في ليلة باردة من ليالي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2000، لم ينم الصحافيون في وكالات الأنباء العالمية إلا بعد أن سجلوا على الصفحة الأولى خبر «اكتشاف مومياء لأميرة فارسية تعود لأكثر من 2600 عام»، الأمر كان مذهلاً؛ لأنه لم يجر العثور على أي مومياء فارسية من قبل، ناهيك عن كونها مومياء ملكية.

كانت المومياء ترقد فوق حصير معالج بالشمع والنحل، مغلفة بقماش مليء بمشغولات ذهبية، داخل نعش من حجر منحوت ومنقوش عليه، وكل هذا بداخل تابوت خشبي يحتوي على التاج الذهبي والقناع الخاص بالأميرة.

كيف وجدوها؟

لم يجر العثور على المومياء إثر عملية تنقيب أثرية، ولكنها كانت معروضة للبيع في السوق السوداء الدولية لتجارة الآثار بمبلغ 11 مليون دولار، مصحوبة بفيديو كامل لتفاصيلها ومقتنيات التابوت. وكان الحاج علي أكبر الإيراني الجنسية قد رفع الفيديو لتهريب المومياء للخارج، وسجل عليه أنه عثر عليها عقب زلزال في موقع أركيولوجي بالصحراء؛ ولكن نجحت الشرطة الباكستانية في الوصول له والقبض عليه.

قاد الحاج علي الشرطة إلى مكان وجود المومياء، في بلدة اسمها «قطة» بمقاطعة بلوخستان، قرب الحدود الأفغانية الإيرانية، حيث منزل في شارع خلفي يسكن فيه مربي الجمال، سردار والي محمد ريكي، وهو أيضًا رئيس قبيلة ريكي التي يبلغ تعدادها 160 فردًا، وكان على هذا الزعيم أن يخفي المومياء مقابل نصف مبلغ بيعها.

جرى نقل المومياء إلى متحف كراتشي الوطني بباكستان، وعلى الفور أبلغ الصحافيون بنبأ العثور على  أروع الكنوز القديمة المكتشفة في المنطقة، وأول مومياء في باكستان على الإطلاق، وعقد الأركيولوجيين مؤتمرًا صحافيًا، وأعلنوا أن المومياء محنطة على الطريقة المصرية القديمة، وتعود لنحو عام 600 قبل الميلاد.

مومياء تشعل الحرب بين الأمم

كان إعلان هذا الكشف بمثابة إعلان الحرب على الدول المجاورة، وكل من جاءت سيرته؛ فقد انتشر أن المومياء هي لأميرة اسمها «خور الجيان»، وظهور تخمينات بأنها ابنة قورش الكبير، وأول حاكم من أسرة خمام النبشيان، وخمن أحمد حسن داني، أستاذ الأركيولوجيا في جامعة إسلام أباد أن خور أميرة مصرية، عاشت في ظل حكم الملك قورش الأول، أول ملوك فارس، وتزوجت أميرًا فارسيًا، لذا فهي محنطة على الطريقة المصرية، وجاء تخمين آخر بأن المومياء وصلت إلى قرية قطة بعد أن سرقت من قبر في منطقة همدان غرب إيران.

«أنا ابنة قورش الملك العظيم، مازيركا يحميني، اسمي رودوجون» نقش وجد على التابوت، والصورة من«science direc

كانت هذه التخمينات كافية لتتصارع كل الدول على المومياء من أجل وضعها في متحفها وإنكار حق البقية؛ فأعلنت منظمة التراث الثقافي الإيراني أنها ستدفع «اليونسكو» و«الإنتربول» لاتخاذ الإجراءات لاسترجاع الأميرة الفارسية، وأن أثريًّا إيطاليًّا ترجم النقوش الموجودة على الحجر والتابوت، وأكد أن المومياء فارسية لأميرة من أسرة ملكية قديمة.

غير أن باكستان كانت متمسكة بـ«حقها»، فالمومياء اكتشفت بأرضها، وحذرت من تسييس إيران للقضية، ودخلت طالبان إلى المعركة بدورها بوصفها حاكمةً لمعظم أراضي أفغانستان، وطلبت اشتراك علمائها الأركيولوجيين في عملية تحديد ملكية المومياء، وبالفعل أعلن وزير الإعلام الطالباني أن المهرب اعترف بعثوره على المومياء في مقاطعة نمروز جنوب غرب أفغانستان، لذا فهي طالبانية وتعود لهم. مع تأكيدات أخرى أن المومياء مصرية؛ لأن إيران والعراق لم يعرفوا التحنيط، ولم يعرفه غير المصريين.

كان أكثر النزاعات طرافة هو النزاع بين الباكستانيين وأنفسهم؛ فقد رُفعت دعوى أمام المحكمة العليا، للمطالبة بعودة الأميرة إلى قرية قطة؛ وذلك لأن الشرطة التي استجوبت المهربين وتتبعت معهم مكان المومياء كانت شرطة كراتشي وليست بلوخستان، لذا فاستيلاء كراتشي على المومياء ووضعها في متحفها – رغم أنه المتحف الوطني – ليس قانونيًا.

كما أن الشرطة قد أثارت الرعب في قلوب أهالي قطة، وحرمتهم من تراثهم التاريخي والثقافي وأخذت المومياء. والأكثر من ذلك أن هناك قبيلة تسمى «عوان» في بلوخستان أثبتت من النقوش أن الأميرة تنتمي إلى عائلتهم، وعليها أن تعود على الفور إلى متحفهم المحلي في كالار كاهار.

كيف كانت رودوجون؟

كان جسد المومياء مفرغًا من كافة أعضائها الداخلية، ومحنطة بالطريقة نفسها التي حنّط بها المصريون القدماء أمواتهم؛ فجثتها خالية من الرطوبة تمامًا، ومحشية ومغطاة بمادة مجففة تسمى النطرون، وهي المادة الوحيدة التي تستعمل للتحنيط. وكانت المومياء صغيرة الحجم؛ فطولها 140 سنتيمترًا، وملفوفة بقماش كتاني مشبع بصمغ «الراتينج» الذي يحوي المواد الهيدروكربونية النباتية لحمايتها.

كان الأمر لغزًا محيرًا، فهناك الإتقان في التحنيط، بالطريقة المصرية نفسها، مصاحبًا للنقوش المسمارية على التابوت، والتي هي نوع من الكتابة تنقش فوق ألواح الطين والحجر وغيره، وكانت متداولة لدى الشعوب القديمة بجنوب غرب آسيا فقط، ولم تصل إلى مصر؛ وفي منتصف غطاء التابوت وجد رسم لسبع أشجار سرو، وهو رمز مدينة همدان التي كانت موجودة في عصر الملك قورش الأول، بالإضافة لنقش منتشر على جدران قصر بيرسيبوليس. فكيف وأين جُمع بين الاثنين في تابوت واحد؟

مصدر الصورة موقع «traffickingculture»

كان منقوشًا على التابوت الحجري للمومياء عبارة «أنا ابنة قورش الملك العظيم، مازيركا يحميني، اسمي رودوجون». ولم يكن هناك الكثير من المعلومات عن رودجون، مثل عمرها عند وفاتها، أو سبب موتها، ولم يعثر أحد على أي بقايا من عائلتها الملكية الفارسية من قبل. وكان كل المعروف عن رودوجون هو أنها من أهل برسيبوليس، العاصمة القديمة لفارس، والتي كان يكثر فيها البنائون العاملون في نقش الرسوم على القصور الملكية للملك قورش الأول، وكان بين البنائين الكثير من المصريين المهرة، فربما حنطها أحدهم إذن.

ولكن كان هناك ثلاثة «أخطاء»؛ أولهم أن رأس المومياء لم يثقب من أعلاه لاختراق عظام الجمجمة وخفق المخ لإسالته والتخلص منه، ولكن جرى الحفاظ على جمجمة رودوجون وكسر فكها بعنف واضح. والخطأ الثاني هو أن المصريين القدماء يشقون البطن لاستخراج الأحشاء خلال 7.5 سنتيمترًا فقط، لكن فتحة بطن رودوجون وصل حتى 20 سنتيمترًا. أما الخطأ الثالث فقد كان أن رودوجون بلا قلب، فعادة المصريين عند التحنيط أن يتركوا القلب فقط من بين الأحشاء لاستقبال الروح في الحياة الثانية، فلماذا انتزع المحنط قلب رودوجون؟

للاحتراف قواعده

في هذه الأثناء كان هناك من يعمل بجد على كشف أسرار المومياء غير الاعتيادية، أسماء إبراهيم أمينة متحف كراتشي الوطني التي استلمت المومياء لتتفحصها وبدأت في دراسة الخط المسماري خصيصًا لترجمة ما جاء على التابوت الحجري والخشبي، كما عادت لكتب التاريخ وكتاب هيرودوت وهو يصف رحلته من اليونان إلى بيرسيبوليس فترة حكم الملك قورش الأول. واستعانت أسماء بخبراء دوليين لمساعدتها في حل ألغاز المومياء، فأرسلت عينات من الحصير الذي كانت ترقد عليه المومياء في تابوتها إلى ألمانيا، لتحديد عمرها، وأرسلت ما كتب بالنقوش المسمارية على التابوت إلى أكبر الخبراء في لندن.

