بعبارته الدافئة: «يلا يا حلوين.. اليوم درسنا عن كيفية صنع خبز الوطن» بدأ الأستاذ عمر أبو فول – 31 عامًا – درسه التعليمي النشط لأطفاله في مدرسة «موسى بن نصير» الابتدائية بحي التفاح  شمال شرق مدينة غزة.

بعد كلمات الترحيب التي اعتادها الأطفال من الأستاذ ذي الأسلوب التعليمي الفريد – كما يصفه طلبته – جهز عمر الأدوات التي يحتاجها، إلى جانب المكونات المطلوبة لدرسه، وضعها أمامه على الطاولة، وتفقدها واحدة تلو الأخرى عبر إجابة جماعية من الطلبة، يسأل الأستاذ: ماذا نحتاج لصنع خبز الوطن؟ يرد طفل: «دقيق»، يُعَمق الاستاذ السؤال قليلًا: «من أين نحصل على الدقيق؟» يجيب طفل آخر بصوت جهور: «من القمح»، يصل الأستاذ تدريجيًاً إلى ما يريد غرسه في أطفاله: «وأين يزرع القمح؟» ينتفض الطلبة جميعهم للإجابة، ويدوي صوت مرتفع في ساحة الفصل الدراسي: «في أرض الوطن».

الشهيدالاستاذ/ عمر ابوفول من منطقة التفاح أثناء تقديمه لدرس عملي لطلابه في مدرسة موسى بن نصير عن خبز الوطن.

Geplaatst door Nidal Othman op Maandag 14 mei 2018

جعل الأستاذ بعد ذلك، يصب الماء على الدقيق، ويغرس يديه، في حركة مموجة يدلك فيها العجين بالكيفية الواجبة، وفي أثناء ذلك، يوجه سؤالًا جديدًا لأطفاله: «من يعرف ماذا نحتاج الآن؟» ومرة ثانية يجيب الطلبة: «ملح.. ملح، وخميرة» يهز الاستاذ رأسه مشجعًا الأطفال الذين يراقبون بدورهم حركات يد الاستاذ بتروٍ وانتباه، وطريقة شرحه التي يتغنون بها خارج أسوار المدرسة ويمدحون صاحبها، كما تقول والدة الطفل سعيد عودة لـ«ساسة بوست»: « طفلي بروح على البيت يحكي عن الأستاذ عمر، وماذا صنعوا معًا».

حين أنهى أستاذ التعليم الأساسي صُنع عجينة خبز الوطن، مررها مع أطفاله إلى مراحلها النهائية التي يصبح فيها الخبز جاهزًا، إذ ذلك أنهى الأستاذ درس اليوم بعبارات ودّ يعرفها طلابه منه: «الآن انتهينا يا أحباب، من صنع خبز الوطن»!

عمر أبو فول مع طلابه

 

صانع «خبز الوطن» مُضرجًا بالدماء

حتى القتيل رقم 59 من المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل في الفلسطينيين المشاركين في مسيرات العودة الكبرى السلمية عند السياج الفاصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة، كان بإمكان الأطفال في مدرسة «موسى بن نصير» انتظار درس جديد من الأستاذ عمر أبو فول، إلى أن أوردت وسائل الإعلام خبرًا عاجلًا: «استشهاد عمر أبو فول، وبذلك يرتفع عدد الشهداء إلى 60 شهيدًا»، تلاشى كل شيء.

كان الشهيد قد أصيب بطلق قناصة متفجر في بطنه؛ وضعه في حالة صحية حرجة للغاية، لكن حجم الإصابات المهول يوم 14 من مايو (أيار)، الذي وصل لما يقرب من 3 آلاف إصابة تختلف في الحالة، لم يكن يسمح لأحد بالتعرف على هوية المصاب فورًا، إلا إذا أخبر العائلة أحد المتواجدين في المسيرة، وهذا بالضبط ما حصل مع العائلة.

لم تمضِ 12 ساعة على الإصابة، ودخوله غرف العناية المكثفة، حتى أعلن خبر استشهاد عمر أبو فول، لكن لم تكن وحدها عائلة الشهيد التي تنغمس في مشهدية الحزن تلك أو تعاني منها؛ فإلى جانب الوهن الذي يغشى العائلة برحيل الأستاذ عمر أبو فول «الخلوق والحنون» كما رثته والدته، كان   يعزي طلبة الشهيد الأطفال بعضهم بعضًا وهم يذرعون باب «مجمع الشفاء الطبي» جيئة وذهابًا في انتظار خروج جثة الأستاذ ليؤدوا الصلاة عليه: «هذا والدنا الثاني مش أستاذنا فقط». يقول الطفل محمد حواجري الذي صعق حين قرأت والدته اسم الشهيد الـ60 على مسامعه، فصرخ الطفل متألمًا «أستاذي»، كما تروي الوالدة دعاء لـ«ساسة بوست».

داوم الشهيد – والأب لثلاثة أطفال – على المشاركة في مسيرات العودة كل يوم جمعة، وفي صباح اليوم التالي – حين يعود سالمًا لمدرسته – كان يشرح لطلابه عن مسيرات العودة والاحتلال الإسرائيلي، كما يقول الطفل سعيد عودة: «كان يعلمنا أن نتمسك بأرضنا ووطنا ضد من سلبونا إياه». تقول والدة الشهيد بصوت يختلط بالبكاء: «ما يجعلني فخورة أكثر بابني الأستاذ، أنه طبع في نفوس هؤلاء الأطفال، حب الوطن، وصبغهم بأخلاقه الفريدة».

أمام الوالدة، كان أطفال الشهيد الثلاثة، يتناوبون على الجلوس في حضن جدتهم الحزينة، يسأَل أحدهم: «بابا سافر على وين يا جدتي؟» تجيب الجدة وهي تداعب وجه حفيدها: «إلى الجنة.. إلى الجنة يا حبيبي».

تقول زوجته، وعيونها تتوهج احمرارًا من أثر الحزن: «كان يعامل أطفاله في المدرسة كأولاده، حريص على إفهامهم ومصلحتهم، وهم كذلك يبادلونه الحب، وله مكانة في قلوبهم، وإلا ما كان كل هذا الحزن على هيأتهم».

حين خرج الشهيد صباح يوم 14 مايو ودع زوجته وأطفاله وهو يقول: «سنرجع إلى أراضينا إن شاء، لا تخافوا»، ترد الآن زوجته على حديث زوجها قبل استشهاده: «عادت جثتك يا عمر، ورغم ذلك لنا موعد مع العودة بإذن الله»

«رحل قبل أن يعلمنا الصلاة على الميت»

أسبوعان كانت المدة الفاصلة بين صلاة الفجر التي علمها الأستاذ عمر أبو فول لأطفاله، والصلاة على الميت التي أداها الطلبة على جثمان الأستاذ مجبرين، دون أن يعلمهم إياها؛ إذ يقول الطالب يحيى النيرب: «علمنا الأستاذ الصلوات الخمس.. لكنه لم يعلمنا الصلاة على الميت، وصرنا في حرج؛ نحرك أيدينا حين صلينا عليه».

عمر يعلم الأطفال الصلاة

 

عرف الأستاذ عمر أبو فول بأسلوبه الجميل في التعليم؛ إذ جعل يشرح الدروس النظرية بطريقة عملية، وهو الأمر الذي كان يقول عنه: «أسلوب ضروري حتى يترسخ الدرس في ذهن الطفل بشكل حقيقي»، وهذا ما كان ينعكس على أسلوب الطلاب مع أهاليهم. تقول والدة الطفل محمد الحواجري: «عندما يعود أطفالنا من المدرسة، كانوا يبدأون على الفور تنفيذ الدروس التي علمهم إياها الأستاذ عمر، وكانت معظمها عن زيت البلاد والطعام الشعبي الفلسطيني، وخبز الوطن.. وهذا كان يعني درجة تأثر الأطفال بالأستاذ الشهيد».

حين انطلقت مراسم التشييع من جامع «العملي» القريب من منزل الشهيد، كانت أصوات الأطفال تختلط بأصوات العائلة، «الحرقة واحدة»، يقول شقيق الشهيد أسامة: «كل الأطفال يحبون الشهيد عمر، لديه أسلوب نشط في التعليم، وفريد، لا تمارسه معظم المدارس، وهو حنون، لذلك كان يكسب قلوب الأطفال الذي جاءوا اليوم ليشاركوا في عزائه».

دفن أبو الفول، مع 60 شهيدًا فلسطينيًا غيره، راحوا ضحية المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال يوم 14 من مايو ضد المتظاهرين العزل عند السياج الفاصل بين غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جانب بضعة آلاف من المصابين، منهم ما يزيد على 50 في حالة موت سريري، وفق ما ذكرته حينها «الهيئة الفلسطينية لملاحقة جرائم الاحتلال».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد