تنويه: في هذا التقرير صور وفيديوهات حصريّة لصابرين، يُنصح أصحاب القلوب الضعيفة بعدم مشاهدتها. وقد نشرناها لنقل المأساة بكاملها.

كانت مثل وردة، جميلة، ومكتنزة بالصحة والنشاط، لكنَّها اليوم تذوي وتذبل، بعد أن فقدت قدرتها على المشي والكلام، وكذلك السمع. إنَّه وحش، لا يفعل هذا إنسان في قلبه ذرةٌ من رحمة.

هكذا وصفت أم أيسر -وهي تبكي- شقيقتها صابرين التي تعرضت طيلة سنوات زواجها للتعذيب من قبل زوجها، الذي تخلى عنها في نهاية المطاف، وحرمها من رؤية أطفالها الأربعة، لتبدأ فصلًا آخر مؤلمًا من فصول حياتها القاسية.

الزوج.. إمام وخطيب مسجد في بغداد

مأساة صابرين بدأت بعد زواجها عام 2005 من قيس عبيد إمام وخطيب أحد جوامع العاصمة العراقية بغداد. تقول عائلتها إنَّه أجبرها على ارتداء النقاب، ومنعها من زيارة أقاربها، ووصل به الأمر إلى منعها من زيارة شقيقاتها المتزوجات اللاتي يقطنَّ قريبًا منها. تضيف «أم أيسر» شقيقة صابرين أنَّ تصرفه هذا كان يُفهم من قبلنا على أنَّه حبٌ وغيرة عليها، لكن بمرور الوقت تبيَّن أنه يمارس ساديته الوحشية عليها.

صابرين في يوم زفافها عام 2005 – الصورة أرسلتها عائلة صابرين لـ«ساسة بوست»

تُظهر الصور ومقاطع الفيديو التي استطاع «ساسة بوست» الحصول عليها من قِبل عائلة صابرين الفرق الكبير والمرّوع بين حالتها قبل الزواج وبعده، كما تبدو آثار التعذيب واضحةً على جسدها، وقد أكدت شقيقتها أن زوجها كان يتعمَّد حبسها في غرفة مظلمة لفتراتٍ طويلة، مانعًا عنها الطعام والشراب والاغتسال.

امرأة عراقية

صابرين عام 2018. صورة أرسلتها العائلة لـ«ساسة بوست».

مع بداية حملها الرابع، وتحديدًا عام 2014، بدأت تظهر على صابرين أعراض غريبة مثل التعثّر بالأرض، والخَدَر في أطرافها، وكذلك صعوبة في السمع؛ وتطلَّب الأمر مراجعات كثيرة للأطباء في العراق لتشخيص إصابتها بالاعتلال العصبي المحيطي، ما جعلها تفقد تدريجيًا قدرتها على المشي والكلام والسمع، كما تسبب لها المرض بضمور عضلي شديد.

«نريد من الدولة أن تتدخل، وأن ينظر رئيس الجمهورية ووزير الداخلية إلى حالنا، هذه جريمة. رمى صابرين وأخذ أطفالها. نريد من الدولة معالجتها، ونتمنى أن تُعالج في الهند، فالدواء هنا مكلف»، هكذا تتحدث السيدة عليّة سرحان والدة صابرين وتصف كيف كان زوجها يضربها بوحشية ويحتجزها في غرفة ويمنعها من رؤية أطفالها (عبد العزيز وعائشة ورقية وهاجر) وأكثر من ذلك فإن حاول أحد أطفالها الدخول عليها تُعاقب بالضرب المبرح.

امرأة عراقية

صورة لصابرين أرسلتها العائلة لـ«ساسة بوست»

تقول أم أيسر أنَّ زوج شقيقتها صابرين ومنذ أن تدهورت حالتها الصحية بدأ يتاجر بمرضها، حيث يَعْمَد إلى تسجيل فيديوهات لها في المنزل وهي مقعدة على كرسي متحرك ويرسل تلك الفيديوهات إلى مسؤولين عراقيين ومنظمات إنسانية للحصول على المال بحجة علاجها؛ لكنَّه في حقيقة الأمر لا يفعل ذلك.

القابلة أم أحمد التي كانت تتولى توليد صابرين هي الأخرى تؤكد أنَّ صابرين كانت بكامل قواها العقلية والبدنيَّة، وأنَّها لم تكن على هيأتها التي هي عليها الآن، ولكن بسبب الضغط النفسي والجوع والتعذيب والحبس انهارت نفسيًا وجسديًا، وتتساءل: «هل يُعدُّ إنسانًا من يفعل ذلك بزوجته؟».

«ليست صابرين الوحيدة، هنالك آلاف النساء مثل صابرين في مجتمعنا، فقط اذهب إلى المحاكم وأنت ترى الكارثة» تقول هذا «أم أيسر» وهي تتحدث عن عدد الدعاوى القضائية التي تقدمت بها العائلة لخلع صابرين من زوجها..

تقول عائلة صابرين أنَّها حصلت على هذا الفيديو من شخص يعمل مع نائبٍ في البرلمان العراقي، وقد أخبرهم هذا الشخص أنَّ زوج صابرين صوَّر الفيديو من أجل «المتاجرة والتسوّل» والحصول على المال بحُجَّة علاجها.

ليست أرض النفاق! هكذا كان العراق درة في تاج الحضارة الإنسانية عبر التاريخ

 

في العراق.. لا قانون يحمي النساء

في العراق لا وجود لقانون يحمي النساء من العنف الأسري، ورغم مطالبات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان بتشريع قانون العنف الأسري إلا أنَّ البرلمان العراقي لم يقم بهذه الخطوة لغاية الآن؛ لذا تعاني «محاكم العنف الأسري» التابعة للسلطة القضائية في العراق من قيود في عملها، حيث لا وجود لأماكن تأوي المعنَّفين من النساء أو الأطفال، وكذلك فإنَّ المتهمين بجرائم العنف الأسري يفتقدون إلى أماكن احتجاز، فهم يُسجنون مع المتهمين بجرائم الإرهاب والقتل وغيرها من الأحكام الثقيلة.

في تقرير لها صدر في مايو (آيار) عام 2015 بيَّنت «محاكم العنف الأسري» في العراق أنَّ 90% من قضايا العنف الأسري تكون الضحية بها هي المرأة، وجاء في التقرير أن «المحكمة ليست لها أيّ خصوصية من ناحية القوانين بسبب عدم وجود قانون خاص للعنف الأسري، لا سيما أنَّ هناك نصوصًا تتعارض مع هذا المفهوم منها أنَّ للزوج حق تأديب زوجته».

ورغم أنَّ التقرير عزا أسباب العنف الأسري إلى تدهور الوضع الأمني والاقتصادي الذي ينعكس سلبًا على الأسرة؛ غير أنَّه أشار إلى أنَّ هذه الجرائم لا يقتصر ارتكابها على محدودي التعليم بل يشمل طبقة المثقفين وأساتذة الجامعات.

العراق الحزين.. كيف شكلت المآسي شخصية العراقيين عبر مئات السنين؟

الإحصاءات والدراسات الوطنية الخاصة بالعنف ضد المرأة العراقية قليلة، خاصة بعد سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على ثلاث محافظات عراقية، وانتشار «المليشيات المسلحة» في بقيَّة المحافظات؛ لكن هنالك مسحًا أجرته «صحة الأسرة العراقية» عام 2006 خلصت فيه إلى أنَّ واحدة من كل خمس نساء عراقيات تتعرض للعنف الأسري البدني.

كما توصَّلت دراسة لوزارة التخطيط العراقية صدرت عام 2012 إلى أنَّ 36% على الأقل من النساء المتزوجات أبلغن عن تعرضهن لشكل من أشكال الأذى النفسي من الأزواج، وأبلغت 23% عن تعرضهن لإساءات لفظية، وأبلغت 6% عن تعرضهن للعنف البدني، و9% للعنف الجنسي. في حين لا تتوافر دراسات وطنية أحدث.

وفي مارس (آذار) عام 2017 أرسلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» مذكرة إلى رئيس البرلمان العراقي حينها سليم الجبوري طالبت فيها بتحديد عقوبات خاصة بجرائم العنف الأسري، وإلغاء البنود التي تقدّم الصلح على العدالة، مع تعزيز تدابير الحماية الخاصة بالضحايا في مشروع قانون مناهضة العنف الأسري.

«هيومن رايتس ووتش» قالت في مذكرتها أنَّ تفعيل وإنفاذ قانون وطني لمكافحة العنف الأسري يستوفي المعايير الدولية خطوة لا غنى عنها لمنع الانتهاكات والتعامل معها.  وتعتبر «اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)» التي صادق عليها العراق في عام 1986، أنَّ العنف ضد النساء هو من أشكال التمييز القائم على الجنس.

امرأة عراقية

آثار التعذيب على جسد صابرين

وفي مايو عام 2014 كشفت ممثلة هيئة الأمم المتحدة لشؤون المرأة في العراق فرانسيز كاي خلال حديث مع وكالة «المدى برس» أنَّ 60% من النساء في العراق تعرضن للعنف من قبل الأزواج، وأضافت أن «نسبة النساء المتعلمات في العراق خلال خمسينيات القرن المنصرم كانت نحو 90% أما الآن فإنَّ هذه النسبة انخفضت إلى 40%».

وبحسب هيئة الأمم المتحدة لشؤون المرأة في العراق أيضًا فإنَّ 14% فقط من النساء العراقيات يعملن خارج البيت، وهذه النسبة هي الأقل على مستوى العالم، والأخطر؛ إذ تعني أنَّ 86% من النساء العراقيات لا يتمتعن بالاستقلالية لأنَّهنَّ لا يملكنَ دخلًا خاصًا بهنَّ.

دعوى قضائية في «أبو غريب».. وتهديد بالقتل

تقول عائلة صابرين أنَّ زوجها قيس عبيد هددها بأنَّها لن ترى أطفالها في حال استجابت لطلب أهلها وأقدمت على رفع دعاوى قضائية عليه، وأكثر من ذلك تقول العائلة إنَّ الزوج هدد والد صابرين السيد عبد الله فرحان بالقتل إن هو لم يُغلق ملف الدعوى القضائية المفتوح في محكمة أبو غريب وتصف شقيقة صابرين كيف قال لهم إنَّ قاضي المحكمة يقف إلى جانبه ورفع يده اليمنى فاركًا إصبعيه السبابة والإبهام ببعضهما، وهي حركة تعني في العراق تقديم رشوة.

يطالب والد صابرين من الجهات المختصَّة في الدولة الاقتصاص من زوج ابنته، ويتساءل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها لأخذ حق ابنته فيما لو عجزت الدولة عن ذلك، يقول السيد عبد الله فرحان: «هل أقتله؟» ثُمَّ يستدرك: «سيتحول الأمر إلى قضية عشائرية وأنا رجل فقير لا أمتلك شيئًا يُمكن إنفاقه على الفصل العشائري».

ولكن؛ لماذا قد يخاف والد صابرين من الفصل العشائري أكثر من خوفه من قانون الدولة؟ العُرف العشائري في العراق يُعدَّ قانونًا نافذًا وملزمًا أكثر من قوانين الدولة المدنية، وغالبًا ما تقع المرأة ضحيةً لهذا العُرف وثمنًا لحلِّ النزاعات بين قبيلتين.

على سبيل المثال، نشب في عام 2015 خلاف بين عشيرتين في محافظة البصرة جنوبي العراق، استخدم فيه أنواع الأسلحة حتى الثقيلة منها، وسقط قتلى وجرحى في صفوف العشيرتين؛ ولإنهاء هذه الحرب كان على العشيرة المعتدية تقديم 40 امرأة من ضمنهن فتيات قاصرات «تعويضًا» للعشيرة الأخرى، حيث يجري تزويجهنَّ بالإكراه لرجالٍ من القبيلة الخصم.

في حادثة مشابهة، وفي محافظة البصرة أيضًا قُدمت 11 امرأة تعويضًا لحلِّ نزاع مسلح بين عشيرتين؛ إذ يُعد هذا تقليدًا متبعًا من قبل العشائر في جنوب العراق منذ مئات السنين.

وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة بضرورة أن تتدخل الدولة لكبح جماح العادات والأعراف العشائرية التي تجعل من المرأة سلعة وتجردها من قيمتها الإنسانية، يدافع رئيس لجنة العشائر النيابية في البرلمان العراقي عبود العيساوي عن هذه الأعراف، ويقول في تصريح لمجلة الجزيرة إنَّ «المجتمع العراقي، مجتمع عشائري بالدرجة الأساس، وبالتالي فإن العشيرة تتصرف ضمن الضوابط الاجتماعية التي تخفف عن الدولة الكثير من الأمور القضائية بحلها».

الرجل يستخدم زوجته لسداد ديونه.. تعرَّف على الوجه الآخر لحضارة بلاد الرافدين القديمة

الأب يحكي قصة ابنته

يواصل والد صابرين السيد عبد الله فرحان سرد الحكاية قائلًا أنَّ زوج ابنته كان لا يسمح لها بزيارتهم إلا على فترات زمنية بعيدة قد تصل أحيانًا إلى ستة أشهر أو سنة، رغم أنَّها تسكن في المدينة نفسها، لكنَّه ومع بداية حملها الرابع عام 2014 وتدهور حالتها الصحية مُنعت بشكل نهائي من رؤية أبويها أو إخوتها؛ وكذلك منع أهلها من زيارتها في بيتها.

ويضيف: «لم أستطع فعل شيء. هو زوجها وهذه حياتهم، لا أريد أن يقال عني أنَّني أسعى لإفساد حياة ابنتي الزوجية وعلاقتها بزوجها وأطفالها، كما أنني لم أفكر بطلاقها منه ولا رفع دعوى قضائية من أجل ذلك لولا تخليه عنها نهائيًا ورميها علينا».

ليس أمرًا سهلًا رفع دعوى قضائية تخص الطلاق في العراق، ورغم أنَّ قانون الأحوال الشخصية يمنح المرأة حق الطلاق في حالات معينة؛ إلا أنَّ الزوج بإمكانه تعقيد الأمر في حال رفض دعوى الطلاق، وغالبا ما تردُّ المحكمة دعوى الزوجة إن أعلن الزوج تمسكه بها أمام القاضي، أو على الأقل تستمر القضية عدة سنوات في المحاكم.

عادةً حين تريد المرأة الطلاق فإنَّ عليها التنازل عن حقوقها التي تتضمن «المقدم والمؤخر» وحصتها من البيت، وإلا فالرجل يعمد إلى رفض الدعوى لإجبار المرأة وإرغامها على التنازل والقبول بالتسوية، وكذلك انتقامًا لـ«رجولته».

ورغم صعوبة الأمر وتعقيده إلّا أنَّ العراق سجَّل أرقامًا صادمة لحالات الطلاق في عام 2017 حيث وثَّق مجلس القضاء الأعلى 70.097 حالة طلاق كان للعاصمة العراقية النصيب الأكبر منها من خلال تسجيل المحاكم فيها لـ 27.481 حالة طلاق.

امرأة عراقية

حالات الزواج والطلاق الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى لسنة 2017

ويعزو مجلس القضاء الأعلى تنامي ظاهرة الطلاق في العراق إلى عدة عوامل، بينها زواج القاصرات الذي عاد إلى الواجهة من جديد وبشكل أكبر مما شهدته السنوات السابقة، كذلك فإنَّ من ضمن الأسباب التي يراها مجلس القضاء الأعلى سببًا في تزايد ظاهرة الطلاق هو انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتعدد وسائل الاتصال والتطبيقات الحديثة والاستخدام السلبي لها، فيما أكد أن قضايا الابتزاز الإلكتروني إحدى الصور التي شكلت نسبة من حالات الطلاق.

انعدام الأمن، وانتشار البطالة، والفقر، والجهل، أسباب لم يذكرها بيان مجلس القضاء الأعلى، لكنَّها قد تعد رئيسية لاستقراء ظاهرة الطلاق، ففي عام 2017 وثَّقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» مقتل 3.298 مدنيًا وإصابة 4.781 آخرين، هذا باستثناء أعداد الضحايا المدنيين في محافظة الأنبار لآخر شهرين من 2017 حيث لم تتوافر الأعداد.

إحصائية مجلس القضاء الأعلى العراقي لا تشمل حالات الطلاق التي تجري بعيدًا عن المحاكم؛ فهذه غير مدوَّنة في السجلات الرسمية للدولة وعادةً ما تلجأ الكثير من العوائل إلى ما يسمى بالزواج الشرعي الذي يتمُّ من خلال رجل دين وهو يختلف عن الزواج المدني الذي يتم عن طريق المحكمة.

«الدعارة» كانت برعاية الاحتلال البريطاني.. لكن ماذا تعرف عن «البغاء المقدس» في العراق القديم؟

هذا فيما يخصَّ عام 2017؛ لكن ماذا عن عام 2018؟ بيانات مجلس القضاء الأعلى غير مبشرة، بل هي صادمة، فهنالك 10 حالات طلاق كل ساعة، حيث شهد العراق 48.174 حالة طلاق في الأشهر السبعة الأولى من عام 2018.

وتُرجّح توقعات مجلس القضاء الأعلى أن ترتفع حالات الطلاق إلى 100 ألف حالة مع انتهاء العام، وهذا يعني زيادة بنحو 30 ألف حالة طلاق عن عام 2017، وستظل العاصمة بغداد صاحبة النصيب الأكبر من المأساة.

الأرقام الكبيرة لحالات الطلاق في ارتفاع منذ عام 2014، حيث -ومن خلال تتبع الإحصائيات الصادرة لكل شهر عن مجلس القضاء الأعلى ومن الفترة الممتدة بين 2014 وحتى نهاية 2017- نجد أن مجموع حالات الطلاق بلغ نحو 700 ألف حالة، وعند مقارنة هذا الرقم بعدد حالات الزواج نكتشف أن ما يعادل 20% من حالات الزواج في العراق تنتهي بالطلاق.

منظمات المجتمع المدني تدافع عن صابرين

ترقد صابرين الآن في بيت أهلها الفقير بمدينة أبو غريب غربي العاصمة بغداد، حيث يقع واحد من أشهر السجون في العالم، «سجن أبو غريب» المرتبط بفضيحة تعذيب واغتصاب وقتل سجناء عراقيين على يد الجيش الأمريكي عام 2004.

ويتحدث والدها عن عجزه من الناحية المادية لعلاجها: «أناشد السيد رئيس الجمهورية أن يلتفت إلى حالنا، لا أستطيع علاج ابنتي، ولا أملك المال لذلك، لقد بدأت بالتسول من أجل جمع المال وشراء الدواء لها، أرجوكم أوصلوا صوتي هذا إلى الجهات المعنيَّة».

ثُمَّ يصف السيد عبد الله فرحان في اتصال هاتفي معه، خوفه من تهديدات زوج ابنته له بالقتل، ويبرر امتناعه عن استقبال الصحفيين أو وسائل الإعلام للحديث عن قضية ابنته صابرين بمراقبة بيته من قبل أشخاص يدينون بالولاء للزوج.

«جعجعة بغير طحين».. لماذا تفشل الأحزاب السياسية العراقية في كسب ثقة المواطن؟

قضية صابرين تلقى دعمًا من منظمات المجتمع المدني والجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة، ففي خطوة فعلية أقدمت رئيسة «جمعية الأمل» العراقية والناشطة في مجال حقوق الإنسان السيدة هناء إدوار على رفع دعوى قضائية ضد زوج صابرين، كان على أثرها توقيفه على ذمة التحقيق من قبل الشرطة.

وتقول: «في الوقت الذي تحتفي فيه الشعوب والأمم باليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، نسمع في العراق عن قصة صابرين ومعاناتها مع العنف الأسري. نحن في المنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني لدينا نشاطات في مختلف مناطق العراق من أجل الدفاع عن حق المرأة في العيش والحياة، ومن أجل الدفاع عن كرامتها».

وتتابع السيدة هناء إدوار أنَّ شعار المنظمات النسوية الرئيسي في العراق هو قانون مناهضة العنف الأسري، من أجل حماية العوائل من الانتهاكات، وضمان ألّا يفلت مرتكب الجريمة من العقاب، وكذلك تشريع القانون هو فرصة لتأهيل ضحايا العنف. وعلى المشرعين العراقيين الإسراع في إقرار القانون من أجل المرأة العراقية، والحد من حوادث العنف الأسري التي باتت مرعبة.

امرأة عراقية

صابرين وهي تتناول الطعام بمساعدة إحدى شقيقاتها.

رواية الزوج

بأسلوب يشبه إلقاء الخطبة على المنبر يردُّ زوج صابرين «قيس عبيد» -الذي أفرجَ عنه قاضي محكمة أبو غريب بكفالة- على أهل زوجته، ويتحدث عن معاناته في أخذ صابرين كلّ مرّة إلى المستشفيات، وخسائره المالية الكبيرة التي تكبدها على علاجها، ولا يكاد يتحدث عن شيء إلا ويذكر كميّة التقارير الطبية التي بحوزته، والتي تثبت -كما يقول- محاولاته الدائمة في السعي لعلاج زوجته.