ولم يحل تقرير الخبير اللندني، أي لغز، بل جاء بمشكلة أكبر، رصد الخبير خطأ لغويًّا في كتابة جملة «أنا ابنة الملك العظيم قورش»، كما كان هناك خطأ كارثي آخر؛ فاسم رودوجون هو الترجمة الإغريقية لاسم وارديجونا، الاسم الأصلي لابنة الملك الفارسي، فكيف يمكن لاسم أميرة فارسية أن ينقش بالمسمارية بلغة إغريقية، وهو الاسم الذي لم يطلق على وارديجونا إلا بعد أن هزم الإغريق الفرس ودخلوا بلاد فارس، أي بعد قرن كامل من وفاة وارديجونا.

في هذه الأثناء كانت أسماء إبراهيم تبحث أكثر في ثنايا التابوت الخشبي على أي أثر جديد قد يساعدها؛ وبالفعل اكتشفت أسماء أنه بين ثنايا الصندوق، وبالعدسة المكبرة، يمكنك رؤية خطوط بالقلم الرصاص، ربما تعود للنجار الذي صنع التابوت، ما جعلها ترجح احتمال أن النقوش مزيفة بالفعل، والتابوت مصنوع في السنوات الأخيرة قبل كشف المومياء، وربما صمم المهربون هذا كله بعد عثورهم على المومياء وأرادوا بيعها بسعر أعلى؛ فلفقوا لها تاريخًا وألبسوها وجعلوها تبدو أميرة حقيقية، ولكن هذا التخمين لم يدم.

«نحن ننتج أفضل المومياوات في السوق»

بفحص المومياء بأشعة إكس تبين أنها تعود لامرأة عمرها بين 21 و25 عامًا. وبفحص دقيق من رجال الطب الإشعاعي، لاحظوا وجود عظمتين دقيقتين بالأذن الوسطى، تربطهما سويًا أوتار وأربطة رهيفة جدًا، من المستحيل أن توجد في الجثث القديمة، أو تستمر معها كل هذه الفترة وهي سليمة بشكل كامل، ما كان يعني أن الجثة ليست قديمة، وأشار ذلك إلى احتمال أن عصابة سرقت أو اشترت جثة حديثة، وعالجتها على هذا النحو لبيعها، ولكن هذا الاحتمال أيضًا لم يثبت.

طلبت السلطة الباكستانية من البروفيسور كريس ميلروي أستاذ الطب في جامعة شيفيلد تشريح الجثة ومعرفة سبب الوفاة. وبمجرد قطع الطبقة السطحية الصلبة من الراتينج كشف في البداية عن تلقي هذه المرأة لضربة قوية في عمودها الفقري من أسفل ما كسر ظهرها، مع انقسام فقرات العنق لجزئين بسبب كسر الرقبة، وهو سبب وفاتها. ثم ظهرت خصلة شقراء من شعر المرأة، ولكن ثبت أنه كان مصبوغًا؛ لأن الشعر الموجود في أصابع السيدة لم يتم إزالته ولم تذهب معالمه مع «الراتينج»، فقد كانت أصابعها ملفوفة بالقماش بالضبط كما يفعل المصريون القدماء في موتاهم.

أرسلت عينة من عظام جثة المرأة وأنسجتها لفحصها بالكربون، وتبين أنه جرى تحنيطها باستخدام «بيكربونات الصوديوم» وملح الطعام «كلوريد الصوديوم»، وأن هذه المرأة قد ماتت عام 1996، أي قبل اكتشافها بأربعة أعوام فقط، ورفعت دعوى قتل ضد علي أكبر وسردار والي ريكي. ودفنت أسماء إبراهيم الجثة على الطريقة الإسلامية. ولكن الرعب لم ينتهِ؛ فبعد شهور قليلة ظهر فيديو لمومياوتين فارسيتين تباعان على السوق السوداء بسعر 6 ملايين دولار، مما أثار الخوف حول وجود مصنع للمومياوات والأفكار المرعبة في وجود المزيد من الضحايا.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
من فيلاديمير لينين إلى عذراء الإنكا.. التحنيط ليس «سر الفراعنة» فقط
969
فريق العمل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد