في ظل الحديث عن تاريخ الإسلام في القارة الأوروبية، وخصوصًا الفتوحات العثمانية وحقبة الأندلس، ربما لا يعرف الكثيرون عن القصة من زاوية المنطقة الواقعة بين الدول العربية والقارة الأوروبية، وتحديدًا جزر البحر المتوسط المتعددة، والتي شهدت وصول الإسلام إليها وتأثرها به، ثم خروجه منها.

يحتوي البحر الأبيض المتوسط على قرابة 190 جزيرة، بعضها لا تتجاوز مساحتها ستة كيلو مترات مربعة، وعدد منها غير مأهول بالسكان أساسًا، لكن في المقابل هناك عدد من الجزر الكبيرة والمليئة بالسكان، والتي كانت محور عدد من الأحداث على مر التاريخ. أبرز هذه المجموعة من جزر البحر المتوسط صقلية، وسردينيا، وقبرص، وكورسيكا، وكريت. وسنسلط الضوء هنا على تلك الجزر التي زارها الإسلام.

الإسلام في صقلية

صقلية هي أكبر جزيرة في البحر الأبيض المتوسط وواحدة من الأقاليم العشرين التي تمثل دولة إيطاليا، وهي واحدة من خمس مناطق حكم ذاتي إيطالي ويشار إليها رسميًا باسم منطقة صقلية، ويبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة. تقع صقلية في وسط البحر الأبيض المتوسط، جنوب شبه الجزيرة الإيطالية.

بدأ تاريخ الإسلام في صقلية التي تمثل أكبر جزر البحر المتوسط – وجنوب إيطاليا عمومًا – مع أول مستوطنة عربية في صقلية وتحديدًا بمدينة مازر عام 827، وذلك بعد محاولات عديدة للسيطرة على الجزيرة طوال قرنين من الزمن، وكانت البداية عام 652 ميلادية في فترة خلافة عثمان بن عفان. وبدأ الحكم الإسلامي على كامل صقلية في عام 902، تحت مسمى إمارة صقلية، حتى عام 1061.

وتسببت فتوحات النورمان (مجموعة عرقية نشأت في نورماندي، المنطقة الشمالية من فرنسا) في انتشار الكاثوليكية الرومانية بقوة في المنطقة، ليتبع ذلك تحول واسع النطاق في ديانة الجزيرة؛ مما أدى إلى اختفاء الإسلام في صقلية بحلول ثمانينات القرن الثالث عشر، مع عملية ترحيل الصقليين المسلمين من الجزيرة.

وتمكن الفن والعلوم العربية والإسلامية من التأثير بشكل كبير في صقلية خلال القرنين التاليين بعد الاسترداد المسيحي لها. ويذكر أن فريدريك الثاني، الإمبراطور الروماني المقدس، وملك صقلية في أوائل القرن الثالث عشر، كان قادرًا على التحدث باللغة العربية، وكان لديه العديد من الوزراء المسلمين. ولا يزال من الممكن مشاهدة النقش القرآني في كاتدرائية باليرمو، والعمارة العربية النورمانية التي تنتشر في المناظر الطبيعية.

ويمكن العثور على تراث اللغة العربية حتى اليوم في العديد من المصطلحات التي لا تزال تستخدم في اللغة الصقلية حاليًا. وهناك إرث آخر للحكم الإسلامي هو بقاء بعض الأسماء الجغرافية الصقلية من أصل عربي، على سبيل المثال منطقة «كالاتا» هي من كلمة «القلعة» باللغة العربية، ويستخدموا للتدليل على القرض كلمة «Sulfa»، التي تعني بالعربية: سُلفة: أي قرض، وإذا تعمقت أكثر فستجد كلمة «Fidenum» التي تعني بالعربية: فدان، كما يطلقون على حوض المياه كلمة «Fiskia» التي هي بالعربية: «فسقية»: أي حوض المياه.

كانت هناك نهضة حضارية في صقلية بعد الفتح الإسلامي في الاقتصاد، فقد أدخل المسلمون زراعات جديدة للجزيرة مثل: الليمون، والبرتقال، والقصب، والأرز، والنخيل، والقطن، والبردي، بل نشأت أساليب زراعية تلائم بيئة صقلية؛ مما جعلنا نسمع عن طريقة صقلية في زراعة البصل مثلًا، أو طريقة أهل صقلية في زراعة القطن، وهكذا.

وفي القرن التاسع الميلادي كتب لنا الرحالة المسلم ابن حوقل عن زيارته لصقلية، ووصف لنا الأحوال الاجتماعية والسياسية والعمرانية فيها. وكان أكثر ما جذب انتباهه هو مدينة باليرمو، عاصمة صقلية، وكثرة المساجد فيها بشكل كبير؛ إذ كان عدد المساجد في هذه العاصمة يزيد على 300 مسجد.

الإسلام في قبرص

قبرص هي ثالث أكبر جزر البحر المتوسط من حيث المساحة وعدد السكان. أضحت قبرص خاضعة للإمبراطورية البيزنطية حتى القرن السابع الميلادي حين حاول المسلمون غزوها عام 632 ميلادية. استولى عليها الخليفة معاوية بن أبي سفيان عام 648 ميلادية بواسطة 1700 سفينة وفرض على أهلها الجزية. امتنع أهل قبرص بعد ذلك عن دفع الجزية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فقام المسلمون بحملات على الجزيرة أعوام 693 و726 و743، وفي عهد هارون الرشيد، دون أن تعود السيطرة للمسلمين.

دخل الإسلام إلى قبرص مرة أخرى عندما سقطت الجزيرة أخيرًا على يد العثمانيين عام 1571، وقبل ذلك، كان الوجود الإسلامي في الجزيرة متنقلًا وغير ثابت، حيث قام العرب بزيارة المستوطنات الساحلية للجزيرة والإغارة عليها بشكل متقطع. غالبية السكان اللاتين الكاثوليك في الجزيرة، إلى جانب قسم فرعي أصغر من السكان الأرثوذكس اليونانيين، تحولوا إلى الإسلام، وبعض المؤرخين الغربيين قالوا: «إن ذلك بهدف الحصول على وضع ضريبي تفضيلي كما يمليه النظام العثماني آنذاك».

وقد أدى الفتح العثماني إلى تحولين جذريين في تاريخ الجزيرة؛ فلأول مرة منذ الفينيقيين في القرن التاسع قبل الميلاد، ظهر عنصر عرقي جديد، وهو الأتراك. إذ أعطت الإمبراطورية العثمانية الأراضي للجنود بشرط أن يبقوا هم وأسرهم هناك بشكل دائم. بقي معظم الأتراك الذين استقروا في الجزيرة خلال القرون الثلاثة للحكم العثماني حتى بعدما تنازل العثمانيون عن الجزيرة لبريطانيا في عام 1878. ومع ذلك غادر الكثيرون إلى تركيا خلال عشرينات القرن العشرين.

والنتيجة المهمة الثانية أفادت الفلاحين اليونانيين الذين لم يعودوا عبيدًا للأرض التي كانوا يزرعونها. بل أصبح بإمكانهم الحصول عليها مقابل الدفع، وبالتالي يصبحون مالكين لها، كما سمح العثمانيون للسلطات الدينية بأن تحكم أقلياتها غير المسلمة، وهو ما عزز من موقف الكنيسة الأرثوذكسية وتماسك السكان من أصل يوناني.

كما ذكرنا فقد تولت بريطانيا إدارة الجزيرة بموجب معاهدة بينها وبين تركيا، وذلك من أجل أن تساعد بريطانيا تركيا في مواجهة روسيا. ثم تحولت قبرص إلى إحدى المستعمرات البريطانية عام 1914، واستمر ذلك حتى استقلال الجزيرة عام 1960 بموجب معاهدة «زيورخ – لندن» بين تركيا واليونان وبريطانيا. في ذلك الوقت كانت الجزيرة ثنائية القومية؛ حيث يحيا القبارصة الأتراك جنبًا إلى جنب مع القبارصة اليونانيين في سلام.

لكن التوترات الحادة بين الجانبين ظهرت في نفس عام الاستقلال بسبب إعلان طالب بتوحيد قبرص مع اليونان، وهو ما رفضه القبارصة الأتراك وقاوموه بشدة، وقاد القبارصة اليونانيين الذين فشلوا في فرض سيطرتهم على الأتراك نزاعًا مسلحًا، وحاولوا إقناع القوى العالمية أن القبارصة الأتراك في حالة تمرد على «الحكومة الشرعية» في قبرص. تصاعدت الاشتباكات بين الطرفين، وتدخلت كل من تركيا واليونان من أجل السيطرة.

أرسلت اليونان 20 ألف جندي يقودون الهجمات على المناطق القبرصية التركية، في حين ردت تركيا على ذلك بالغارات الجوية، وتصاعد الأمر مع وصول الطغمة العسكرية للسلطة في اليونان عام 1967، وإصرارهم على حل النزاع بالقوة. في النهاية وقع انقلاب عسكري في قبرص لصالح أحد القادة المقربين من اليونان وهو ما جعل التدخل التركي يقع بعد أسبوع واحد فقط.

قبل الدخول التركي لقبرص في عام 1974، كان القبارصة الأتراك (الجالية المسلمة في قبرص) يشكلون 18% من السكان ويعيشون في جميع أنحاء الجزيرة. اليوم، يقيم معظم المسلمين الذين يقدر عددهم بنحو 265 ألف مسلم في شمال الجزيرة. وتنقسم الجزيرة حاليًا إلى قبرص اليونانية، وقبرص الشمالية أو قبرص التركية، وهي دولة عير معترف بها، إلا من تركيا، حيث يجري تداول العملة التركية بها.

حاليًا لا شيء يوحي بوجود الإسلام في القسم التركي من الجزيرة إلا المساجد القائمة التي بنيت في العهد العثماني، حيث تحول بعضها إلى متاحف ومزارات سياحية، وما تبقى منها يؤمها المسلمون الأتراك والعرب المقيمون هناك، ويغلب على المسلمين هناك الطابع العلماني، بل إن بعضًا منهم لا يعرف أي شيء عن الإسلام، إلا أنه ولد مسلمًا. حتى إن بعض المظاهر الإسلامية كالحجاب يكون فقط بين الأتراك الذين يسكنون الجزيرة، وليسوا من القبارصة الأتراك.

وهناك فرق شاسع من حيث الوضع الاقتصادي والتطور العمراني بين القسمين لصالح الجانب اليوناني من الجزيرة. لكن الملفت هو تفوق الجانب التركي من الناحية التعليمية، حيث توجد جامعات ضخمة مقارنة بما في القسم اليوناني.

الإسلام في كريت

نشأت إمارة كريت دولة مسلمة في جزيرة كريت، إحدى جزر البحر المتوسط، منذ من أواخر عشرينيات القرن التاسع الميلادي، قبل أن تعود السيطرة على الجزيرة للإمبراطورية البيزنطية عام 961، وعلى الرغم من أن الإمارة الإسلامية اعترفت بسيادة الخلافة العباسية وحافظت على علاقات وثيقة مع الدولة الطولونية في مصر، إلا إنها كانت في الواقع إمارة مستقلة.

قامت مجموعة من الأندلسيين المنفيين بقيادة أبي حفص عمر البلوطي بغزو كريت في وقت ما بين 824 أو 828 ميلادية، وأنشأوا دولة إسلامية مستقلة. كان أبو حفص أحد الذين ثاروا على حكم الحكم بن هشام الأموي، ثالث أمراء الدولة الأموية في الأندلس، فيما عُرف بوقعة الربض عام 818 ميلادية في قرطبة، فعاقبهم بالخروج من البلاد. توجه بعض هؤلاء المنفيين إلى فاس بالمغرب، فيما ذهب الآخرون إلى الإسكندرية وسيطروا عليها بضعة سنوات حتى حوصروا من العباسيين، ثم طردوا من الأراضي العباسية كافًة، وبعد أن لم يبقَ لهم أرض يعيشون عليها أخذوا سفنًا وتوجهوا إلى جزيرة كريت وتمكنوا من السيطرة عليها، وأسسوا إمارةً لهم على أراضيها استمرت أكثر من 135 سنة.

وفشلت محاولات الإمبراطورية البيزنطية لاستعادة الجزيرة على مدى ما يقرب من 135 عامًا من وجودها؛ إذ كانت الإمارة أحد الخصوم الرئيسين للبيزنطيين، وقادت كريت الممرات البحرية بشرق البحر الأبيض المتوسط ​​وعملت كقاعدة أمامية وملاذ لأساطيل المسلمين التي هاجمت شواطئ بحر إيجه التي يسيطر عليها البيزنطيون.

التاريخ الداخلي للإمارة أقل شهرة، لكن جميع الحسابات تشير إلى ازدهار كبير لا يقتصر فقط على القرصنة، ولكن أيضًا من خلال التجارة والزراعة الواسعة. الصورة التي رسمتها الإشارات القليلة والمتناثرة للإمارة الكريتية أوضحت أنها كانت دولة منظمة ذات اقتصاد نقدي منتظم وروابط تجارية واسعة تشهد على اقتصاد قوي ومستوى معيشة مرتفع بين السكان، وهناك أدلة على أنها كانت مركزًا ثقافيًا له بعض الأهمية.

وفي عام 1646 عاد المسلمون لجزيرة كريت بعدما أعلنت كريت مقاطعة عثمانية، حين تمكن العثمانيون من غزو الجزء الغربي من الجزيرة، ثم بسطوا سيطرتهم على عاصمة الجزيرة عام 1669. وفي عام 1821 انتفض المسيحيون الكريتيون إلى جانب اليونانيين خلال حرب الاستقلال اليونانية ضد الحكم العثماني.

انحصرت الحرب منذ بدايتها وحتى عام 1825 بين العثمانيين واليونانيين، ولكنها شهدت تغيرًا دراماتيكيًا في أحداثها عندما طلب السلطان العثماني محمود الثاني المساعدة من محمد علي باشا، أقوى ولاته الذي كان قد جعل من مصر قوة تنافس سلطة العثمانيين أنفسهم، استجاب محمد علي لطلب محمود الثاني، وأرسل أسطوله البحري بقيادة ابنه إبراهيم باشا لقمع الثورة اليونانية.

باشرت القوات المصرية بغزو اليونان، واستطاع إبراهيم باشا إعادة أغلب السيطرة على اليونان وبينها العاصمة أثينا وجزيرة كريت إلى العثمانيين عام 1828، ليصبح محمد علي واليًا على الجزيرة بشكل رسمي عام 1930. ظلت الجزيرة تحت السيطرة المصرية حتى عادت لأحضان العثمانيين مرة أخرى عام 1840.

وعلى الرغم من الانتصار العثماني في الحرب التركية اليونانية في القرن التاسع عشر، أصبحت كريت دولة مستقلة عام 1898 بسبب التدخل لصالح اليونان من قبل القوى الأوروبية، واتحدت الجزيرة مع اليونان بعد حروب البلقان.

ترك المسلمون وراءهم العديد من المساجد والمدارس الدينية، بينها مسجد السلطان إبراهيم في مدينة الخندق عاصمة الجزيرة، وقد حول المسجد لاحقًا إلى كنيسة من جديد؛ وذلك لأن أصله كان كنيسة، وقد قام المسلمون بتحويله إلى مسجد إبان الحكم العثماني.

الإسلام في سردينيا

سردينيا هي ثاني أكبر جزر البحر المتوسط بعد صقلية، وتشكل أحد الأقاليم العشرين في إيطاليا، وهي واحدة من خمسة أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي. وتقع الجزيرة بين شبه الجزيرة الإيطالية، وإسبانيا، وتونس.

استطاع المسلمون غزو الجزيرة أربع مرات على فترات متقطعة في عهدي الأمويين والعباسيين، لكنها لم تفتح في أي منهما، أي لم يسيطر عليها المسلمون ويقوموا بالاستقرار فيها، وبناء إمارة أو دولة. بداية الاحتكاكات كانت منذ عامي 705 – 706، وغزاها المسلمون أول مرة عام 710 ميلادية، خلال عهد الوليد بن عبد الملك، عندما أرسل موسى بن نصير جزءًا من جيشه من الأندلس فدخلوها دون مقاومة كبيرة، ووجدوا فيها كميَّات هائلة من الذهب والفضة والنفائس، فأخذوا كل ما وجدوه، وعادوا.

ثم غزاها عبد الرحمن بن حبيب الفهري في عهد الخليفة العباسيّ أبو العباس السفاح 752 ميلادية، وتمكن من فتحها وقتل وسبي أهلها وأحرق الكثير من سفنها حتى صالح أهلها على الجزية، ثم عام 934 ميلادية، أرسل أمير إفريقية المنصور بن قائم العلويّ أسطولًا إلى الجزيرة فهاجموها، ثمَّ رحلوا مجددًا. وكانت غزوتها الرابعة عام 1015، عندما استغل المجاهد العامري غياب ملكها، وجاءَ إليها من مدينة دانية وفتحها، وعندما وصلت الأخبار للبيزنطيين حشدوا جيوشًا كبيرة ودارت معركة شديدة بينهم وبين المسلمين، هزم فيها المسلمون.

ولا يلاحظ وجود آثار إسلامية ملحوظة متبقية في تلك المنطقة من جزر البحر المتوسط بسبب عدم بقاء المسلمين لفترات طويلة تكفي لقيام حضارة ما أو الاعتناء بالجزيرة كما يفعل المسلمون في أغلب المناطق التي يقومون بالسيطرة عليها. وربما السبب وراء هذا هو موقع الجزيرة الذي جعلها عرضة للهجوم من الأطراف المتقاتلة في البحر المتوسط.

الإسلام في مايوركا وجزر البليار

جزر البليار هي أرخبيل جزر إسباني في غرب البحر الأبيض المتوسط​​، بالقرب من الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الإيبيرية، وأكبر أربع جزر فيه هي مايوركا ومينوركا وإيبيزا ووفورمينتيرا، بالإضافة إلى العديد من الجزر الصغيرة. ويشكل الأرخبيل مجتمعًا وإقليمًا ذاتيًا في إسبانيا، وعاصمته بالما دي مايوركا، وكانت مايوركا تحت الهيمنة الإمبراطورية الرومانية الغربية، ومنذ عام 707 تعرضت الجزيرة لهجوم متزايد من قبل المسلمين القادمين من شمال أفريقيا. دفعت الغزوات المتكررة سكان الجزر إلى طلب المساعدة من ملك الفرنجة شارلمان.

وفي عام 902 غزا عصام الخولاني جزر البليار، وهي مجموعة من جزر البحر المتوسط الإسبانية التي تضم بينها جزيرة مايوركا. استهل الخولاني بذلك فترة جديدة من الازدهار تحت إمارة قرطبة. تمت إعادة تشكيل مدينة بالما (أبرز مدن الجزيرة) وتوسيعها، وأصبحت تعرف باسم «المدينة المنورة». في وقت لاحق، مع ذروة الخلافة في قرطبة، قام المغاربة بتحسين الزراعة والري وتطوير الصناعات المحلية.

ونتيجة تقسيم الخلافة في الأندلس عام 1015، أصبحت مايوركا تحت حكم «طائفة دانية»، إحدى ملوك الطوائف، ومن 1087 إلى 1114، أصبحت تمثل طائفة مستقلة تحت اسم طائفة مايوركا. خلال تلك الفترة، زار الجزيرة الإمام المعروف ابن حزم. لكن في الفترة من 1114 – 1115، اجتاحت جيوش من الكتالونيين، بقيادة كونت برشلونة، الجزيرة، وحاصرت بالما لمدة ثمانية أشهر. بعد سقوط المدينة، انسحب المهاجمون بسبب مشاكل في أراضيهم، وتم استبدالهم من قبل المرابطين المسلمين من شمال أفريقيا، الذين حكموا حتى عام 1176، ثم استبدل المرابطون بسلالة الموحدين حتى عام 1229، عندما سيطر عليها الملك جيمس أراغون.

الغارات الإسلامية على كورسيكا

كورسيكا هي جزيرة فرنسية وواحدة من جزر البحر المتوسط الشهيرة، تقع غربي إيطاليا، وشمال جزيرة سردينيا، وجنوب شرق فرنسا، وهي الرابعة من حيث المساحة في البحر المتوسط، وفيها مسقط رأس نابليون بونابرت. وقعت أول غارة إسلامية على كورسيكا عام 713 ميلاديةـ لكن بقيت الجزيرة تحت السلطة البيزنطية التي تضائلت مع الوقت، وشرع ملك الفرنجة شارلمان في غزو كورسيكا، وفي عام 806 وقعت أول سلسلة من غارات المسلمين المغاربة من الأندلس، لكن هزم المسلمون عدة مرات من قبل مساعدي شارلمان، وتواصلت هجمات المسلمين وبنيت قلعة قوية لوقف الهجمات.

ويقول المؤرخون إن الجزيرة بقيت صامدة في وجه المسلمين حتى بعد عام 846. ولكن على الرغم من كل الجهود، استطاع المسلمون السيطرة على جزء من الجزيرة حتى حوالي عام 930 ميلادية. كما تعرضت الجزيرة لغارة فاطمية عام 935 ميلادية، لكن دون سيطرة كاملة على الجزيرة. وبعد ذلك عادت الجزيرة بالكامل للسيطرة المسيحية.

وتختلف روايات المؤرخين هنا حول السيطرة على هذه المنطقة من جزر البحر المتوسط، فيقول البعض: إن جزءًا كبيرًا من سواحل كورسيكا الجنوبية والغربية كان تحت سيطرة المسلمين، ويذهب الحِمْيَرِي في كتاب الرَّوْض المِعْطار إلى أن إمارة قُرطبة حازت كورسيكا. وكلمة حيازة تدل على الغنيمة والسبي، وليس الفتح بالضرورة، لكن البعض يرى أن الأغالبة الذين خكموا شمال أفريقيا، فتحوا جزيرة كورسيكة في سنة 806 ميلادية، وأن الفاطميين ورثوها عنهم، وأنها بقيت في أيديهم إلى أن سيطر عليها المسيحيون عام 930 ميلادية، وهو ما يعني أن الحكم الإسلامي قد دام بها 124 سنة.

وقد ذكر مؤرخون أن جزر البحر المتوسط المتمثلة في البليار وسردينيا وكورسيكا كانت جميعًا عرضة لغزوات المسلمين في عهد خلافة بني أمية، وعهد الإمارة الأموية بالأندلس، وأن عبد الرحمن الداخل قد اتخذ في سنة 793 دورًا لصناعة السفن في العديد من مَراسِي الأندلس؛ مما اضطر أهالي تلك المناطق من جزر البحر المتوسط إلى أن يضعوا أنفسهم تحت حماية شارلمان، واستطاع أهالي الجزر التغلب على المسلمين الغزاة في بعض الوقائع، وأخذوا منهم بضع رايات، وأرسلوها إلى شارلمان، وعلى أثر ذلك ازداد غزو المسلمين لهذه المناطق من جزر البحر المتوسط، فكانوا يهجمون عليها ويسبون من أهلها النساء والأطفال، ويقتلون المقاتلين، ولم يكونوا يعفون إلا عن الشيوخ العاجزين، والمرضى، والمقعدين. لذلك أيضًا لن نجد تأثيرًا واضحًا وكبيرًا للإسلام في هذه جزيرة كورسيكا، بالرغم من بقائها لفترة تحت الحكم الإسلامي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد