في عام 1839 غزت بريطانيا الصين لتسحق المعارضة التي تتدخل في الشؤون الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية للبلاد. وكان أول ما فعلته بريطانيا في الحرب احتلال جزيرة هونج كونج، قبالة سواحل جنوب شرق الصين. وفي عام 1841 تنازلت الصين عن الجزيرة إلى بريطانيا بعد توقيع اتفاقية نانجينج.

وقبل أن تنتزع بريطانيا الاستعمارية هونج كونج من الصين، لم تكن سوى جزيرة لا يسكنها غير عدد قليل من البشر، ثم جرى تأجيرها من الصين لبريطانيا لمدة 99 عامًا، حتى عادت للسيادة الصينية من جديد في 1 يوليو (تموز) عام 1997، إلا أنها لم تعد كما كانت. فما هي التغيرات الجغرافية، والسياسية، والاقتصادية، التي واكبت ذلك التاريخ المعقد والمليء بالتحولات؟ وكيف أصبحت تلك الجزيرة أحد أغنى وأقوى وأكثر المدن تطورًا في العالم، ومركز الأعمال في قارة آسيا؟

المستوطنات الأولى

تدل بقايا الأواني الفخارية، والأدوات الحجرية، والحلقات البرونزية التي عثر عليها في أكثر من 20 موقعًا في هونج كونج على تواجد مستوطنات تعود إلى العصر الحجري الحديث. ويعتقد أن أوائل الشعوب الحديثة التي سكنت هونج كونج قد جاءت من شمال الصين في الألفية الثانية قبل الميلاد، ثم بدأ الكانتونيون بالاستقرار في المنطقة حوالي 100 سنة قبل الميلاد.

وفي وقت لاحق جاء الهاكا، إحدى الفصائل العرقية التي استوطنت شمال الصين في البداية، ثم هاجروا إلى جنوب الصين بعد  سقوط سلالة سونغ في عام 1270. وبحلول منتصف القرن 17، وصل شعب الهوكلو الذي يعتقد أنهم استوطنوا الأراضي المتاخمة للنهر الأصفر في شمال ووسط الصين في البداية، مثل الهاكا، ثم استقروا في مقاطعة فوجيان جنوب الصين.

وقد مثلت هونج كونج مسرحًا للصراعات الأخيرة بين سلالة مينج (1368–1644) المنحدرة، وسلالة تشينج التي تعد آخر ممالك الصين التي حكمت منذ عام 1644 وحتى عام 1912، أعقبها محاولة استعادة فاشلة وقصيرة للحكم في عام 1917، ثم تأسست بعدها جمهورية الصين.

وفي عهد سلالة تشينج، وصلت أراضي الإمبراطورية إلى ثلاثة أضعاف حجمها السابق في ظل حكم سلالة مينج، ونما عدد السكان من حوالي 150 مليون إلى 450 مليون نسمة، وجرى تجنيس عديد من الأقليات غير الصينية داخل الإمبراطورية، وتأسيس اقتصاد وطني متكامل.

كيف سيصبح شكل العالم حين تصبح الصين القوة الأولى؟

حروب الأفيون ومعاهدة نانجينج

قبل وصول البريطانيين في منتصف القرن 19، كانت هونج كونج جزيرة قفراء لا تضم سوى عدد متواضع من الخصائص التي تؤهلها للمعيشة والاستيطان، ولا يسكنها سوى عدد قليل من صيادي الأسماك. كانت الجزيرة تفتقر إلى التربة الخصبة، والمياه العذبة، وكانت تُعرف بكونها جاذبة للقراصنة.

مع ذلك، كانت الجزيرة قاعدة آمنة نسبيا وغير مضطربة للتجار البريطانيين، الذين بدأوا في عام 1821 باستخدام الجزيرة ميناء لإرساء سفن تحمل الأفيون. وسرعان ما أدركت بريطانيا الأهمية التجارية، والاستراتيجية الكبيرة لهذا المرفأ العميق والمحمي، الذي يمتلك مداخل في الشرق والغرب، ويقع على طرق التجارة الرئيسة في الشرق الأقصى.

وبعد هزيمة الصين العسكرية في حرب الأفيون الأولى (1839-1842)، تعرَّضت مدينة نانجينج لخطر هجوم السفن البريطانية، فاجتمع ممثلون من الإمبراطورية البريطانية، مع ممثلي مملكة تشينج في ميناء نانجينج، ووقع كل من السير هنري بوتينجر ممثل المملكة المتحدة، وكيِينج ويِليبو ونيوجيَان ممثلي مملكة تشينج الصينية معاهدة عرفت باسم «اتفاقية نانجينج»، في 29 أغسطس (آب) عام 1842، كي تنهي بذلك حرب الأفيون الأولى.

تألفت المعاهدة من 13 بندا، إضافة إلى مصادقة من الملكة فكتوريا والإمبراطور داوجوانج، وكانت المعاهدة الأولى ضمن سلسلة معاهدات غير متكافئة استهدفت الصين، إذ لم تقدم المملكة المتحدة أي تنازلات في المعاهدة، التي جرى إقرارها بعد تسعة شهور تقريبًا لتدخل بعدها طور التطبيق.

Embed from Getty Images

ميناء هونج كونج عام 1860

وقد كان الغرض الرئيس من معاهدة نانجينج تغيير قانون التجارة الأجنبية، الذي سُنَّ في الصين منذ عام 1760، والمعروف بنظام كانتون، الذي يحظر المتاجرة مع الأجانب في أي مكان بالصين، عدا منطقة المصانع الثلاثة عشر بمدينة كانتون. وبذلك؛ أبطلت المعاهدة وفقا لبندها الخامس احتكار منطقة المصانع الثلاثة عشر للتجارة الأجنبية الصينية، إحدى مناطق مدينة كانتون التي كانت المكان الوحيد بالإمبراطورية الصينية، الذي يسمح فيه بالمتاجرة مع الأجانب. وعوضًا عن السماح بالمتاجرة هناك فقط، فتحت المعاهدة خمسًا من موانئ الصين الكبرى للتجارة الأجنبية دون قيود، وأصبح بإمكان التجار البريطانيين بيع بضائعهم في هذه الموانئ مثلما يشاؤون.

تنازلت الصين أيضًا عن جزيرة هونج كونج إلى بريطانيا بموجب معاهدة نانجينج بعد حرب الأفيون الأولى، لكن البريطانيين لم يرضوا أبدًا عن السيطرة غير الكاملة على الميناء. وبعد أقل من 20 عامًا، بعد حرب الأفيون الثانية (1856-1860)، اضطرت الصين للتنازل عن شبه جزيرة كولون بموجب اتفاقية بكين (1860)، التي ألزمت الصين بالتنازل عنها نهائيا لبريطانيا وبدون مقابل.

وقد نص البند السادس من المعاهدة التي كانت ضمن سلسلة المعاهدات غير المتكافئة، ووقعت بين مملكة تشينج الصينية من جهة، وبريطانيا العظمى، والإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية الروسية من جهة أخرى، على تخلي الصين للمملكة المتحدة عن كافَّة الأراضي الواقعة جنوب ما يعرف اليوم بـ«الشارع الحدودي» (Boundary Street) في هونج كونج، الذي يشمل شبه جزيرة كولون وجزيرة هونج كونج.

اتفاقية بكين الثانية والحروب الصينية اليابانية

في عام 1898 وقعت بريطانيا العظمى معاهدة جديدة مع مملكة تشينج الصينية، عرفت باسم «معاهدة توسعة منطقة هونج كونج»، أو «اتفاقية بكين الثانية». نصَّت المعاهدة على تأجير الصين كافة الأراضي الواقعة بين الشارع الحدودي، ونهر شام تشون والجزر المحيطة، وأهمها جزيرة لانتاو، لبريطانيا العظمى لمدة 99 عامًا بدون مقابل.

بموجب تلك الاتفاقية، جرى تأجير الأراضي الجديدة بالإضافة إلى 235 جزيرة إلى بريطانيا لمدة 99 عامًا، اعتبارا من 1 يوليو 1898، حتى ينتهي عقد الإيجار في 30 يونيو (حزيران) عام 1997. وبذلك أصبحت هذه المناطق المعروفة حاليًا باسم الأقاليم الجديدة جزءًا من مستعمرة هونج كونج الملكية.

وكان غرض بريطانيا من المعاهدة الحصول على أحقية كاملة في التصرف بأراضيها الجديدة في مستعمرة هونج كونج البريطانية، كي تتمكن من تحصينها عسكريا بالدرجة اللازمة، إلى جانب استغلال أراضي هونج كونج في تدريب الجنود البريطانيين، وإقامة الدفاعات الأمنية والعسكرية. ويرجع السبب في اختيار فترة الإيجار 99 عامًا؛ لأنها فترة بدت كأنها أبدية.

ومع هذا التوسع في الأراضي، قفز عدد سكان هونج كونج إلى 120 ألف في عام 1861، ثم إلى أكثر من 300 ألف بحلول نهاية القرن 19. ومنذ تأسيسها تقريبا، تميزت هونج كونج عن أي ميناء آخر غيرها بكونها ملاذًا للأشخاص ورؤوس الأموال الهاربة من الصين، بالإضافة إلى توفيرها مسكنًا مؤقتًا للمهاجرين الريفيين الموجودين في جنوب شرق آسيا وما وراءها.

وبعد تأسيس جمهورية الصين في عام 1912، سعى أنصار القومية الناشئة إلى إلغاء جميع الامتيازات التي تمنحها المعاهدات الأجنبية في الصين. ونادت تلك الجموع بإصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، ومقاطعة البضائع الأجنبية؛ الأمر الذي أضر بالبضائع البريطانية التي كانت راسخة في الصين. وسرعان ما انتشرت أصوات تلك الحملة إلى هونج كونج ولاقت استجابة عالية، أثارت كثير من الإضرابات في العشرينات من القرن الماضي.

وبعدما اندلعت الحرب الصينية اليابانية الثانية في عام 1937، كانت هونج كونج مرة أخرى ملجأ فر إليه الآلاف من الصينيين الهاربين من قوات اليابانيين. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية في أوروبا، أصبح موقف الجزيرة أكثر خطورة، لكونها حينذاك إحدى المستعمرات البريطانية التي يمكن استهدافها خلال الحرب. وبالفعل، هاجم اليابانيون هونج كونج واحتلوها في ديسمبر (كانون الأول) عام 1941.

وخلال سنوات الحرب، تضررت التجارة في هونج كونج ضررًا بليغًا؛ إذ كان الغذاء نادرًا، وفر العديد من السكان إلى مناطق الصين الداخلية. ونتيجة لذلك؛ انخفض عدد السكان الذين بلغ عددهم 1.6 مليون نسمة في عام 1941 إلى حوالي 650 ألف نسمة بحلول عام 1945 عندما استسلم اليابانيون.

تمتلك أسلحة أسرع من الصوت.. ما قد لا نعرفه عن تطوير الصين لقدراتها العسكرية

 

نهضة هونج كونج المعاصرة

تحت الحكم البريطاني ، تحولت هونج كونج إلى مركز تجاري ومالي، يضم واحدا من أكثر الموانئ ازدحامًا في العالم. عادت القوات البريطانية إلى هونج كونج في 30 أغسطس عام 1945، وأعيد تأسيس حكومة مدنية في مايو (أيار) عام 1946. وفي هذه الأثناء، عاد مئات الآلاف من الصينيين والأجانب، من بينهم العديد من اللاجئين الاقتصاديين والسياسيين الصينيين، الذين فروا من الحرب الأهلية التي نشبت بين الجيوش القومية والشيوعية. وفي عام 1951 أدى الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على التجارة مع الصين وكوريا الشمالية خلال الحرب الكورية؛ إلى تقليص حجم التجارة التي تمثل شريان الحياة للمستعمرة تقلصًا خطيرًا، وتكدرت ظروف الحياة في المدينة لعدة سنوات.

بدأت هونج كونج نهضتها على أساس الصناعات الخفيفة مثل المنسوجات، التي أنشأها الرأسماليون المهاجرون وتوفرت لها العمالة المطلوبة. وسرعان ما فرضت تلك الصناعة أهميتها في الاقتصاد، ووفر لها الأساس لمزيد من التصنيع. وقد ساعد على ذلك التطور الاعتماد على العمالة الرخيصة، التي كانت تتدنى في ظروف عمل سيئة للغاية؛ ونتيجة لذلك بدأت النزاعات العمالية والسخط الاجتماعي ينتشر في أوائل الستينات.

اندلعت أعمال شغب شديدة في هونج كونج وكولون في مايو عام 1967، بعد نشوب نزاع عمالي في مصنع للزهور البلاستيكية. وتحولت الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية على الفور إلى مظاهرات سياسية عنيفة مناهضة للاستعمار، ومستوحاه إلى حد كبير من أتباع الثورة الثقافية (1966-1976) في الصين. وعندما استقر الوضع في نهاية الستينات، حدثت بعض الإصلاحات الاجتماعية والسياسية، وتحسنت ظروف العمل والمعيشة العامة تحسنا ملحوظا من خلال تشريعات العمل، ومشاريع الإسكان الحكومية الضخمة، إلى جانب برامج الأشغال العامة الموسعة.

في الوقت نفسه، جرى تطوير صناعات عالية التقنية مثل الإلكترونيات، وازدهرت العقارات والأسواق المالية حتى أوائل عام 1973، حينما انهارت سوق الأوراق المالية وجفت مليارات الدولارات من هونج كونج. ولكن سرعان ما تعافى الاقتصاد، واستأنف اتجاهه التصاعدي في منتصف السبعينات، وكذلك تحسنت العلاقات مع الصين.

الإعلان الصيني البريطاني المشترك

في أواخر السبعينات، بدأ القلق بشأن مستقبل هونج كونج يلوح في الأفق بعد أن قاربت سلطة بريطانيا على المناطق المستأجرة في الأراضي الجديدة تاريخ الانتهاء. ومع أن عقد الإيجار كان ينطبق فقط على الأراضي الجديدة، إلا أن الحكومة الصينية أكدت على الدوام أن هونج كونج بأكملها كانت أرضًا صينية، واعتبرت أن مسألة الاتفاقيات السابقة بين هونج كونج وبريطانيا كانت معاهدات غير متكافئة، وطالبت بإعادة التفاوض للوصول إلى حل.

جرت اتصالات أولية بين الحكومتين حول هذه المسألة في مارس (آذار) عام 1979، ولكن المفاوضات الرسمية لم تبدأ إلا بعد زيارة رئيس الوزراء البريطاني إلى بكين في سبتمبر (أيلول) عام 1982. استمرت المفاوضات بين البلدين لمدة عامين، حتى جرى توقيع بيان الإعلان الصيني البريطاني المشترك رسميًا حول مسألة هونج كونج، بواسطة رئيس الوزراء الصيني زاو زيانج ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، في بكين في 19 ديسمبر (كانون الأول) 1984.

وقد نص الاتفاق على أن تسترد الصين مناطق جزيرة هونج كونج، وشبه جزيرة كولون، والأقاليم الجديدة في الأول من يوليو عام 1997، وتعيد لها حكمها الذاتي السابق، ووافقت المملكة المتحدة على نقل ملكية هونج كونج إلى جمهورية الصين الشعبية في التاريخ ذاته. وبالفعل، في الأول من يوليو عام 1997، جرى تسليم هونج كونج سلميًا إلى الصين في حفل حضره العديد من الشخصيات الصينية، والبريطانية، والدولية، على رأسهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والأمير تشارلز، والرئيس الصيني جيانج زيمين، ووزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت.

وقد وضع الرئيس التنفيذي في حكومة هونج كونج الجديدة، تونج تشى هوا، سياسة تستند إلى مفهوم «دولة واحدة ونظامان»، والذي يضمن الحفاظ على دور هونج كونج مركزًا رأسماليًا رئيسًا في آسيا. فضلًا عن ذلك، نص البيان الصيني البريطاني أن تكون هونج كونج منطقة إدارية خاصة تابعة للصين، مع احتفاظها بحريتها وطريقة حياتها لمدة 50 عاما، بعد تاريخ التسليم في 1 يوليو 1997.

كانت السنوات التي تلت إعادة التوحيد مزدهرة عمومًا؛ إذ شهد اقتصاد هونج كونج نموًا مطردًا، رغم اعتماده الكبير على الظروف الاقتصادية العالمية. ازدادت العلاقات الاقتصادية مع البر الرئيس ازديادًا كبيرًا، وبالإضافة إلى ذلك كرست موارد رئيسة لتحسين البنية التحتية للنقل في المنطقة، التي شملت جسور وطرق جديدة، بالإضافة إلى المطار الجديد.

ومن الناحية السياسية، كانت هناك دعوات مستمرة لإجراء إصلاحات ديمقراطية في القانون الأساسي، والتي تضمنت في بعض الأحيان مظاهرات كبيرة، وضغط من أعضاء أحزاب المعارضة في المجلس التشريعي (LegCo). وبحلول الانتخابات التشريعية عام 2004، سمحت بكين بانتخاب نصف المقاعد في المجلس التشريعي بشكل مباشر من الدوائر الانتخابية الجغرافية، ويجري اختيار النصف الآخر من المجموعات المهنية والتجارية المعروفة باسم «الدوائر الوظيفية».

كيف تحولت بريطانيا من إمبراطورية «لا تغيب عنها الشمس» إلى مجرد تابع؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد