تُعد الهجرة بالنسبة للعديد من أنواع الطيور رد فعل مباشر على تغيّر في المناخ وتوفّر الموارد في مواسم دون غيرها، مثل توفّر أوراق الربيع، والأمطار الموسمية، وفتحات الحشرات، ومواسم الإثمار. ويبدو لنا هذا الأمر عاديًا الآن، ولكن في السابق كان اختفاء الطيور الموسمي يشكل لغزًا محيرًا لعلماء الطبيعة، ولعامة الناس أيضًا. 

أين تختفي الطيور، سؤال حير الكثيرين على مدى قرون طويلة، وظهرت نظريات كثيرة بعضها أغرب من الخيال لتفسير تلك الظاهرة. فكيف توصل العلماء إلى فكرة الهجرة، وما الذي اعتقدوه قبل ذلك؟

طيور تتحول وأخرى تحلق للقمر.. هكذا فسر العلماء الاختفاء الموسمي للطيور قديمًا

كان لدى علماء الطبيعة القدماء نظريات مختلفة لشرح فعل الاختفاء السنوي للطيور، الذي نعرفه الآن بـ«هجرة الطيور». ومن بينهم الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو، الذي كانت له نظريات تقول إحداها: «إن الطيور تتحول إلى أجسام مختلفة تناسب الموسم الذي تهاجر فيه». 

ولقرون قيل إن الطيور تتحول إلى بشر ونباتات، وحتى أخشاب السفن. وكان هذا الاعتقاد الأخير شائعًا بين رجال الدين المسيحي، الذين اعتقدوا أن إوز البرنقيل مخلوق حقًا من الخشب، وبذلك يمكن اعتباره نباتيًا، ويصحّ تناوله خلال الصيام الخالي من اللحوم.

Embed from Getty Images

وفي نظرية أخرى لأرسطو قال: «إن الطيور ربما تدخل في عملية سُبَات ليلي، وبالفعل توجد بعض الطيور التي تدخل في حلقات قصيرة من النوم العميق، تقل فيه معدل ضربات القلب والأيض».

ولكن باحثي القرن التاسع عشر تخيّلوا أشكالًا غريبة من السبات، فقالوا إن طيور السنونو كانت تُزيل ريشها، وتدخل في سبات داخل ثقوب الأشجار وغيرها، وقيل أيضًا: إن الطيور تنام في قاع البحيرات والأنهار خلال الشتاء.

وقيل في نظرية أخرى: إن الطيور تحلق إلى القمر في كل شتاء، وبالرغم من غرابة هذه النظريات، إلا أنها كانت أكثر قبولًا من الاعتقاد بفكرة الهجرة حينها، حتى دلّنا طائر لقلق على أن الطيور الأوروبية تهاجر جنوبًا في فصل الشتاء. فكيف حدث ذلك؟

طائر اللقلق الذي كشف للعلماء عن هجرة الطيور

في مايو (أيار) 1822 أسقط الكونت كريستيان لودفيج فون بوتمر طائر لقلق مصاب بحربة خشبية فوق أراضي قلعته في شمال ألمانيا، وأخبره أحد المختصين أن تلك الحربة المصاب بها الطائر أفريقية الأصل. ما يُشير إلى أن ذاك الطائر أصيب بالحربة بطريقة ما في أفريقيا، ثم طار أكثر من 2500 كم حتى اصطاده الكونت في قلعته.

ولم تكن هذه الرحلة المذهلة مجرد دليل على مرونة اللقلق، بل كانت أيضًا دليلًا أساسيًا ساعد في حل لغز حير العلماء لقرون، ألا وهو الاختفاء الموسمي للطيور. يهاجر ما يقرب من 20% من جميع أنواع الطيور في كل عام بحثًا عن الطعام والمناخ الدافئ حول الكوكب. وبالنسبة للطيور التي تقضي صيفها في نصف الكرة الشمالي، يمكن أن تمتد رحلة هجرتها من 700 إلى أكثر من 17 ألفًا كم، ويمكن أن تستمر بعض هذه الرحلات إلى أربعة أشهر. 

وبينما تتخذ الطيور في العادة أكثر الطرق المباشرة قدر الإمكان في هجرتها، يمكن للعواصف والعمران البشري أن يغير مسارها؛ ما يعقد من محاولة تتبع طريق هجرتها. ولكن الكونت فون بوتمر قدم دليلًا ماديًا على هجرة طيور اللقلق الأوروبية جنوبًا في فصل الشتاء، وإلى أين تحديدًا كانت تهاجر. وهو الأمر الذي شدّ علماء الطيور في أوروبا لرسم خريطة مساره.

علوم

منذ 4 سنوات
التغيرات المناخية للاحتباس الحراري تؤثر سلبًا على هجرة الطيور

جيش من المتطوعين في العالم يتعاونون لاكتشاف مسار الهجرة

أحد هؤلاء العلماء كان يوهانس ثينمان، أحد أشهر علماء الطيور في القرن الـ19، وصاحب أول مرصد دائم للطيور في العالم، والذي افتتح في مطلع عام 1901. ولحل لغز هجرة الطيور، تعاون ثينمان مع جيش من المتطوعين في جميع أنحاء ألمانيا. استخدم فريقه من المتطوعين حلقات من الألمونيوم لتمييز أرجل 2000 طائر لقلق بأرقام محددة، مرفقٌ فيها بيانات مكاتب العالم ثينمان.

وبعد ذلك أعلن ثينمان عن مبادرة واسعة النطاق تتخطى حدود القارة الأوروبية، على أمل أن تصل التجربة إلى أفريقيا، حتى يتمكن الأشخاص الذين يجدون الحلقات المميزة على أرجل الطيور، من إعادة إرسالها بالبريد بمزيد من المعلومات إلى مكاتب ثينمان. 

Embed from Getty Images

تجاوب مع المبادرة الكثيرون من أنحاء العالم، وفي الفترة بين عامي 1908 و1913، تلقى ثينمان 178 حلقة من حلقات الألمونيوم، عُثر على 48 منها في أفريقيا. وباستخدام البيانات التي تلقاها، تمكن ثينمان من رسم أول طريق لهجرة الطيور جرى اكتشافه على الإطلاق، وأثبت أن الطيور الأوروبية تهاجر جنوبًا نحو أفريقيا في فصل الشتاء، وأثبت أيضًا أنها لم تكن تحلق إلى القمر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد