إذا لم تكن قد سمعت بهذا الخبر على مدار التسع سنوات الماضية، أو بحثت في «جوجل» مستخدمًا عبارة «هدم قرية العراقيب»، فلن تصدق ما تطالعه عيناك، وربما تجد نفسك تفتح نتائج البحث واحدة تلو الأخرى لتتيقن من صحة ما فهمته، مئات الأخبار تحمل نفس العنوان، إلا أن كل منها يشير لعدد مختلف لمرات الهدم.

فمنذ عام 2010 لا يمر شهر إلا ويتكرر فيه خبر هدم قرية العراقيب الفلسطينية بصحراء النقب المحتلة، حتى وصل عدد مرات هدمها 159 مرة، آخرها يوم الأحد الماضي، ولا يزال العدّاد مستمرًا، بإصرار وقحٍ من سلطات الاحتلال على تهجير سكان الأرض، وتصميمٍ فذٍ من أهل القرية البدوية على أن «سيدة الأرض.. كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين»، بتعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

كانت تراهم عملاء لإسرائيل.. لماذا سمحت الرياض لـ«عرب 48» بالعمل في أراضيها؟

فلسطينيو النقب ومعاناة 70 عامًا من الاستيطان الممنهج

تقع قرية العراقيب في شمال مدينة بئر سبع بصحراء النقب التي تضم نحو نصف مساحة فلسطين التاريخية، وتبعد القرية 110 كيلو مترًا جنوب مدينة القدس، ومنذ احتلال إسرائيل لأراضي النقب بعد نكبة 1948 وهي ترفض الاعتراف بأكثر من 40 قرية فلسطينية بالمنطقة، من ضمنها «العراقيب»، كما تحرم أهلها من الخدمات الأساسية مثل التعليم، والصحة، والكهرباء، والمياه، باعتبارهم يستوطنون أرضًا مملوكة للدولة بشكل غير قانوني.

هذا بينما يؤكد أهالي القرية أنهم يملكون وثائق تثبت ملكيتهم للأرض صادرة منذ عهد الدولة العثمانية، بالإضافة إلى أن مقبرة القرية يعود عمرها إلى بداية القرن التاسع عشر، قبل نحو قرن ونصف من ظهور دولة إسرائيل أصلًا.

وتسعى إسرائيل إلى تهجير سكان قرى النقب إلى سبع بلدات، أشهرها بلدة رهط وبلدة شقيب السلام التي يفترض أن يرحل إليها سكان «العراقيب» إذا ما تحققت الإرادة الإسرائيلية، وقد بدأت محاولات تهجير سكان تلك القرى منذ عام 1953، حينما أصدرت حكومة الاحتلال قانون «أراضي إسرائيل» ومنعت بموجبه البدو من تملك أراضي النقب، كما أصدرت في عام 1965 قانون «التخطيط والبناء».

ثم ازدادت وتيرة الاستيطان في النقب بعد انتصار إسرائيل وتوسعها عام 1967، وفي أواخر السبعينات صدر «قانون السلام» بعد معاهدة كامب ديفيد الذي أدى لمصادرة أراضٍ جديدة لإقامة معسكرات للجيش الإسرائيلي بدلًا عن معسكراته التي كانت في سيناء، كما صدر في عام 2004 قانون «طرد الغزاة» والغزاة هنا هم بدو النقب.

في عام 2010 صادقت «لجنة تطوير النقب والجليل» بالحكومة الإسرائيلية على مخطط لتوطين 300 ألف إسرائيلي في منطقتي النقب والجليل، وبالتزامن مع ذلك قررت السلطات الإسرائيلية هدم قرية العراقيب بالكامل في 27 يوليو (تموز) من نفس العام، كانت بيوت القرية أسمنتية آنذاك، لكن سكان العراقيب البدويون قرروا إعادة بنائها بخيام وأعشاش من الخشب والصفيح، لتكون بداية مسلسل تحدٍ طويل بينهم وبين الدولة العبرية، أعيدت فيه الكرّة 159 مرّة، وتطوّر نزاع قضائي بين الحكومة الإسرائيلية وسكان القرية تطالب فيه إسرائيل السكان بدفع غرامة قيمتها ملايين الدولارات تعويضًا عن المعدات والقوات التي استخدمت في الهدم.

«مخطط برافر» الذي لم يمر

في شهر يونيو (حزيران) سنة 2013 كانت مرحلة جديدة من الصراع على أراضي النقب، حيث أقر الكنيست الإسرائيلي بشكل مبدئي «قانون برافر»، الذي حصل على اسمه من إيهود برافر وزير التخطيط الإسرائيلي الأسبق الذي كان قد أوصى به، وينص على مصادرة أراض مساحتها نحو 850 ألف دونم في منطقة النقب جنوبي فلسطين، وهدم أكثر من 30 قرية فلسطينية لإقامة مستوطنات صهيونية، وتهجير السكان العرب الذين يشكلون نحو 30% من سكان النقب، إلى مساحة لا تزيد عن 1% من مساحة المنطقة.

أثار القانون احتجاجات فلسطينية واسعة في الضفة وغزة وفي الداخل المحتل، وشارك الآلاف في التظاهرات من بلدة حورة في النقب إلى حيفا مرورًا بمدينة يافا وأم الفحم والناصرة، ومن رام الله مرورًا بالقدس إلى قطاع غزة الذي رأت حكومته المنتمية لحركة «حماس» أن القانون فصل جديد من فصول النكبة.

كان تاريخ بعض المحتجين أقدم من تاريخ النكبة نفسها، كما خاض النواب العرب في الكنيست معركة تشريعية مزّق بعضهم خلالها مسودة القانون على منصة «الكنيست» لأول مرة، وتصدرت أخبار الاحتجاجات صفحات الصحف الإسرائيلية، وقد أعرب مسؤولون إسرائيليون عن خشيتهم من أن تتحول المظاهرات إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة.

جانب من الاحتجاجات على «قانون برافر»

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان: إن الاحتجاجات «حرب على الأراضي اليهودية»، ورغم حصول القانون على مصادقة مبدئية ووصوله إلى مراحل التشريع الأخيرة في الكنيست، إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قرر تجميد القانون، وقال بيني بيجن الوزير الإسرائيلي الذي شارك في إعداده: إن خصوم الحكومة من العرب واليهود تحالفوا واستغلوا ضائقة البدو لتأجيج غضبهم والحصول على مكاسب سياسية.

قرية العراقيب.. «مهرجان للتحدي والصمود» في صحراء النقب

ظلت العراقيب معركة جانبية آخذة في التصعيد بشكل منفصل وموازٍ لصراع الحكومة الإسرائيلية – بواسطة قوانين وحملات الاستيطان – مع بدو النقب البالغ عددهم 240 ألف عربي، وقد نجحت إسرائيل بالفعل في تهجير نصفهم إلى البلدات السبع المعروفة بـ«بلديات التركيز» خلال العقود الماضية، بينما بقي النصف الآخر متمسكًا بما تبقى له من الأرض.

وحاول بعضهم منذ السبعينيات تسجيل ملكيتهم للأراضي وفق الإجراءات المعمول بها في إسرائيل لكن حكومة الاحتلال رفضت طلباتهم، وتنتمي قرية العراقيب بسكانها الذين لا يتجاوزون 700 لهذا النصف الأخير، وينتمي إلى العراقيب رجل أكبر عمرًا من إسرائيل نفسها وذي تاريخ استثنائي، وهو مختار القرية الشيخ صياح الطيوري.

الشيخ صياح الطيوري

يصف الشيخ صياح الطيوري مشهد سكان القرية وهم يتسلحون بأسطوانات الغاز لمجابهة الجرافات الإسرائيلية في أولى محاولات هدم القرية عام 1997، أفشل أهل القرية المحاولة وعادت الجرافات أدراجها في ذلك الوقت، ومنذ عام 2000 وحتى 2005 استخدمت الحكومة الإسرائيلية الطائرات لرش السكان والمواشي والمحاصيل بالمبيدات؛ مما أدى لنفوق مئات المواشي والجمال وإتلاف آلاف الدونمات الزراعية وإصابة بعض السكان بالسرطان بحسب الشيخ الطيوري.

قبل أن تبدأ في 2010 عمليات هدم وبناء القرية التي أشرنا إليها، ومنذ ذلك الحين أصبح مشهد الجرافات والجنود متكررًا كل بضعة أيام أو أسابيع، كما اعتقلت سلطات الاحتلال وأصابت العشرات من أهل القرية، بينهم مسنون وأطفال، وذلك أثناء تجدد الاشتباكات في كل مرة.

يتلقى أهل العراقيب – الذين يعيشون على الرعي والزراعة – مساعدة من «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية» التابعة لعرب 48، حيث تكفلت اللجنة بإعادة بناء البيوت التي تُهدم في القرية كل مرة، باعتبار أن العراقيب أصبحت عنوانًا للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، كما تساهم اللجنة في تنظيم مهرجان «التحدي والصمود» بالقرية، وهو مهرجان سنوي ينظمه سكان القرية في ذكرى هدمها لأول مرة.

ولم تكن الذكرى التاسعة التي مرت قبل أسابيع في 27 يوليو (تموز) الماضي هادئة على الإطلاق، فخلال الأسبوع السابق على المهرجان فقط، تم هدم القرية وإعادة بناء أعشاشها وخيامها مرتين، إضافة إلى الإفراج عن الشيخ صياح الطيوري بعد سبعة أشهر قضاها في سجون الاحتلال، وعقب خروجه بيومين تصدى الشيخ لعملية الهدم الأخيرة؛ مما أدى لإصدار المحكمة قرارًا بإبعاده عن العراقيب 15 يومًا.

في ظل ذلك الوضع المشحون جاء «مهرجان التحدي والصمود» لهذا العام تحت شعار «هدم وسجن وتخريب، وتبقى العراقيب»، وشارك فيه نشطاء حقوقيون ونائب عربي سابق بالكنيست، كما تخلله فقرات فنية للأطفال، ولم يتخلف الشيخ صياح الطيوري عن المشاركة رغم قرار إبعاده عن القرية، حيث حرص على استقبال المشاركين على بعد عدة كيلو مترات، بينما كانت صورته مرفوعة على جميع لافتات المهرجان، مصحوبة ببيت شهير للشاعر أمل دنقل ولكن ببعض التصرف «لا تساوم.. فليس سوى أن تريد.. أنت فارس هذا الزمان الوحيد».

مناضلون أم «شهود زور».. ماذا يعني أن تكون عضوًا عربيًّا في الكنيست؟

المصادر

تحميل المزيد