تأتي بأشكال وألوان متنوعة، منها الطبية التي تصحح عيوب الإبصار، ومنها الشمسية التي تحمي العين من أضرار الأشعة فوق البنفسجية. يرتديها العديد من البشر في العالم، ويبدو لنا ذلك أمرًا مألوفًا، ولكنه لم يكن كذلك قبل عدة قرون. هذه العدسات التي تستقر أمام عينيك، لها تاريخ طويل من التطوير والابتكار، وساهمت في رسم خطوطه جهود العديد من المبدعين والمبتكرين، الذين مهدوا الطريق لظهور النظارات التي نعرفها اليوم.

فهل تساءلت يومًا عن أصول هذه الأداة، وكيفية وصولها إلى ملايين البشر الذين يستخدمونها يوميًّا ولا غنى لهم عنها في حياتهم؟ في السطور التالية نعود بالزمن إلى الوراء، ونبحر في جولة تاريخية تستعرض تاريخ العدسات البصرية.

النظارات الطبية والمخترع المجهول

تأخذنا الجولة في محطتها الأولى إلى روما القديمة؛ حيث تشكلت النواة الأولى لظهور العدسات، وذلك بعد أن لاحظ أحدهم أن قطع الزجاج المحدبة يمكنها تكبير الأشياء، وأدرك الرومان أن الزجاج يستطيع زيادة إمكانية رؤية النصوص الصغيرة، الأمر الذي مهد لظهور العدسات المكبرة فيما بعد. ويُروى أن الإمبراطور الروماني«نيرو» كان يشهد حلقات المصارعة من خلال عدسات زجاجية لامعة ومصقولة، تقيه من أشعة الشمس.

Embed from Getty Images

الراهب الإنجليزي روجر باكون

ومع ذلك، لا توجد معلومات مؤكدة حول أول من اخترع النظارات، وتتعدد الروايات حول ذلك. ويعد الراهب الإنجليزي روجر باكون أحد الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم باختراع النظارات، وتحديد المبادئ العلمية المتعلقة باستخدام العدسات التصحيحية في كتابه «Opus Majus» في حوالي عام 1266م، وأثبتت تجاربه مبادئ العدسات المحدبة، التي وصفها العالم المسلم ابن الهيثم، الذي لعبت أبحاثه دورًا مهمًّا في تطوير علم البصريات والعدسات.

وفي رواية أخرى، لعبت فيها الصدفة دورًا، يُروى أن الفيزيائي الإيطالي سالفينو دويلي أرماتي، كان أول من اخترع النظارات الطبية في حوالي عام 1285م، وذلك بعد أن ألحق الأذى بعينيه في إحدى تجاربه على انعكاس الضوء وانكساره، وعندما حاول تصحيح بصره باستخدام قطعتي زجاج مقوستين؛ وجد أنه يرى جيدًا.

ويعتقد أيضًا أن تاريخ النظارات يعود لعصور الصين القديمة؛ إذ يُقال إن القضاة الصينيين كانوا يستعملون نظارات شمسية في القرن 12. وكانت عدساتها مصنوعة من الكوارتز المدخن، ولكن لم يكن الغرض منها الحماية من أشعة الشمس؛ بل ليخفوا تعابير وجوههم عند التحقيق مع الشهود.

الريادة الإيطالية في صناعة العدسات

في المحطة التالية، ننتقل إلى مدينة فينيسيا الإيطالية في العصور الوسطى؛ وتحديدًا في القرن 13؛ حين كانت المدينة من أكثر مراكز صناعة الزجاج تطورًا آنذاك. وكان يجري إنتاج الزجاج، الذي كان يوضع فوق الكتابات من أجل تكبير الحروف وتسهيل قراءتها. وكان يسمى هذا الزجاج «حجر القراءة»، وكان يصنع من الكوارتز، وحجر البريل، وغيرها.

وفي إيطاليا أيضًا، ظهر أول وصف رسمي لـ«أقراص العين»، وظهرت أول نظارة معروفة في التاريخ يمكن ارتداؤها. وكانت توضع عدسات زجاجية بدائية في إطارات خشبية أو جلدية، وفي بعض الأحيان من العاج أو قرون الحيوانات، وغالبًا ما كان يستخدمها الرهبان، ثم ما لبثت أن أخذت هذه الصناعة في التطور خلال عصر النهضة الأوروبية.

Embed from Getty Images

كانت النظارات الأولى ذات عدسات محدبة، وكانت تستخدم فقط لتصحيح قصر النظر؛ بسبب شيوع استخدام النظارات آنذاك لأغراض القراءة، ولم يؤخذ بالاعتبار أهمية الرؤية البعيدة؛ أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من مشكلات بعد النظر، كان الحل لمشكلتهم إنتاج عدسات مقعرة، والتي كانت صعبة ومكلفة في صنعها، وتتطلب وقتًا طويلًا.

وفي منتصف القرن 15، برزت مدينة إيطالية أخرى هي مدينة فلورنسا؛ التي كانت رائدة في صناعة النظارات وبيعها، وهناك لم تصنع العدسات المحدبة فقط؛ بل صنعت العدسات المقعرة أيضًا. كان الصانعون الفلورنسيون على علم بتدني مستوى الرؤية مع التقدم في السن، لذلك عملوا على إنتاج عدسات مختلفة القوة. وكانت فلورنسا أكبر منتج للنظارات الجيدة بأسعار معقولة.

وكان الدوق يشتري النظارات الفاخرة ويرسلها هدايا للنبلاء في كافة أنحاء أوروبا، حتى انتشرت العدسات الإيطالية في كافة أنحاء أوروبا. ولاحقًا ظهرت النظارات الفرنسية والألمانية في القرن 16، ولكنها لم تضاهِ الصناعة الفلورنسية حتى القرن 17.

كيف أحدث اختراع الطابعة ثورة في عالم النظارات؟

في العديد من البلدان، ساد الاعتقاد بأن النظارات تبرز مكانة الشخص الذي يرتديها وذكاءه، إذ كانت ترمز في أوروبا إلى الحكمة والجاذبية؛ بينما في الشرق الأقصى، حيث ظهرت أول مرة في القرن 15 بفضل التجار والمبشرين الأوروبيين، كان يدل حجم العدسة التي يرتديها أحدهم على منزلته الاجتماعية، وكان يجري استخدامها لأغراض اجتماعية، أكثر منها لتحسين الرؤية.

صحة

منذ 9 شهور
من اضطراب ما بعد الصدمة إلى الشيزوفرينيا.. فحص العين قد يكشف مرضك النفسي!

وقد شكل القرن 15 علامة بارزة في تاريخ صناعة النظارات، خاصة بعد اختراع يوهان جوتنبرج المطبعة في عام 1440 تقريبًا. وخلال فترة قصيرة، أصبحت الكتب التي كانت في السابق عملة نادرة، متوفرة الآن وواسعة الانتشار، وبعد أن ازداد عدد الكتب والجرائد، أدت تلك المواد المعرفية الجديدة إلى إجهاد أعين عديد من الناس، الذين كانوا يقرءون عادةً على ضوء الشموع.

ازدادت الحاجة لنظارات القراءة ازديادًا كبيرًا، وأصبح الناس حينها قادرين على القراءة بوضوح أكثر. وبذلك؛ تحولت الحاجة للنظارات إلى ضرورة حياتية، عوضًا عن المظاهر الشكلية. مع ذلك، ظلت رمزية النظارات في أوروبا على حالها، وخاصة مع قدوم عصر النهضة؛ ونظرًا إلى أن العلم والمعرفة كانت سمة ذاك العصر، فقد ظلت النظارات رمزًا للذكاء والازدهار. وما تزال الأعمال الفنية التي تعود لذلك العصر شاهدة على وجود هذه النظارات، وتصور لنا لوحات عصر النهضة المبكرة العلماء وهم يستخدمون عدسات النظارات.

نظارات شمسية وعدسات بلاستيكية.. الابتكارات البصرية عبر القرون

مع مجيء القرن 18، شهدت صناعة النظارت تطورات عديدة؛ إذ شهد هذا القرن ظهور العدسات البيضاوية الشكل، وتطورت كذلك إطارات النظارات، التي كانت تصنع من مواد طبيعية، ومعادن ثقيلة، ثم ظهرت إطارات أخف مصنوعة من صدف السلاحف. وظهرت الإطارات المفصلية التي توضع على الأذن في إنجلترا.

كذلك، انتشرت «هوامش مارتن»، التي كانت أطواقًا مصنوعة من القرون، وتوضع بين العدسات وإطارها لتخفيف الضوء الساقط على العين. وظهرت أيضًا العدسات المزدوجة، التي طورها بنجامين فرانكلين، ليكون الجزء العلوي من العدسة للرؤية البعيدة، والجزء السفلي للرؤية القريبة، وسمح ذلك للأشخاص المصابين بطول النظر أو بعد النظر، باستخدام زوج واحد من النظارات بدلًا من اثنين.

ومع حلول القرن 19، وقيام الثورة الصناعية، يَسَّر الإنتاج الضخم للإطارات والعدسات حصول كثير من الرجال والنساء العاملين على تصحيح للنظر الضروري لعملهم. وظهرت في أوائل هذا القرن أيضًا أول عدسات أسطوانية لتصحيح الاستجماتيزم، ابتكرها  عالم الفلك والرياضيات الإنجليزي، السير جورج بيدل إيري.

Embed from Getty Images

وبعد أن أصبحت النظارات في متناول الجميع خلال القرن 19، تحول الاتجاه في القرن 20 نحو جعل النظارات عصرية وأنيقة. وتوفرت الإطارات بأشكال ومواد وألوان مختلفة، تتلاءم مع شكل الوجه، أو لون العين، أو الزي. وشهد القرن 20 أيضًا ظهور النظارات الشمسية، والتي كانت تستخدم في البداية لعلاج حالات التحسس من الضوء وبعض الحالات الطبية، ثم تحول إنتاجها منذ عام 1929م، بشكل أكبر للحماية من أشعة الشمس.

وفي الثمانينيات ظهرت العدسات البلاستيكية، التي كانت أقل قابلية للكسر، وجعل النظارات أخف، وفي عام 1955م، صنعت أول عدسات غير قابلة للكسر، أعقبها في عام 1971م، ظهور عدسات جديدة تجمع بين خصائص البلاستيك والزجاج.

وعلى مر العقود، ساعدتنا العدسات في البحث عن وسائل تمكننا من رؤية الأشياء، التي لا يمكن للعين البشرية إدراكها. وتطورت العدسات من كونها عدسة صغيرة تساعدنا في القراءة، إلى استخدامها في التلسكوبات الكبيرة التي تساعدنا في رؤية النجوم والكواكب، واستكشاف الكون من حولنا، فضلًا عن عدسات الميكروسكوبات التي تمكننا من رؤية الخلايا، ودوران الإلكترونات حول الذرة.

علوم

منذ 5 شهور
ماذا لو شاهدت الكون بعينك المجردة؟ 6 صور شهيرة ستصدمك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد