معلوم أن غواية السلطة قاتلة، وأن مذاقها لا يفارق الفم أبدًا، ومعلوم أن كرسي الحكم مريح لمن اعتاد يومًا الجلوس عليه، بعبارة أخرى؛ لا أحد تقريبًا يغادر السلطة إلا مجبرًا، ومن غادرها سيظل يحلم دومًا بالعودة يومًا ما، والرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف خير مثال على ذلك.

الطريق إلى رأس الهرم

ولد برويز مشرف عام 1943 لعائلة باكستانية سنية عريقة كانت تقطن الهند البريطانية، وقد كان والده موظفًا كبيرًا في الإدارة المدنية، ومع حصول الهند على الاستقلال، وانفصال باكستان باعتبارها وطنًا قوميًّا للمسلمين، انتقلت العائلة عام 1947 إلى  باكستان، ليتبوأ والده عدة مناصب في الحكومة ويعمل لدى وزارة الخارجية في للدولة الوليدة، على إثر ذلك سافر برويز مع الأسرة إلى تركيا، وهناك تعلم اللغة التركية، قبل أن يعود عام 1956 إلى باكستان للالتحاق بالجامعة، حيث برع في دراسة الرياضيات، وأبدى اهتمامًا خاصًا بالعلوم الاقتصادية.

خطا مشرف أولى خطواته نحو «المجد» عام 1961، بدخوله «الأكاديمية العسكرية الباكستانية»، ليتخرج فيها عام 1964 حاصلاً على درجة البكالوريوس في العلوم العسكرية. في البداية شارك مشرف غرفته مع كل من برويز مهدي قريشي وعبد العزيز ميرزا، سيلتحق الأول بأسطول البحرية الباكستانية فيما سيلتحق الثاني بسلاح الجو، وسيخدم كلاهما مع مشرف بعد أن يصل الثلاثة إلى أقصى درجات السلم العسكري (الحصول على رتبة جنرال بأربعة نجوم) بنهاية عقد التسعينيات، كما سيصبح عبد العزيز ميرزا صديق عمر مشرف، وسيسهم بشكل كبير في تقوية أركان حكمه كما سيرد لاحقًا.

تدرج برويز مشرف في صفوف الجيش، وشارك في حربين ضد الهند خلال مسيرته العسكرية التي دامت 35 عامًا: الأولى عام 1965 وهي التي عرفت بـ«حرب كشمير الثانية»، والثانية عام 1971 حيث كان قائدًا في قوات النخبة العسكرية، وقد تلقى عن دوره في حرب عام 1965 «وسام البسالة»، حيث عرف عنه استبساله وصموده رغم قصف نيران الهنود، ونظرًا لخبرته الواسعة، اختاره الجنرال ضياء الحق رئيس البلاد آنذاك كآمر لكتيبة قوات خاصة حديثة الإنشاء على حدود البلاد مع الهند.

Embed from Getty Images

كما برع مشرف في المجال الأكاديمي، حيث درس العلوم السياسية، وحاضر في كل من العلوم السياسية وعلوم الحرب في «جامعة الدفاع الوطني» في إسلام أباد، كما سافر في بداية التسعينيات للدراسة في «الكلية الملكية لدراسات الدفاع»، وكانت رسالة الماجستير التي أعدها بعنوان «تأثير سباق التسلح على شبه القارة الهندية-الباكستانية»، ونظرًا لنبوغه فقد وصفه أحد معلميه بالقول: «إنه ضابط مقتدر وفصيح وأنيق للغاية، إن باكستان محظوظة لامتلاك خدمات رجل مثله».

«ما طار برويز مشرف وارتفع…»

عام 1998، وعلى إثر خلاف وقع بين رئيس الوزراء آنذاك نواز شريف وقائد القوات البرية ورئيس أركان الجيش جيهانجير كرامت،  أقال رئيس الوزراء كرامت، ورقى برويز مشرف إلى رتبة جنرال بأربعة نجوم ليصبح قائدًا للقوات البرية ورئيسًا لهيئة الأركان المشتركة، ومن الجدير بالذكر هنا أن مشرف أظهر عدم رغبة في البداية في قبول منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة، معلنًا أنه «لا يهتم بشأن ذلك»، ورشح بدلًا من قائد القوات البحرية الأميرال بخاري ذي النفوذ القوي داخل الجيش، لكن ذلك قوبل بإصرار من رئيس الوزراء على استبعاد مشرف، الذي قبل المنصب في النهاية، ليقال الأميرال بخاري بعد احتجاجات قادها على القرار.

لكن هذه الحماسة الكبيرة من قبل نوزا شريف لقائد الجيش الجديد لم تدم طويلًا، حيث أدى الفشل الباكستاني فيما يعرف بـ «حرب كارجيل» مع الهند، وفشل خطة الاختراق الباكستانية للدفاعات الهندية، وما تبعه من ثورة الرأي على الخسائر والإخفاقات، إلى تدهور العلاقات بين الرجلين، الذين تبادلا الاتهامات حول المسؤولية عن تلك الأحداث، واتهم رئيس الوزراء مشرف بأنه قد أتم العملية بدون علمه، قبل أن تخرج إلى الصحافة تفاصيل التقارير العسكرية التي عرضت عليه قبل وبعد العملية.

ثارت الشائعات داخل الجيش وفي أوساط الرأي العام عن الخلاف بين قائد الجيش ورئيس الوزراء، ورغم سعي الطرفين إلى نفي تلك الأقاويل، إلا أن الخلافات قد تصاعدت بسرعة، حيث حاول رئيس الوزراء أثناء وجود مشرف خارج البلاد عزله، واستبداله بقائد جهاز الاستخبارات جواد زياد الدين، كما أعطيت الأوامر بمنع هبوط طائرة مشرف في مطار كراتشي. لكن «جهود اللحظات الأخيرة» لشريف وزياد الدين قد باءت بالفشل، إذ سرعان ما تحركت القطعات العسكرية فور سماع نبأ عزل مشرف لتحاصر المنشآت الحيوية للدولة، ومن بينها مطار كراتشي حيث سُمح لطائرة مشرف بالهبوط.

 

ألقي القبض على نواز شريف حيث بقي رهن الاحتجاز في منزله (غادر لاحقًا إلى منفى اختياري في السعودية بعد اتفاق ينص على اعتزاله العمل السياسي لعشر سنوات)، وسرعان ما خرج مشرف في خطاب إلى الشعب ليزف بشرى انقلابه، متبعًا ذلك بتغييرات سريعة داخل الجيش، وقد كان لصديق عمر مشرف الأميرال عبد العزيز ميرزا، المعين من قبل نواز شريف دور في تثبيت انقلاب مشرف في أيامه الأولى، حيث كان من أشد الداعمين والمتحمسين لتحرك الجنرال داخل الجيش.

«…إلا كما طار وقع»

عمد برويز مشرف إلى تدعيم سلطاته، وإضفاء الشرعية على انقلابه فأجرى استفتاءً شعبيًا على رئاسته في العام 2001، ثم أجرى استفتاء آخر في أبريل (نيسان) عام 2002 أصبح بموجبه رئيسًا لباكستان لولاية مدتها خمس سنوات، وامتثالًا لقرار المحكمة العليا الباكستانية أجرى انتخابات تشريعية في العام 2002. أسس مشرف حزبًا سياسيًا خاض به الانتخابات، وتصدر به النتائج، لكنه فشل في الحصول على الأغلبية المطلقة، الأمر الذي جعل مشرف عرضة لضغوط أحزاب المعارضة.

 

«ستراتفور»: باكستان.. كيف يدير المدنيون والعسكريون علاقتهم المعقدة؟

 

في ديسمبر (كانون الأول) 2002، وافق البرلمان الباكستاني على تعديلات دستورية تعطي مشرف صلاحيات واسعة تشمل سلطة إقالة الحكومة المنتخبة، وقد جاء ذلك في إطار اتفاق لمشرف مع أحزاب المعارضة الإسلامية يقضي بتخليه عن رئاسة الجيش في العام 2004، وهو الاتفاق الذي لم يلتزم به مشرف.

Embed from Getty Images

احتجاجات باكستانيين ضد برويز مشرف

سرعان ما بدأت العراقيل تظهر أمام رئاسة مشرف، فمشرف -الذي كان يلقب من قبل زملائه بالـ«كاوبوي» بسبب حبه لارتداء الملابس على الطراز الغربي، والذي كان يعشق موسيقى «الروك» إلى حد صعوده عام 2001 إلى خشبة مسرح في إحدى حفلات الروك -ليغني مع الفرقة أغنية وطنية- أصبح أحد الحلفاء الرئيسيين للإدارة الأمريكية في الحرب التي أعلنتها على الإرهاب في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، فتحت الأجواء الباكستانية للطائرات الأمريكية، وازداد التعاون الاستخباراتي، وخطب مشرف أمام الأمريكيين عن الإرهاب ومكافحته، كما كان أول رئيس باكستاني يصافح مسؤولًا إسرائيليًّا، حيث صافح رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في سبتمبر (أيلول) 2005 على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ما قيل عنه «انبطاح» مشرف أمام الأمريكيين، كما وصفه معارضوه، جر عليه ويلات كثيرة، وأورثه غضب الرأي العام المحلي، وجعله عرضة لنيران التصريحات من قبل أحزاب وشخصيات المعارضة، وزاد الطين بلة ما فعله في عبد القدير خان، العالم النووي الذي كان له الدور الأبرز في امتلاك باكستان لتكنولوجيا السلاح النووي، وجعلها تحتفظ بتوازن الردع مع غريمتها اللدود الهند، التي تمتلك هي الأخرى هذا السلاح.

Embed from Getty Images

العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان (يسار)

كان خان يشغل منصب المستشار العلمي للحكومة الباكستانية، وهو يتمتع بشعبية جارفة في البلاد باعتباره «منقذ باكستان» بسبب جهوده التي تمت على أعين الحكومة، لكن يبدو أن مشرف قرر -وفي محاولة لاسترضاء القوى الغربية التي لم ترضَ عن نشاطات خان المحتملة في السوق السوداء النووية- أن يغامر بكل ذلك، فجرى عزل خان، وتوقيفه، وأجبر على الخروج قسرًا على شاشة التلفاز مسجلاً اعترافه بمساعدة إيران وليبيا وكوريا الشمالية على امتلاك تكنولوجيا السلاح النووي (خرج خان لاحقًا عام 2008 وعلى وقع انهيار سلطة مشرف ليتراجع عن تلك الاعترافات)، وهو الأمر الذي أثار ردات فعل غاضبة داخل باكستان، ما أجبر مشرف على التراجع بإصدار عفو عن خان والاكتفاء بجعله قيد الإقامة الجبرية في منزله.

إحدى أكبر الأزمات التي واجهها مشرف أثناء حكمه، والتي لعبت دورًا كبيرًا في تقويض شرعيته، هي أزمة «المسجد الأحمر»، كان هذا المسجد الواقع في العاصمة إسلام آباد يشكل صداعًا للسلطات، فقد رفض إمامه، مولانا عبد العزيز غازي، تماهي مشرف في الحرب الأمريكية على الإرهاب، وأصدر فتوى ضد الجيش الباكستاني الذي كان يخوض معارك ضد طالبان والمقاتلين الإسلاميين على حدود أفغانستان، ما أدى إلى قرار وزارة الأوقاف بعزل غازي.

 

تصاعدت أزمة المسجد الذي تعرض للحصار من قبل قوات الأمن، على خلفية أعمال مسلحة وتهديدات أطلقها رواده الذين أعلنوا عن تحوله إلى محكمة شرعية، وعمدوا إلى إصدار توجيهات أخلاقية تتضمن انتقادًا للسياحة، فشلت جهود خفض الأزمة في النهاية وحاصرت قوات الأمن المسجد، متهمة المتحصنين فيه باحتجاز نساء وأطفال -وهو ما نفاه إمام المسجد- وفي فجر يوم الثلاثاء العاشر من يوليو (تموز) 2007، اقتحمت قوات الجيش المسجد بالقوة، في عملية راح ضحيتها 100 قتيل وفقًا لرواية السلطات (يبلغ العدد الحقيقي أضعاف هذا الرقم وفقًا لروايات أخرى)، وقد أعقب ذلك  عمليات عنف انتشرت في أرجاء البلاد، ما زاد من السخط الشعبي على حكم مشرف الذي كان في ذلك الوقت يصارع من أجل البقاء.

بحلول عام 2007، كان حكم برويز مشرف يحتضر بسرعة الصاروخ، تصاعد السخط الشعبي، وتنامى العداء لمشرف داخل أوساط المحامين والقضاة بعدما أقدم على إقالة رئيس المحكمة العليا افتخار محمد جودهري (وكانت المحكمة قد شهدت مشاورات بشأن عدم السماح لمشرف بالترشح في انتخابات 2002) وتوجيه اتهامات فساد ضده، وامتلأت الشوارع بالمتظاهرين المحتجين، أعلن مشرف حالة الطوارئ وعلق العمل بالدستور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007، ولم تفلح جهود قوات الأمن في السيطرة على الأوضاع، وبالرغم من فوز مشرف بولاية رئاسية في العام 2002، إلا أن الانتخابات العامة التي عقدت مطلع العام 2008 قد أسفرت عن فوز حزب الشعب الباكستاني المعارض، الذي شرع في إجراءات سحب الثقة من مشرف، وتحت التهديد، أجبر مشرف على تقديم استقالته في أغسطس (آب) 2008، ليعيش منفيًا في بريطانيا.

طعم السلطة لا يُنسى

عاش برويز مشرف في المنفى متكسبًا من محاضراته التي يلقيها في الجامعات والمنتديات ومراكز الأبحاث المختلفة، لقاء مبالغ مالية باهظة (بلغت أحيانًا 150-200 ألف دولار في اليوم إضافة إلى امتيازات أخرى)، فيما كان يواجه في الداخل الباكستاني اتهامات قانونية عدة، حيث وجهت له تهم تعطيل الدستور، والخيانة العظمى كما أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب في فبراير (شباط) مذكرة اعتقال بحقه في تهم متعلقة باغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة وزعيمة حزب الشعب بنظير بوتو.

Embed from Getty Images

برويز مشرف في إحدى محاضراته

ظلت أحلام العودة إلى الزعامة تداعب خيال مشرف، حيث ظلت الشائعات تدور حول نيته العودة إلى بلاده للترشح في انتخابات 2013، وبالفعل لم يبال مشرف بالاتهامات القانونية وعاد إلى باكستان في مارس (آذار) 2013، لكن طموحات مشرف قد ووجهت بمقاومة شرسة حيث صدر حكم قضائي يقضي بعدم أهليته لخوض الانتخابات، قبل أن يتم اعتقاله ويوضع تحت الإقامة الجبرية في منزله، ثم جرى لاحقًا إطلاق سراحه والسماح له بمغادرة البلاد حيث توجه إلى دبي.

 

نفس الأرض ونفس الحضارة.. لماذا إذًا تقدمت الهند وتخلفت باكستان؟

 

معارك مشرف القانونية والانتخابية لم تتوقف، حيث فرضت المحكمة العليا حظرًا على بطاقة الهوية وجواز السفر الخاصين بمشرف، قبل أن يجري التراجع عن القرار، كما أبدت المحكمة العليا المزيد من التسامح بخصوص مشرف، حيث سمحت له بعودة مشروطة من منفاه الاختياري في دبي، ويبدو أن هذا القرار قد أكسب مشرف المزيد من الثقة، فأعلن عزمه الترشح للانتخابات البرلمانية التي ستجري في يوليو القادم.

Embed from Getty Images

لكن قرار المحكمة العليا، وكما هو متوقع، جاء برفض ترشح مشرف في تلك الانتخابات، ليسدل الستار عن تلك الجولة في الصراع بين مشرف وخصومه، وفي ظل إصرار الجنرال العنيد الواضح على العودة إلى حلبة السياسة، فمن المؤكد أننا سنشهد جولات أخرى من صراع «القط والفأر» في باكستان.

المصادر

تحميل المزيد