعب الآن ولا تقلق، فأنا في عافية…» هكذا طلب منه أبوه، بينما كان الأخير في فراش المرض. صدَّق الطفلُ أباه، وذهب إلى حديقة القصر ليمارس هوايته في تسلق شجرة الجميز. بعد قليل فوجئ بالخادم أرجوان يندفع نحوَه ممتقع اللون.

«ويحك انزل! اللهَ اللهَ فينا»، هكذا صاح فيه أرجوان طالبًا منه النزول من فوق الشجرة. بمجرد أن نزل الطفل إلى الأرض، فوجئ بخادمه ذي الشخصية القوية، يضع عمامة الخلافة المرصعة بالجوهر على رأسه الصغير، ثم يهبط إلى الأرض في لحظةٍ خاطفة ليقبل الأرض أسفل قدميْ الطفل الصغير، ثم يخاطبه بلهجة قُدَّت من التواضع والانصياع: «السلام عليك يا أمير المؤمنين». وهكذا اعتلى الحاكم بأمر الله عرش القاهرة، وأصبح أرجوان طبقًا للوصية هو مدبر دولة الخليفة الطفل.

لم يتصور أحد من معاصري ذاك الزمان، أن هذا الصبي الذي لم يكمل بعد عامَه الثاني عشر، والذي جعلته وصية أبيه العزيز بالله الفاطمي، يتربَّع على عرش الإمبراطورية الفاطمية، التي يمتد نفوذَها من أقاصى المغرب غربًا إلى أعماق الشام شرقًا، سيحفر اسمه غائرًا في صفحة التاريخ، واحدًا من أبرز حكام الدنيا في غرابة الأطوار.

أيام الحاكم

وكانت خلافته متضادّة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام، ومحبّة للعلم وانتقام من العلماء، وميل الى الصلاح وقتل الصلحاء. وكان الغالب عليه السخاء؛ وربّما بخل بما لم يبخل به أحد قطّ. *المؤرخ أبو المظفر، متحدثًا عن زمن الحاكم بأمر الله نقلًا عن النجوم الزاهرة لابن تغري بردي.

دامت دولة هذا الشاب معتلّ المزاج لربع قرن، عبر خلالها الكثير من عواصف وأنواء السياسة، التي غالبًا ما كان هو السبب المباشر لها بقراراته العجيبة، وتقلباته الفكرية والسياسية شديدة الحدية. ولم تكن نهاية الحاكم بأمر الله بأقل غرابة منه، ومن أيامه.

عام 386هـ، جاءت ولادة زمن الحاكم متعسرة، إذ استهان به الحسن بن عمار زعيم قبيلة كتامة المغربية ذات اليد الطولى في الدولة، واحتكر المناصب المهمة في الدولة لقبيلته وأتباعه. لكن مدبر الدولة أرجوان نجح في تجميع خصوم ابن عمار، وثاروا عليه في القاهرة، ففرَّ واختبأ حتى أمَّنه برجوان على أن يلزم بيته وإقطاعه. وهنا أخرج أرجوان الخليفة الطفل من القصر، وجدَّد له البيعة، ثم أرسل الجيوش لقمع تمرداتٍ هنا وهناك، ونجح في هزيمة الروم الذين استنجد بهم أحد المتمردين. ثم عاد وعقد الهدنة 10 أعوام مع الروم.

فوجئ الجميع بعدها بالحاكم الطفل يأمر في حوادث متتالية بقتل بعض كبار الدولة ممن لم يكونوا على هواه، وعلى رأسهم ابن عمار، وكانت الصدمة الكبرى عندما أمر بعد سنواتٍ ثلاث عام 389هـ بقتل مدبر دولته أرجوان الخادم الممسك بمقاليد الأمور.

«شيخ الشيوخ» أبو مدين الغوث.. المتصوّف الذي قاد جهاد المغاربة في القدس

أصبح الصبي شابًا يافعًا، وتوحشَّت قبضته مع مرور الوقت، وانفرد مع الوقت بكافة صلاحيات حكمه. طبقًا للمذهب الشيعي الإسماعيلي الذي كان يدين به الفاطميون، فالحاكم بأمر الله ليس فقط حاكمًا سياسيًا، إنما هو أيضًا إمامٌ من أهل البيت، يمارس السلطة الدينية كذلك. أظهر الحاكم نزعته الشيعية المتطرفة مبكرًا، بأن أمر ولاته بتعليق سب أبي بكر، وعمر، وعثمان -رضي الله عنهم- بكافة المساجد بالدولة، وأمرهم بإشهار ذلك بينَ الناس. وعندما راجعه حاكم إفريقيَّة السني في ذلك، أراد استمالته، فأمر اثنين من الفقهاء بتدريس المذهب السني المالكي في القاهرة، ثم أمر بقتلهما بعد فترة.

التفَّ بعض غلاة الإسماعيلية حول الحاكم، مثل حمزة بن علي -الذي يعد من المؤسسين التاريخيين لمذهب الدروز الذي يدين به بعضهم في لبنان وسوريا- والذي يُقال إنه وُلِدَ في فارس عام 375هـ في يوم ميلاد الحاكم بأمرالله نفسه، ووفد إلى القاهرة عام 405هـ، فنال حظوةً وسطوةً بارزتيْن في كنَفِ الحاكم، وأصبح من أقرب المقرَّبين له. زيَّن هؤلاء الغلاة للحاكم أن الله سبحانه وتعالى قد حلَّ في الحاكم، فكأنَّه هو هو.

استتر هؤلاء بالمذهب لفترة خوفًا من غضب عامة المصريين الذين كان معظمهم ما يزالون يدينون بالمذهب السني الشافعي، ويقبلون حكم الأئمة الفاطميين بسطوة السلطان، ولحبهم الفطري لآل البيت دون تزيُّد. في عام 407هـ جهر بعض هؤلاء الدعاة بدعوى ألوهية الحاكم، مما تسبب في اضطرابات واسعة في مصر والقاهرة، فتك خلالها عامة الناس ببعض هؤلاء الدعاة. علنًا، لم يبارك الحاكم ما فعله هؤلاء الدعاة، وتنَّصل منه بنصيحة مستشاريه الذين حذَّروه من مغبَّة هذه الدعوة الخطيرة.

غرائب الحاكم

مثَّلَت تصرفات الحاكم الشاذة، وغرابة أطواره أرضًا خصبة للمبالغات، فاختلط بالكثير من غرائبه الحقيقية، بأضعافها من خيال الإخباريين، وتهويلات العوام. وأضحى من الصعوبة بمكان، تمييز خط فاصل قاطع بين ما حدث فعلًا، وما لم يحدثْ.

من أشهر الغرائب الحاكمية التي يرويها المؤرخون أنه ظلَّ سبع سنواتٍ يرتدي الصوف. وأنه ظلَّ فتراتٍ طويلة لا يستخدم الشمع، ويجلس في الظلمة. يذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء أن الحاكم أمر عام 395هـ بقتل الكلاب، وبعدها بفترة أمر بمنع الملوخية، وقتل بعض التجار الذين ضبطوا ببيعها سرًّا. وفي عام 402هـ، أمر بمنع أكل الرُّطَب، وأحرق منه الكثير. ثم أمر بحرق الكروم، ومنع تداول العنب. وفي عام 404هـ أمر بنفي المنجمين، رغم أنه شخصيًا كان مولَعًا بالنجوم واستطلاعها! كما منع إقامة صلاة التراويح 10 أعوامٍ، ثم أباحها!

أما علاقته بأهل الذمة من اليهود والمسيحيين، فكانت من أبرز محطات شذوذه. فقد استيقظت الدولة يومًا في عام 402هـ، على قرارٍ منه بهدم كافة الكنائس في أرجاء الدولة، بما فيها كنيسة القيامة بالقدس. لكنه عاد بعد فترة وأمر بتجديد ما تهدَّم. كما أمر المسيحيين بتعليق صلبان ثقيلة في رقابهم، وأمر اليهود بارتداء قلاداتٍ ثقيلة تشبه رأس العجل الذي عبده بنو إسرائيل. ثم أصدر قرارًا خطيرًا بتخيير المسيحيين: إما الإسلام، وإما النفي إلى بلاد الروم، لكنه تراجع بعد فترة عن هذا القرار. كذلك أصدر قراراتٍ بمنع أهل الذمة من ركوب سفن المسلمين، أو امتطاء البغال التي يملكها المسلمون.

كذلك نالت المرأة نصيبًا بارزًا من عجائب الحاكم، إذ أصدر عام 404هـ قرارًا بمنع النساء من الخروج من بيوتهن نهارًا أو ليلًا إلا لضرورة قصوى، وبإذنٍ من القاضي. ولضمان تنفيذ قراره العجيب، أمر بمنع صناعة أحذية النساء. استمر هذا التعسف ضد النساء لأكثر من سبع سنواتٍ حتى وفاة الحاكم.

وهكذا على مدار سنوات حكمه الخمسة والعشرين، لم يترك الحاكم بأمر الله شريحة من شرائح المجتمع، على اختلاف التنويعات الفكرية، والدينية، والسياسية، والعرقية، والجنسية، إلا ونالَها نصيب من عجائبه المؤذية، حتى من البيت الفاطمي نفسه. والآن نصل إلى الذروة الأخيرة لزمن الحاكم، والتي عجَّلت بحدوث النهاية التي تليق به.

مترجم: شربها كانت عقوبته الإعدام.. تعرف إلى حكاية القهوة في زمن العثمانيين

نيرون الفاطمي وحرق مصر.. الطريق إلى النهاية

شهد عام 411هـ قمة جنون العهد الحاكمي. كان السيل قد بلغ الزُّبى بالمصريين من أفعال الحاكم بأمر الله واضطراباته، فشاع بينهم سبه، والسخرية منه، ويقال إن إطلاق النكات الذي اشتهر به المصريون إلى الآن، قد بدأ من زمن الحاكم، وبدأ يصلُ مثل هذا إلى مسامع الحاكم، خصوصًا عندما كان يتجرأ البعض ويرسلون إليه رقاعًا تتضمن السخرية منه، والسباب اللاذع له. استشاط الحاكم غضبًا وحقدًا على المصريين، فاقَمَهُ ما فعلوه في دعاته الذين جهروا بدعوى الألوهية، ولم يكن الحاكم لينسى مثل هذا التمرد الفج من عامة الناس. ولذا انتظر فرصة سانحة يجعل فيها المصريين يدفعون ثمن التعدي على سيادته مضاعفًا.

كان من عادة الحاكم المرور على أسواق القاهرة وأحيائها على متن بغلته، فوجد في أحد الأيام امرأةً تحمل رقعة في يدها كأنها ظلامة. فأمر بجلب الرقعة وقراءتها، فإذا فيها الكثير من السباب والإهانة له. وزاد الحاكم التهابًا، أن المرأة لم تكن سوى دمية مصنوعة من الورق! عاد الحاكم إلى قصره يتلمَّظ حقدًا وغيظًا، وأمر حرسه وعبيده بالهجوم على مصر – العاصمة الشعبية خارج أسوار القاهرة- وأعطاهم الضوء الأخضر لاستباحة السكان، وفعل ما يحلو لهم.

تسرَّبت الأنباء من القصر إلى عامة الناس، فحاولوا التسلح بكل شيء ليدفعوا هذا البلاء، لكن المعتدون كانوا أكثر عددًا وعدة، واستمرت المذبحة لأيامٍ ثلاثة، كان خلالها الحاكم يراقب يوميًّا المشاهد الدموية من فوق أحد المرتفعات، ويظهر الحزن على سكان القاهرة، ويلعن مرتكبي هذه الفظائع، ويتنصل من أية علاقة له بالأمر.

دفع ثمن كلمته.. ثورة «النفس الزكية» التي تسببت في جلد العباسيين للإمام مالك

في خلال هذا تململ الجنود الأتراك والمغاربة مما يحدث، وكان لبعضهم مصاهرات مع عامة السكان، فتعاطفوا معهم، وتصاعدت الاشتباكات بينهم وبين العبيد المعتدين، حتى وصل الأمر لما يشبه التمرد العام. توصَّل رؤساء العساكر الأتراك والمغاربة إلى الحاكم، وأبلغوه اعتراضهم على التنكيل الواسع بأهل مصر دون جريرة تستدعي هذا، فأكَّد اتفاقه معهم، وطلب منهم الدفاع عن الشعب ضد المجرمين، وفي الوقت نفسه، كان يرسل سرًّا إلى قادة العبيد يؤكد مؤازرته لهم.

علم المغاربة والأتراك بمؤامرة الحاكم لإفناء الأحزاب المختلفة بعضها ببعض، فأرسلوا إلى الحاكم إنذارًا شديد اللهجة يتضمن أنهم سيحرقون القاهرة -العاصمة الملكية- إن لم يصدر أوامره لحرسه وعبيده بالكف عن الناس، وترك ما سلبوه من الأموال والنساء والأطفال.

أذعن الحاكم، وتوجه بنفسه للفصل بين المتحاربيْن، خصوصًا وقد بدأت الكفة تميل لصالح الأتراك والمغاربة. أقسم الحاكم أيمانًا مغلَّظة لرؤساء الأتراك والمغاربة والمصريين أنه بريءٌ مما حدث، وأعلن الأمان على المنابر، وقبَّل الجميع الأرض تحت قدميه، وجددوا الطاعة له ولو ظاهريًّا. كانت المحصلة ثقيلة للغاية، فقد احترق ثلث مصر، ونهب نصفها، واغتصبت المئات من الحرائر اللواتي قام العبيد بسبيِهِنَّ، ولم يسلمْ العبيد بعضهن لذويهم بعد الأمان إلا بعد دفع فدية، وانتحرَّ بعضهن لهول ما حدث لهن.

ست الملك.. الكيد العظيم يطوي صفحة الحاكم

يا أخى.. احذر أن يكون خراب هذا البيت على يديك* ست الملك أخت الحاكم بأمر الله وهي تعاتبُه على أفعاله الشنعاء

كان للحاكم أختٌ تسمى «ست الملك» ذاع صيتها بين نساء زمانها في الوقار ورجاحة العقل. كانت ست الملك لا تفتأ تنصح الحاكم كلما أمعن في شذوذه، وقراراتِه التي تهلك الحرث والنسل، وتشيع الفساد. بدأ الحاكم يضيق ذرعًا بأخته، ويستوحش منها، حتى وصل الأمر إلى سبها، ورميها بأنها تدخل الرجال إلى جناحها، وأنه سيرسل بعض النساء الثقات لديه للكشف على عذريتها. وسيقتلها إذا ثبت له تفريطها في شرفها.

أدركت ست الشام أن الأمور قد وصلت مع أخيها إلى طريق مسدود، وأنه عاجلًا أم آجلًا سيكون عليها الاختيار بين وجودها، ووجوده، بل وجود الأمة نفسها، ولم تبرد بعد نيران ما أحدثه جنون الحاكم في مصر. استغلت ست الملك وحشةً وقعت بينَ أخيها، وبين أحد كبار أمراء المغاربة وهو ابن دواس، أحد رؤساء قبيلة كتامة. كان هذا الأخير يخشى على نفسه الغيلة من جهة الحاكم، ولذا رفض أن يفد عليه في قصره عندما طلبه، وصارحه بأنه يفضل أن يرسل الحاكم إليه من يقتله في منزله، ليكرم أهله جثته، بدلًا من قتله غيلةً في القصر، وإلقاء جثته للكلاب كما حدث لآخرين.

راسلتْ ست الملك ابنَ دوَّاس، وذهبت لمقابلته خارج القصر متنكرة، فأظهر لها الولاء التام والاحترام. صارحته ست الملك بأنه لم يعد مجال للصبر على الحاكم أكثر من هذا، وقد سفك الدماء، واستباح العاصمة، وحاول ادعاء الألوهية، وأنهم كخاصة الدولة الفاطمية إن لم يبادروا بالقضاء عليه، ستؤول تصرفاته إلى ثورة عارمة من الناس تحرقهم معه، ووعدته بأن يكون المقدَّم على الدولة في زمن ما بعد الحاكم. وهكذا دبَّر الاثنان مؤامرة لقتل الحاكم في خلوته المسائية المعتادة بالجبل، مع جلب جثته لها، لتخفيها.

انتظر الحرس والناس عودة الحاكم من خلوته لأيام، أشاعت خلالَها ست الملك أنه أبلغها أنه سينفرد بنفسه أسبوعًا، فسكن الناس. خلال تلك المدة، كانت بالتنسيق مع ابن دوَّاس تراسل رؤساء الدولة، والجند، وتستوثق البيعة لابن الحاكم، والذي أرسلت لاستدعائه بأقصى سرعة من دمشق.

بعد انقضاء الأيام السبعة، أخرجت ست الملك ابنَ أخيها في موكب عظيم، وعليه عمامة جده المعز لدين الله الفاطمي الملكية، ونادى المنادون في الناس بالبيعة لسيدهم علي بن الحاكم الملقَّب بالظاهر لإعزاز دين الله. انفجرت جموع الناس في الشوارع مهللينَ ومرحبينَ بهذه الغيبة غير المتوقعة للحاكم الذي أراهم شذراتٍ من أهوال القيامة، ونفروا فرادى وجماعاتٍ يبايعون الخليفة الجديد. وما زالت طوائف الدروز حتى الآن تنتظر عودة الحاكم بأمر الله من غيبته.

 

المصادر

تحميل المزيد