وحين سؤاله عن اتهام أهل صابرين له بضربها وتعذيبها، لم يجب والتفَّ على السؤال بالقول: «لا أقول أنَّ الرجال لا يضربون أزواجهم، أو يعذبون، حتى لا أزكّي جميع الأزواج» ثمَّ انتقل للكلام عن «شهود الزور» كما وصفهم، الذين يريدون تشويه صورته.

ويستطرد قائلًا: «لولا أنّي زوج صابرين لصدقت ما يقوله أهلها عنّي، أين الرحمة؟ أين العدل؟ لا أصدق أن هذا يحدث في البيوت العراقية».

يتحدث الزوج «قيس عبيد» عن السنوات الأربع الأخيرة التي قضتها صابرين في المرض، وكيف كانت عاجزةً عن خدمته، ويذهب إلى التأكيد على أنَّ زوجته كانت مريضة قبل زواجه منها، لكنًّ أهلها أخفوا عنه ذلك، لأنَّهم بحسب قوله يريدون التخلَّص منها.

«كانت صابرين تشعر دائمًا بخدر في قدميها، وتشعر أن إحدى رجليها باردة والأخرى حارة، وحين أنجبت لي ابنتي الأولى كانت الطفلة مصابة بفيروس في الأمعاء، وكذلك حين أنجبت لي ابني عبد العزيز كان يعاني من ناسورين في مقعده، وخلال هذه الفترة، كنت أصرف المال على علاجهم، وخاصة صابرين، وراتبي لم يكن يكفي».

شقيق «قيس عبيد» السيد «سعدي عبيد» لم يتردد أيضًا بنفي التهم الموجهة لأخيه، ويحكي كيف كان أخوه يُحسن معاملة صابرين وأطفالها، حتى أنه لم يتزوج عليها، ويقول إنَّ أهلها هم السبب فيما حدث.

يعود الزوج إلى اتهام أهل صابرين بعرقلة خطة تسفيرها إلى الهند، فوالدها رفض في أكثر من مرة إعطاءه الوثائق اللازمة لاستكمال ملف السفر والعلاج، وبين الاتهامات المتبادلة تظل صابرين حبيسة المرض والمنزل وضحية من ضحايا العنف ضد المرأة في العراق.

وثيقة اللجنة الطبية في مستشفى العلوم العصبية ببغداد تثبت إصابة صابرين بمرض«الترنّح النخاعي المخيخي» – حصلنا على الصورة من زوج صابرين

من سيءٍ إلى أسوأ

وفقًا للزوج، فعلى مدار أربعة أعوام راجعت صابرين 23 طبيبًا؛ لكنَّ حالتها لم تتحسن، بل ازدادت سوءًا نتيجة الحياة غير الصحية والمعاملة القاسية التي كانت تتلقّها في بيت زوجها، فهي الآن بالإضافة إلى إصابتها بـ«الاعتلال العصبي المحيطي»، مصابة بمرض «الترنح النخاعي المخيخي» الذي يحتاج إلى علاج طبيعي مع تأهيل فيزياوي.

قانون العقوبات العراقي لا يحمي المرأة من العنف، بل قد يشجع على اضطهادها، ووفقا للقانون فإنَّ الرجل الذي يقتل زوجته يسجن مدةً أقصاها ثلاث سنوات فقط.

في الحقيقة، لم يكن وضع المرأة في المجتمع العراقي جيدًا خلال تسعينيات القرن الماضي أيضًا، بسبب الحصار الدولي الذي نتج عن قرار الأمم المتحدة رقم 661 والذي صدر في أغسطس (آب) عام 1990 بعد غزو نظام صدام حسين للكويت في السنة ذاتها.

وفي عام 2004 وبعد سنة واحدة على اجتياح الولايات المتحدة الأمريكية للعراق قال الرئيس الأمريكي حينها جورج دبليو بوش أمام تجمّع في البيت الأبيض: «إنَّ كلَّ امرأة في العراق أصبحت أفضل حالًا الآن؛ لأنَّ غُرَف الاغتصاب والتعذيب التابعة لنظام صدام حسين أُغلِقتْ إلى الأبد».

قرابة 72.4% من النساء العراقيات في المناطق الريفية، و64.1% من النساء في المناطق المدنية يستأذنَّ أزواجهنَّ للذهاب إلى العيادة الصحية. *جزء من دراسة «تومسون رويترز»

لكنَّ الحق أن الوضع بالنسبة للنساء العراقيات ازداد سوءًا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ووفقًا لدراسة أجرتها «الذراع الخيرية لشركة تومسون رويترز للأخبار والمعلومات» عام 2013 لتقييم وضع المرأة في 22 بلدًا عربيًا من حيث العنف والحقوق الإنجابية والمعاملة داخل الأسرة والاندماج في المجتمع والمواقف تجاه دورها في السياسة والاقتصاد، جاء العراق ثانيًا -بعد مصر- باعتباره أسوأ بلد عربي يمكن للمرأة أن تعيش فيه.

النزوح الجماعي الناجم عن الاقتتال الطائفي في العراق -بحسب الدراسة- جعل النساء عرضة للاتجار بهن وللعنف الجنسي، بالإضافة إلى اضطرار آلاف النساء العراقيات للهرب من الحرب والعمل في بيوت الدعارة ببلدان مثل سوريا والأردن ولبنان والإمارات العربية المتحدة.

 

فيديو يشرح لك: لماذا تتكرر احتجاجات العراقيين؟

وضع المرأة العراقية انحدر أكثر بعد اجتياح تنظيم «داعش» لبعض المدن العراقية؛ فبعد سيطرة التنظيم على مدينة الموصل وضواحيها، اختطف التنظيم مئات النساء العراقيات من الديانة الإيزيدية ومارس عليهنَّ أبشع أشكال العنف والجريمة، حيث تعرضت النساء الإيزيديات إلى الاغتصاب والاسترقاق الجنسي والتزويج القسري والبيع في سوق الإماء، وهذه انتهاكات قد تندرج تحت أفعال جرائم الحرب وترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.

ورغم أن الدولة العراقية طردت تنظيم «داعش» من المدن التي سيطر عليها ومنها مدينة الموصل بعد معارك طاحنة تسببت في انهيار البنى التحتية ودمار كبير وخسائر بشرية قُدِّرت بعشرات آلاف القتلى ومئات آلاف النازحين، إلا أنَّ الكثير من النساء ما زلنَ في عداد المفقودين، حيث تقول شهادات الناجين أنَّ التنظيم نقل الكثير من النساء المحتجزات في الموصل إلى سوريا، لتقديمهن هدايا و«سبايا» حرب لمقاتليه الذين ما يزالون ينشطون هناك.

كابوس العنف والمرض

تكلفة علاج صابرين بحسب والدها تقدر بنحو 15 مليون دينار عراقي (12.600 دولار أمريكي)، وهذا مبلغ كبير لا تستطيع توفيره العائلات العراقية الفقيرة أمثال عائلة صابرين، وما بين اتهامات العائلة لزوجها بتعنيفها والتسبب بمرضها ورد الزوج نافيًا عنه التهم تظل صابرين تصارع المرض بعيدة عن أطفالها الأربعة وبيتها الذي تحول من حلم للأمومة والدفء إلى كابوس للعنف والمرض.

خلال محاولات «ساسة بوست» في البحث والاستقصاء عن الحقائق والإحصائيات التي يمكن تقديمها لتسليط الضوء على معاناة النساء العراقيات من خلال العمل على قصة صابرين -باعتبارها نموذجًا قاسيًا وواضحًا لما تتعرض له المرأة العراقية من عنف واضطهاد في بلد مزَّقته الحروب، وتسبب الاقتتال الطائفي في تدمير نسيجه الاجتماعي-؛ استطعنا الحصول على شهادات عائلتها وروايتهم، وكذلك حصلنا على رواية الزوج وشقيقه، لكنَّ القصة الكاملةً تظلُّ مخبأةً في قلب صابرين، التي غاب صوتها؛ وبقيَ تلفَّتُ عينيها بمن حولها يحكي أنَّ ما حدث كان أكثر قسوة.

من يغتال جميلات «إنستجرام» في العراق؟

 

المصادر

تحميل المزيد